"ظننتُ أن السحرة سيتوافدون إلى هنا."
قالت يي رانغ وهي تقلي الفطائر رفع رأسه عن الطاولة حيث كان يخلط العجين بالمخفقة؛ لقد مر أسبوع منذ وصوله إلى مرصد بونغ راي الفلكي، ولا تزال الرياح الباردة تعصف بالخارج.
"يبدو أن غليزا فاقد للطاقة، ربما هو قلق لأن سيده لم يأتِ بعد."
"……."
هذا منطقي فكر وهو ينفض العجين العالق بالمخفقة؛ لا يمكن لساحر ألا يعرف مكان تابعه، ولا يمكن لساحر يمتلك قواه السحرية كاملة أن يعجز عن تسلق جبل كهذا لابد أن خطبًا ما قد حدث.
كان هو و غليزا في حالة خصام ولم يتبادلا كلمة واحدة منذ أيام بدا أن غليزا ليس لديه ما يقوله له، أما هو، فقد تلاشت ذكرياته لدرجة أنه لم يعد يملك ما يتحدث عنه، كما لم يراوده أي شعور بالرغبة في الاعتذار عن تهديداته السابقة.
أما يي رانغ، فقد كانت هادئة للغاية، لدرجة جعلته يتساءل عما إذا كانت تدرك حقًا معنى كونه أسوأ مجرم
"ألا تشعرين بالخوف مني؟"
"واو، هذه الجملة تبدو كأنها من فيلم! بمناسبة الحديث عن الأفلام، هل نُشاهد فيلمًا هذا المساء؟"
"يا أنتِ.. سألتكِ، ألا تخافين؟"
"وهل يجب عليّ أن أخاف مسبقًا من أمر لا أعرفه؟ أنت نفسك لا تملك ذكريات."
"حتى وإن كان الأمر كذلك، ألا ترين أنكِ مفرطة في البرود؟"
"هل ستفعل بي شيئًا غريبًا؟"
"لا."
"أرأيت؟"
وضعت يي رانغ طبقًا أمامه ورغم أنه أخبرها مرارًا أنه لا يحتاج إلى الأكل، إلا أنها كانت تعد له الطعام بين الحين والآخر؛ بدا الأمر وكأنها تحتاج فقط إلى شخص يجلس ويأكل معها.
"على أية حال، أنتِ غريبة الأطوار.. إذا بدأنا في التدقيق، ألا يُعد أمركِ أنتِ وشقيقكِ مريبًا أيضًا؟ وهذا المرصد كذلك."
"أحقًا تظن ذلك؟"
ما إن دهن الزبدة الذائبة فوق الفطائر، حتى فاحت رائحة شهية ملأت المكان.
"ممم.. جدي وجدتي لأمي هما من أسسا هذا المرصد كانت والدتي تديره ثم سلمته لنا."
"وأين هما الآن؟"
"لقد توفي جدي وجدتي أما والداي، فكلاهما يعمل في معهد لأبحاث الفيزياء الفلكية في الخارج."
"يبدو أن الهوس بعلم الفلك وراثة في عائلتكم؟"
انفجرت يي رانغ ضاحكة عند سماع قوله ذلك.
"بالفعل! حتى أنا أظن أن الأمر مبالغ فيه قليلاً، أليس كذلك؟"
"… على الأقل أنتِ تدركين هذا…."
"لقد كان تقليداً عائلياً."
"دراسة الفلك؟"
"كلا، كلا بل تكويم الطعام، وتناوله صنفاً تلو الآخر بينما نراقب النجوم معاً كانت عائلتي تأتي إلى هنا في كل عطلة شتوية منذ أن كنتُ في المدرسة الابتدائية."
أحضرت يي رانغ الفطائر التي نضجت للتو وجلست أمامه وبطريقة طبيعية، مرر إليها طبق الفطائر الذي دهنه بالزبدة وأخذ طبقها بدلاً منه، مما جعل يي رانغ تضحك بخفة.
"لو كنتم تأتون كل عام، لكان الأجدر بكم تمهيد الطريق قليلاً."
"الطريق موجود بالفعل، هناك ممر صغير خلف المرصد."
"وما المشكلة إذاً؟"
"الثلوج تتراكم بسرعة هائلة.. لا توجد بناية واحدة من أسفل الجبل حتى هنا سوى مرصدنا من المستحيل تنظيف كل ذلك الطريق من الثلوج."
اكتفى برفع حاجبيه بدلاً من الرد لهذا السبب جعلوا المكان دافئاً ومريحاً هكذا ، فكر في نفسه.
لم تكن هناك زاوية في المنزل لم تظهر عليها آثار الاستخدام والزمن؛ الخربشات على زوايا ورق الجدران، وكتب القصص المصورة في مكتبة غرفة المعيشة، بدت الآن منطقية بالنسبة له.
"يعني هذا أن هذا المكان بمثابة مسقط رأسكِ."
"بالضبط."
"ومع ذلك استقبلتِني فيه بكل أريحية."
"لقد أخبرتكَ من قبل، يأتي إلى هنا أحياناً كتاب، صحفيون، باحثون… لقد اعتتدتُ قضاء فصل الشتاء مع الضيوف آه، هذا لذيذ."
"… صحيح."
كانت يي رانغ تمضغ الفطائر التي ملأت بها جانب خدها، بينما سكب هو الشراب المركز على طبقه.
سكب الكثير منه، مما جعل يي رانغ تلقي نظرة خاطفة على طبقه الذي غرق بالشراب.
"لماذا تدرسين علم التشفير؟"
"آه، هل رأيت تلك الكتب؟"
"بالصدفة فقط."
"ممم… سأخبرك بذلك عندما نصعد للأعلى."
بعد الانتهاء من تناول الفطائر، اصطحبته يي رانغ إلى أمام لوحة التحكم في المختبر.
قالت يي رانغ وهي تشغل الجهاز
"تلك الشفرات هي إشارات فضائية التقطها مرصدنا، منذ حوالي ثلاثين عاماً."
"إشارات فضائية؟"
"نعم كان ذلك قبل حتى أن أُولد."
نقرَت يي رانغ على لوحة المفاتيح، بينما وقف هو يراقبها واضعاً يديه في جيبيه.
"قيل لي إن الجميع أصيبوا بالذهول عند اكتشافها لأول مرة؛ فهي بالتأكيد ليست إشارات طبيعية."
"……."
"ربما يمكنكَ فك تشفيرها انظر هنا."
بدأت موجات الإشارة اللاسلكية تظهر على لوحة التحكم حدق في الرسم البياني الذي كان يتحرك صعوداً وهبوطاً بتعابير جامدة.
"لا تظنين أنني سأفهم شيئاً بمجرد النظر إلى هذا، أليس كذلك؟"
"انتظر قليلاً، سيخرج الصوت بعد قليل."
استند إلى كرسي يي رانغ وهو يكتف ذراعيه انبعث صوت طنين وتشويش من مكبرات الصوت؛ كان صوتاً لاسلكياً مليئاً بالضجيج.
"ما رأيك~؟"
"… أعِدي تشغيله مرة أخرى."
"هاه؟ حسناً."
ما إن أعادت يي رانغ تشغيل الصوت، حتى اشتعلت شرارة في عقله.
"… هل تملكين السجلات الأصلية لهذه الإشارة؟"
"موجودة، لكنها مجرد جداول تحتوي على أرقام وإحصائيات."
"لا يهم، أرني إياها."
أحضر عصاه من الأسفل، فأظهرت له يي رانغ جداول مليئة بالأرقام حينها، رأى القوى السحرية تتماوج من خلف تلك الأرقام.
"كوما؟ ما الخطب؟ هل اكتشفتَ شيئاً؟"
"هناك سحر مخبأ بداخلها هذا مخزن لنقل السحر."
لمع الحجر الكريم الموجود في عصاه بضوء خافت بدأ يحسب القوى السحرية، مرة تلو الأخرى.
"هل يمكنكَ فتحه؟"
"… يمكنني ذلك إذا سكبتُ كل قواي السحرية فيه."
"أوه… لنترك الأمر إذاً يكفي أن نعرف أن هذه كانت إشارة أرسلها ساحر."
"……."
"كوما؟"
فجأة، ارتسمت ابتسامة على طرف شفتيه.
"كنتُ أشعر أن هناك خطباً ما."
"ماذا؟"
"لستُ من النوع الذي يفقد قواه السحرية ويستسلم للأمر ببساطة…."
"… كوما؟"
"هذه هدية أرسلتُها أنا في الماضي من الجيد أنكم احتفظتم بها."
نظرت إليه يي رانغ بذهول، فقال لها
"يبدو أن مجيئي إليكِ لم يكن مجرد صدفة يا تشون يي رانغ."
توهج الحجر الكريم في عصاه بضوء أحمر، ثم وجه طرف عصاه نحو الشاشة.
"أغمضي عينيكِ."
كان يحتاج إلى تعويذة واحدة فقط لفك الختم.
"كوما."
انقشعت القوى السحرية الحمراء التي كانت تغلف العصا، ليمتلئ المختبر بأكمله بضوء أزرق ساطع.
تسللت القوى السحرية والذكريات إلى عقله كما ينتشر الحبر الأزرق في الماء كانت ذكريات أرسلها لنفسه، ذكريات محملة بالأمل واليأس معاً.
تلاشى الضوء في لحظة خاطفة.
"… آه."
لفظها بصوت خافت.
كانت عيناه تحترقان وشعر بضيق في صدره تلك الذكريات التي لطالما أرادها، وفي الوقت نفسه تمنى الهروب منها، باتت الآن تحاصره مسح وجهه بيديه المتحشرجتين وخرجت منه ضحكة ساخرة من نفسه.
"… ههه…."
"كوما…! هل أنت بخير؟"
"… الأمر مثير للسخرية فحسب…."
عندما أحنى رأسه، تسرعت خصلات شعره الأمامية لتغطي رؤيته؛ كان لونها ذهبياً، لكن ذلك اللون لم يعد يهم عيناه كان هناك لون آخر يطغى على عقله الآن.
لون وردي ناعم.
شعر وردي يصل إلى الخصر، ونجم صغير يلمع ببراعة، وصوت ضحكات….
"ساشا…."
نطق بالاسم الذي طالما تاه وبحث عنه بكل جوارحه.
****
لم تسأل يي رانغ عن أي شيء؛ فبالرغم من أنها كانت من النوع الذي يثار حماسه بشدة تجاه الأمور الصغيرة، إلا أنها كانت تتحلى بهدوء غريب عندما تقع الأمور الجلل.
اكتفت يي رانغ بالنظر إلى شعره الذهبي وعينيه الزرقاوين العميقين
"لقد كنتَ حقاً نجماً."
****
ظل جالساً على الأريكة شارداً حتى غربت الشمس، غارقاً في ذكرياته الطويلة الممتدة.
لقد كانت حياته عبارة عن حلقة مفرغة من القتال والفقدان.
كان سديم تارانتولا موطنه، وقد بذل جهوداً مستميتة لحمايته ومن بين البروشات المعلقة على عباءته، كان أكبرها وأكثرها فخامة هو ذلك الذي يُمنح لحامي سحابة ماجلان الكبرى
"ليس من الجيد استرجاع كل تلك الذكريات دفعة واحدة."
"هل تشعر بالتعب؟"
جلست يي رانغ بجانبه، لكنه لم يلتفت إليها.
عيناه اللتان تتلاطم فيهما القوى السحرية الزرقاء بدتا أكثر قتامة من ذي قبل.
"… لا أعرف."
"هل تشعر بصدمة الواقع؟"
"صدمة… ماذا؟"
"هل تود مشاهدة فيلم؟"
"افعلي ما تشائين."
شغلت يي رانغ فيلماً، ويبدو أنها اختارته عشوائياً، لكنه كان وبشكل بارع يتحدث عن عميل استخبارات فقد ذاكرته.
<كيف لي أن أنساكِ؟ أنتِ الشخص الوحيد الذي أعرفه.>
ضحكت يي رانغ بخفة وهي تسمع حوار الفيلم.
"مثل هذا الكلام لا يكون مؤثراً إلا إذا قاله شخص وسيم…."
"ماذا لو قلتُ أنا إنني لا أعرف أحداً غيركِ؟"
"سعال.. ماذا؟"
"هل سيجعلكِ هذا الكلام تشعرين بالإثارة؟"
كادت يي رانغ أن تسكب العصير الذي كانت تشربه وبدا مظهرها مشابهاً جداً للحظة لقائهما الأول في المرصد، مما جعله يطلق ضحكة خافتة.
"لا تندهش، لقد أخبرتكَ عدة مرات أنكَ وسيم!"
"… تسيء فهم الأمور من تلقاء نفسها ثم تتحدث."
الآن أدرك لماذا بدا له إعجابها بالوجوه الوسيمة مألوفاً؛ لقد كانت نسخة طبق الأصل من ساشا.
"زوجتي كانت تكره هذا النوع من الكلام."
"زوجة؟ وهل تتزوج النجوم أيضاً؟ بل الأهم من ذلك، هل أنت متزوج؟"
"كنتُ كذلك لكنني فقدتها."
"… بما أن ذاكرتك قد عادت… فلا ينبغي أن تفيض بكل هذه الأسرار فجأة…."
ضحك بخفة، بينما استمرت يي رانغ في مشاهدة الفيلم بملامح لا يمكن تفسيرها.
كان الفيلم عبارة عن ثلاثية ومع بداية الفيلم الثاني، بدأت يي رانغ تغط في النوم حتى مالت برأسها على كتفه ونامت.
شاهد هو الأفلام الثلاثة كاملة وهو جالس في مكانه وعندما انتهى العرض، بدأت أسماء العاملين ترتفع على الشاشة السوداء.
تحدث غليزا، الذي كان يجلس على مسند الأريكة منذ وقت ما
"… سمعتُ أن ذاكرتك قد عادت."
"أجل ليس بالكامل، لكن عاد منها ما يكفي."
قالها بنبرة هادئة رمقه غليزا بنظرة حادة مليئة بالغيظ
"أنت، لقد استخدمت ذلك السحر مجدداً، أليس كذلك؟"
"سحر كوما؟ نعم، فعلت."
"لقد فقدتَ كل من تحب بسبب ذلك السحر، ومع ذلك تكرر الأمر…!"
"هل تقول إن ساشا ماتت بسبب سحر كوما؟"
عندما نظر إليه بعينين حادتين كالنصل، انكمش غليزا على نفسه بشكل لا إرادي.
"انتقِ كلماتك بدقة لم يكن بسببي، بل كان بسبب السحرة."
"……."
"بسبب السحرة الذين يرفضون سحر كوما بشكل قاطع بمجرد سماع اسمه، تماماً مثلك."
انخفضت نبرة صوته وهو يكمل
"… أنا آسف."
"هل تصدق أنت أيضاً ادعاءات مجلس الشيوخ بأن سحر كوما يدمر القدر؟"
"لم يكن هناك أحد غيرك لم يصدق تلك الكلمات الجميع يعلم أن نهاية ذلك السحر هي الهلاك…."
أطلق ضحكة استهزاء خافتة.
"كل أنواع السحر تتسبب في حرف مسار القدر، فهذا هو جوهر السحر وجسارته أما سحر كوما، فهو ببساطة أصعب قليلاً في التحكم."
"... لا يمكنني تصديق ذلك انظر إلى حالك، لقد تضررت أنت نفسك بسبب هذا السحر..."
"ها أنت ذا تتجاهل مجدداً ما جنيتُه من مكاسب بفضله.. هل يرضي غرورك أن يظل سحر كوما مجرد خطر محض؟"
"……"
"بالطبع لهذا السبب انتظر الجميع بلهفة لحظة فشلي."
كانت كلماته مسمومة، لكنه حرص على خفض نبرة صوته؛ لأن يي رانغ كانت نائمة بجانبه.
"... القدر لا يبقى ساكناً أبداً إن كنت تظن أن الأمور ستسير على ما يرام لمجرد أنك لم تتدخل فيها، فأنت واهم."
لم يجب غليزا، فتنهد هو بصوت مسموع كان يعلم أن الجدال مع غليزا لن يغير من الأمر شيئاً.
"... وفوق ذلك، يبدو أن لويتن بخير."
"حقاً...؟"
"أجل ، يبدو فقط أنه عالق في وضع يمنعه من التحرك حالياً."
سأل غليزا بحذر
"... سكيون هل ستذهب الآن للبحث عن نجمك؟"
"كلا ، لم يعد هناك داعٍ لذلك."
"لكن قواك السحرية لم تستعد عافيتها بالكامل بعد."
"لا يوجد سبب يدفعني لمغادرة هذا المرصد لقد كانت وجهتي المنشودة هي هنا."
نظر إليه غليزا بعينين ترتجفان من الصدمة، بينما كان هو يتوقع الكلمات التالية التي سينطق بها التابع.
"... هل يعقل... أن يي رانغ هي..."
"بالضبط إنها ساشا إيوس."
نزل غليزا من فوق الأريكة بصمت مطبق وكأن الرعب قد تملكه أما هو، فأطفأ الفيلم وظل جالساً في سكون لفترة أطول، ثم طبع قبلة عميقة على رأس يي رانغ الدافئ.
لم يكن وصوله إلى مرصد بونغ راي الفلكي مجرد صدفة عابرة.
لقد حمّل ذكرياته وقواه السحرية في تعويذة جبارة دمجت بين سحر كوما وإيبيرا وفيرنو في تلك اللحظة، انحرف مسار القدر بشكل هائل؛ لقد جاء إلى هنا متتبعاً الطريق الذي مهده لنفسه مسبقاً ليلتقي بـيي رانغ.
"لنرحل معاً لابد أن هناك مكاناً يمكننا أن نجد فيه السعادة."
كانت تلك آخر كلمات قالها لـساشا وكان عليه أن يفي بوعده، كان عليه أن يجد ساشا إيوس مهما كلف الثمن.
حتى وإن كانت تلك الوجهة هي مقبرة النجوم والأرض المحرمة، تلك البوابة الصغيرة التي تنتظر فيها النجوم الميتة حياتها القادمة.. كوكب الأرض.
لقد خاطر بكل شيء، وقطع مسافة تتجاوز 160 ألف سنة ضوئية ليصل.