قبل الفجر بقليل، وقف كايل خلف مخزن الصيدلية وهو يلعن برودة الجبل.
لم يكن البرد المشكلة وحده. المشكلة أن جسد رَين يبدأ بالسعال كلما ظل ساكناً طويلاً. وضع كايل كمه على فمه وحبس نفسه حتى خفت الوخز في صدره.
أمام الباب الخلفي للصيدلية، تحرك ظل صغير.
لينا مورو.
كانت نحيلة، أقصر من معظم التلاميذ، ورداؤها الأخضر الباهت يحمل بقعاً من مسحوق الأعشاب. ركعت عند القفل، أدخلت قطعة سلك رفيعة، ثم توقفت حين صرّ الباب. لم تدخل كمن يفعل ذلك للمرة العاشرة. دخلت كمن يعرف أن خطأ واحداً سيغير حياته.
انتظر كايل.
خرجت بعد لحظات، تخفي قارورة بنية داخل كمّها.
دواء حمى الرئة.
ذاكرة رَين أعطته الاسم قبل أن يفكر. لينا كانت تعمل في قسم الأعشاب، وأخوها الأصغر تيم يحمل الصناديق في المخازن السفلية. أصيب بالحمى قبل أيام، ولم يملك الاثنان نقاط خدمة تكفي لشراء الدواء.
لم تكن السرقة مفاجأة.
المفاجأة كانت القارورة الثانية.
على رف قريب من الباب، وُضعت زجاجة بلورية صغيرة تحت ضوء المصباح. زيت الفجر الصافي. علاج نادر يخص التلاميذ الداخليين. مكانه لم يكن هنا. لم يترك المشرف بران شيئاً بهذه القيمة قرب باب خدمة في منتصف الليل.
كان فخاً.
سمع كايل خطوات تقترب من الممر الحجري.
تجمدت لينا. لم تره بعد. كان يمكنه أن يبقى خلف الجدار ويشاهد بران يخرج، يفتشها، ثم يجد دواءها وقارورة الزيت الموضوعة لتدينها. عقوبتها لن تكون حرماناً من الحصص. بران يريد مثالاً يضبط به التلاميذ قبل الحريق.
وهناك أيضاً صوت سجل المؤسس في رأسه، بارداً ومختصراً:
[فرصة متاحة: أنقذ لينا مورو قبل شروق الغد.]
لم يقل:
كيف
لم يقل:
ولماذا
نظر كايل إلى القارورة البنية في يدها، ثم إلى مصباح الممر، ثم إلى باب مخزن الأدوات المجاور للصيدلية. ختمه الشمعي واضح وقابل للكسر.
اختيار سيئ.
لكنه أفضل من أن تخرج لينا من هنا بلا يدين.
تحرك.
مر من خلفها، دفعها برفق داخل الفراغ بين الجدارين قبل أن تصرخ، ثم ضرب الختم الشمعي بكفه. انكسر الختم بصوت جاف في الصمت.
«من هناك؟!»
خرج المشرف بران حاملاً قنديلاً، وخلفه حارسان بعصي خشبية مغلفة بالحديد.
خطا كايل إلى الضوء، ويده تنزف من قطعة الشمع المتكسرة.
رفع بران القنديل إلى وجهه. كان رجلاً عريضاً بوجه حاد، يعرف كيف يجعل الصمت يبدو تهديداً.
«رَين كارتر.» قال الاسم كأنه نكتة. «قررت أن تصبح لصاً بعد أن عجزت عن التدريب؟»
خفض كايل رأسه. «كنت أبحث عن مرهم للصدر، يا مشرف. لم أجد أحداً في العيادة.»
«فكسرت ختم مخزن الأدوات؟»
«كنت خائفاً أن يزيد السعال.»
لم يجب بران فوراً. تحركت عيناه نحو رف زيت الفجر الصافي، ثم عادت إلى كايل. عرف كايل أنه فهم ما حدث. الفخ كان جاهزاً للينا، لكن دخول شخص آخر أفسد ترتيب القصة.
ومع ذلك، لم يكن بران رجلاً يترك فريسة تمشي.
«أما لينا مورو؟» نادى بصوت أعلى.
خرجت لينا من ظل الجدار ببطء. أخفت القارورة البنية، لكن رائحة الأعشاب كانت عالقة في كمها. رأت كايل، ثم بران، ثم الحارسين. لم تطلب المساعدة. فقط رفعت ذقنها قليلاً، كأنها تستعد للضربة.
قال بران: «ما الذي تفعلينه قرب الصيدلية؟»
«كنت أبحث عن قشور شجرة السعال.»
«في منتصف الليل؟»
«الأعشاب لا تختار وقت مرض الأطفال.»
تغير وجه الحارس الأقرب قليلاً. أما بران فلم يتغير.
قال: «ستُحرم من حصتك هذا الشهر. وأي خطوة أخرى قرب الصيدلية ستجعلني أفتش غرفتك بنفسي.»
كان يمكنه أن يفتشها الآن. لكنه لم يفعل.
لأن القارورة الثمينة ما زالت على رفها، ولأن كايل كسر الختم أمام الحراس، ولأن عقوبة لينا بلا دليل ستفتح أسئلة لا يريدها بران قبل أن تكتمل خطته.
التفت إليه.
«أما أنت يا رَين… فستصلح ما كسرته.»
توقع كايل عقوبة الساحة أو المقالع.
قال بران: «بئر النفس. ستنزل عند الشروق، وتزيل الركام حتى المغرب. إن خرجت قبل أن يخبرني الحارس أن المكان نظيف، سأوقع قرار نقلك إلى المقالع.»
بئر النفس.
عرفها رَين من الذاكرة: حفرة قديمة تحت ساحة التدريب، مهجورة منذ انهيار جانب منها. رطبة، ضيقة، ومليئة بحجارة لا يستطيع جسده الضعيف حمل نصفها.
عرف كايل أيضاً شيئاً آخر.
الحريق سيبدأ من هناك أو قريباً منها. لأن هارڤن قال إن السجلات والأرض يجب أن تختفي، ولأن الرجال لا يختارون بوابة غربية وحدها إذا كان تحت الطائفة ممر قديم.
انحنى كايل. «كما تأمر.»
مر بجانب لينا. لم تنظر إليه. لكن أصابعها كانت مشدودة حول كمها حتى ابيضت مفاصلها.
***
عند الشروق، أعطاه الحارس معولاً قديماً وحبلاً، ثم أنزله إلى البئر.
كان الهواء أثقل كلما نزل. في القاع، لا يصل ضوء إلا من فوهة بعيدة فوقه. رائحة طين وماء راكد وحجر مكسور. وضع الحارس دلواً إلى جانبه وقال: «ركام الجدار الشرقي أولاً. لا تحاول اللعب بالبئر، وإلا تركتك هنا.»
ضحك الحارس وصعد.
بقي كايل وحده.
رفع أول حجر، فتذكر فوراً لماذا كان رَين ينهار في الساحة. جسده لم يعرف التوازن. كان يدفع بكتفه ويشد بذراعه أكثر مما يحتاج، فيسحب الألم إلى ضلعه المصاب.
توقف بعد ثلاث محاولات.
«ليس أقوى.» همس لنفسه. «أذكى.»
بحث عن لوح خشب بين الركام، أدخله تحت حجر مسطح، واستعمله رافعة صغيرة. لم يجعل الحجر خفيفاً. لكنه جعله يتحرك.
ساعة بعد أخرى، أخرج حجارة وطيناً وقطع حبل مهترئ. يده تورمت، وظهره احترق، لكن الجدار الشرقي بدأ يظهر.
ثم رأى ما لا يفترض أن يكون هناك.
خشب جديد بين حجارة قديمة.
لم يكن دعامة. كان صندوقاً محطم الحافة، عليه أثر حبل جلدي أسود. انحنى كايل وأخرج قطعة صغيرة من شمع أحمر التصقت بالخشب. لم يحمل شعار الغراب الرمادي. حمل خطاً مشقوقاً كالجبل.
الجبل الأسود.
ثبت أن رجالهم دخلوا البئر بالفعل.
تقدم نحو الجدار. بين حجرين كبيرين كان هناك خدش طويل، منتظم أكثر من أن يصنعه انهيار. وضع كايل أصابعه عليه، فشعر بتيار بارد يخرج من الشق.
ممر.
ليس وقت فتحه.
لو حفر الآن، سيجد نفسه في نفق لا يعرفه بجسد لا يتحمل ركض عشر خطوات. ولو رآه الحارس، سيذهب الخبر إلى بران ثم إلى هارڤن. ما يحتاجه الآن ليس مغامرة. يحتاج دليلاً، وخطة، وأشخاصاً لا يحترقون معه حين يبدأ الليل.
أعاد قطعة الشمع إلى جيبه، وغطى الشق ببعض الطين قبل أن يعود الحارس.
عند المغرب، كان بالكاد يصعد السلم. لم يمد الحارس يداً ليساعده. فقط تفحص الركام، تمتم بكلمة غير راضية، ثم أشار له بالمغادرة.
خارج البئر، سقط كايل على ركبتيه للحظة. لم يكن هذا بطلاً يخرج من تدريب شاق أقوى فجأة. كانت أصابعه ترتجف، وكتفه لا يطاوعه، ورأسه يدور من قلة الطعام.
لكنه حمل في جيبه أثراً من الجبل الأسود.
وهذا أكثر مما كان لديه صباحاً.
***
وجد لينا قرب الممر المؤدي إلى قسم الأعشاب.
كانت تقف بجانب جدار حجري، ويداها داخل أكمامها. لم تقل شكراً حين رأته. لم تبتسم. فقط قالت:
«تيم أخذ الدواء. انخفضت حرارته.»
«جيد.»
حاول كايل المرور، فخطت خطوة وسدت الطريق.
«لماذا فعلت ذلك؟»
رفع نظره إليها.
«ماذا؟»
«لا تتصرف كأنك لا تعرف.» كانت نبرتها هادئة، لكنها ليست لطيفة. «كنت خلف الصيدلية. رأيتني. ثم كسرت الختم. عقوبة البئر كانت قد تقتلك.»
لم يجد كايل جواباً مريحاً.
لا يستطيع أن يقول إن صفحة رمادية أخبرته بأن ينقذها. ولا يستطيع أن يخبرها عن الحريق. ليس بعد.
ظهرت النافذة أمامه.
[عضو محتمل: لينا مورو]
[المشكلة: لا تثق بمن يدفع الثمن بدلاً منها.]
[الشرط: لا تطلب منها ولاءً قبل أن تمنحها سبباً للبقاء.]
أراد أن يسألها عن الأعشاب، وعن المخزن، وعن المرضى، وعن كل ما يمكن أن تحتاجه طائفة محاصرة. ثم تذكر السطر الأخير.
لا تطلب ولاءً.
قال بصراحة: «لأنني أحتاج إلى شخص يعرف الأعشاب.»
حدقت فيه لينا كأنها لم تسمع جيداً.
أكمل: «شخص يعرف أي دواء ينفع، وأي سم يقتل، وأين يخفي المشرفون المواد حين لا يريدون لأحد أن يجدها.»
«وهذا كل شيء؟»
«هذا سبب كافٍ بالنسبة لي.»
تراجعت نصف خطوة. لم تبدُ ممتنة. بدت أكثر حذراً.
«هذا سبب يجعلك تحسب حساباتك.» قالت. «ليس سبباً يجعلني أثق بك.»
«لم أطلب منك أن تثقي بي اليوم.»
للمرة الأولى، تغيرت عيناها قليلاً.
ثم استدارت ومشت.
بقي كايل في الممر. فتح كفه وأخرج قطعة الشمع الأحمر. كان شعار الجبل الأسود واضحاً تحت الغبار.
رفع رأسه نحو البوابة الغربية.
هناك، فوق الأشجار، ارتفع خيط دخان أسود رفيع.
ليس دخان مطبخ.
إشارة.
شد كايل يده حول قطعة الشمع حتى آلمته أصابعه.
«ستة أيام.»
هذه المرة، لم يقلها بوصفها موعداً بعيداً.
قالها كمن سمع عداداً يبدأ بالتحرك.