انزلق سيف آرين من بين أصابعه قبل أن يلامس نصل خصمه.
في اللحظة التالية، ارتطم بالحجارة الرطبة لساحة التدريب، ودفعه نصل الحارس غاريت إلى الوراء حتى أحسّ ببرودة الحديد عند حنجرته.
سكتت الساحة.
كان عشرات الفرسان والخدم قد تجمعوا قرب المدرجات الخشبية لمشاهدة اختبار اليوم. لم يصفق أحد، ولم يضحك أحد بصوت مرتفع. لكن آرين عرف تلك النظرات أكثر مما عرف وجوه أصحابها: شفقة خفيفة في عيون الخدم، وضيق في وجوه الفرسان، وملل نبلاء يريدون رؤية خاتمة أمر محسوم.
قال غاريت وهو يبعد سيفه عن عنق آرين: «انتهى الاختبار يا سيدي.»
شدّ آرين على أسنانه ونهض ببطء. كانت كفه مخدّرة، ومعصمه ينبض بألم حاد. لم تكن الضربة قوية إلى هذا الحد. هو من أخطأ؛ حاول دفع المانا داخل السيف كما يفعل كل وريث من بيت ڤيردان، فتسرّبت الطاقة من نواته المتشققة وأحرقت ذراعه من الداخل. للحظة فقد أصابعه قوتها، فسقط السيف.
مرة أخرى.
التقطه من الأرض، ثم نظر إلى بريقه الباهت. كان سيف تدريب عاديّاً، أخف من أسلحة فرسان البيت، ومع ذلك بدا له أثقل من بوابة القلعة.
«تقدّم.»
لم يأتِ الصوت من غاريت، بل من الشاب الواقف عند أسفل المدرج.
كان كاين ڤيردان في التاسعة عشرة، يرتدي معطفاً أزرق داكناً بلا درع، وسيفاً حقيقياً عند خاصرته. لم يحتج إلى أن يلمسه كي يلمع غمده بخيط رقيق من المانا. بدا ذلك طبيعياً عليه، كما يبدو التنفس طبيعياً على أي إنسان.
قال كاين: «أمامك محاولة أخيرة. اضربه كما يضرب حامل نصل الفجر، لا كما يلوّح حطّاب بفأسه.»
رفع آرين رأسه إليه. «لم أطلب نصيحتك.»
«ولم أعطك نصيحة.» رد كاين بلا ابتسامة. «أنا أذكّرك بما يراه الجميع.»
غاريت تراجع خطوة. لم يكن يريد إكمال الأمر، لكن ساحة التدريب لم تعد تخصه. شد آرين قبضته على المقبض، وزفر ببطء، ثم اندفع.
تعلّم نصل الفجر حركة بسيطة منذ كان في العاشرة: خطوة قصيرة إلى الأمام، خفض الكتف، ثم تفجير المانا في الساعد في اللحظة التي يتحرك فيها السيف. كان والده يقول إن الحركة تجعل أول ضربة كأنها شرارة شمس عند الفجر.
خفض آرين كتفه.
خطا.
ودفع المانا.
انفلتت الطاقة من التشقق في صدره.
غامت رؤيته. انقبضت عضلاته فجأة، وانحرف سيفه قبل أن ينزل. لم يحتج غاريت إلى أكثر من التفاف صغير للمعصم كي يضرب جانبه المسطح على يد آرين.
طار السيف للمرة الثانية.
هذه المرة، وقع الصمت قبل أن يصل الحديد إلى الأرض.
تردد صوت اللورد مارك من المنصة العليا.
«يكفي.»
تجمّد الجميع.
كان رئيس الفرع الثالث من بيت ڤيردان رجلاً عريض الكتفين، ذا شعر فضي قصير وعينين لا تقرآن الغضب ولا الحنان. لم يكن يرفع صوته في العادة؛ لذلك لم يحتج إلى رفعه الآن. نزل الدرج الحجري حتى وقف على حافة الساحة، ثم نظر إلى آرين كأنه يفحص نصلًا خرج من الحدادة معيباً.
«آرين ڤيردان. بلغت الثامنة عشرة اليوم.»
لم يجب آرين. كان الدم يقطر من بين أصابعه، لكن الألم في صدره كان أشد.
تابع مارك: «ثماني سنوات من الجرعات، والمدربين، ووقت الساحة. أعطيناك أكثر مما أعطيناه أي حامل اسم في الفرع الثالث.»
همس أحدهم في المدرج، ثم صمت فور أن رفع مارك عينيه.
«لكن بيت ڤيردان لا يُبنى على النوايا. إنه بيت سيف. والرجل الذي لا يحمل سيف البيت لا يطلب من البيت أن يحمله إلى الأبد.»
عرف آرين ما سيأتي قبل أن ينطق به عمه. ظل يعرفه منذ أن عاد آخر معالج من فحص نواته قبل شهرين ورفض النظر إليه بعد ذلك.
«لديك سبعة أيام.»
تصلبت أصابعه حول لا شيء.
«سبعة أيام لتثبت أن نواتك تستطيع حمل أسلوب الفجر، أو يُشطب اسمك من سجل البيت.»
لم تكن الكلمات صرخة، لكنها ضربت الساحة كأنها نصل.
أكمل مارك: «بعد الشطب، ستُنقل إلى بيت غاليا باعتبارك الضمان المتفق عليه لدين الفرع الثالث.»
هذه المرة لم تبقَ الهمسات خافتة.
بيت غاليا لم يكن عدواً معلناً. كان بيتاً نبيلاً يملك أراضي واسعة جنوب أستيريا، ويربطه ببيت ڤيردان اتفاق قديم لا يحب أحد الحديث عنه. لكن الضمان في اتفاقات النبلاء لا يعني زيارةً ولا ضيافة. يعني أن يعيش الاسم المرسل تحت رقابة بيت آخر، بلا حق في حمل سلاحه، حتى يسدد دين لم يصنعه بيديه.
رفع آرين عينيه إلى عمه. «أريد فرصة حقيقية. نزالاً آخر. خصماً من جيلي، لا حارساً مدرباً منذ عشرين عاماً.»
تحرك شيء في وجه مارك، أو لعل آرين تخيله.
«هذه كانت فرصتك الحقيقية.»
قال كاين من قرب المدرج: «الخصم لا يهم إن كانت يدك تترك السيف كلما سرت فيها المانا.»
التفت آرين إليه. كان يريد أن يضربه. أن يلتقط سيف التدريب من الأرض ويشقه، ولو عرف أنه سيخسر. لكن ذلك سيجعل كل كلمة قالها كاين صحيحة. لذلك انحنى وأخذ سيفه، رغم رجفة يده، ثم غادر الساحة من دون أن ينظر إلى أحد.
لم يناده أحد.
حلّ المساء على بيت ڤيردان باردًا وهادئاً. من نافذة غرفته الضيقة رأى آرين أضواء الأبراج والحراس يسيرون في الممرات. كان المكان الذي نشأ فيه يبدو في الليل أجمل مما يستحق؛ جدران رمادية، رايات تحمل رمز النصل الشمسي، وساحة يتعلم فيها أبناء الخدم كيف يحيّون أبناء السادة.
في الغرفة لم يكن هناك سوى سرير، وخزانة، وسيف تدريب مائل على الحائط.
جلس آرين أمامه طويلاً.
لم يكن يكره السيف. لو كرهه لكان الأمر أسهل. كان يحب صوت الحديد حين يخرج من غمده، ورائحة الزيت على المقبض، واللحظة القصيرة التي تسبق الضربة حين يصبح العالم واضحاً. لكنه منذ طفولته حاول أن يقاتل بطريقة لا يريدها جسده.
طرق الباب طرقاً واحداً حاداً.
«ادخل.»
دخل خادم مسن يحمل صندوقاً خشبياً مستطيلاً، وخلفه اللورد مارك.
نهض آرين فوراً.
وضع الخادم الصندوق على الطاولة، ثم انسحب دون كلمة.
قال مارك: «الفرع سيستقبل مفتشين من بيت غاليا بعد سبعة أيام. حتى ذلك الوقت، ستبقى بعيداً عن الساحة العامة.»
«ممتاز. هل جئت لتخبرني أين أخفي خيبتي كي لا تزعج الضيوف؟»
لم يغضب مارك. فتح الصندوق بدلاً من ذلك.
في داخله كان نصف سيف قديم، عريضاً ومكسوراً عند منتصف النصل. صدئاً من الحافة حتى المقبض، وملفوفاً بجلد أسود متشقق.
«خذه إلى قاعة السيوف القديمة. نظّفه وأعده إلى مكانه قبل الفجر.»
حدّق آرين في السيف. «أنا لست خادماً.»
«كنت حامل اسم. فرقٌ لا يراه من لا يفهم معنى الاسم.»
لم يرد آرين.
اقترب مارك خطوة. «السيف يُسمى نصل البدايات. لا قيمة له الآن، لكنه من مقتنيات الفرع. لا تتلفه.»
ثم استدار وغادر، تاركاً الباب نصف مفتوح.
ظل آرين واقفاً إلى جوار الصندوق. كان يستطيع أن يرمي السيف في النار. يستطيع أن يكسر ما بقي منه، ثم ينتظر أن تأتيه عقوبة جديدة. لكنه أغلق الغطاء بهدوء، وحمله.
إذا كانوا يريدونه خادماً لسبعة أيام، فسيفعل العمل. لكنه لن يمنحهم متعة رؤيته ينكسر.
تقع قاعة السيوف القديمة تحت الجناح الغربي، حيث لا تصل أصوات الموائد ولا موسيقى النبلاء. كانت ممراتها باردة ورطبة، ودهاليزها مضاءة بمصابيح زيتية قليلة. عند الباب الحديدي انتظرته فتاة تحمل عدة تلميع وقطعة قماش سميكة.
كان شعرها الأسود مشدوداً إلى الخلف، وعلى وجنتها خط من السخام. عرفها آرين فوراً: سيلفا آرن، ابنة حداد البيت.
رفعت نظرها إلى الصندوق في يده، ثم إليه.
«أرسلوك لتنظيف نصل البدايات؟»
«كما ترين.»
«كان من الأفضل أن يرسلوا شخصاً لا يعرف الفرق بين الزيت والسم.»
كاد يبتسم، لكنه لم يفعل. «وأنا كنت أظن أن ابنة الحداد ستشفق على من يحمل نصف سيف.»
مدت له القماش وزجاجة زيت. «الحداد لا يشفق على الحديد. إما أن يصلح بطريقة تناسبه، أو يعترف أنه صار مادة لشيء آخر.»
كان يمكن أن تكون إهانة، لكنها قالتها وهي تنظر إلى النصل لا إليه.
تردد آرين، ثم قال: «هل يمكن إصلاح شيء متشقق من الداخل؟»
توقفت سيلفا. رفعت عينيها إلى صدره، حيث تقع نواة النصل، ثم عادت إلى السيف.
«لا أعرف عن النوى. لكني أعرف أن طرق الحديد بالطريقة نفسها بعد كل كسر لا يجعل الكسر يختفي.»
وضعت أدواته قرب الباب وابتعدت. قبل أن تغادر الممر قالت: «لا تتنفس غبار القاعة كثيراً. القديم منها يقتل أسرع من بعض النبلاء.»
دخل آرين وحده.
كانت القاعة أوسع مما تذكر. صفوف من السيوف المعلقة على الجدران، بعضها بلا مقابض، وبعضها بلا نصال، وبعضها محاط بلوحات أسماء رجال ماتوا قبل أن يولد آرين. لا وهج، ولا سيوف تهتز في انتظار وريث مختار. مجرد أسلحة انتهت أيامها.
جلس عند طاولة حجرية في الوسط، ووضع نصل البدايات أمامه. أزال غطاءه الجلدي، وغمس القماش في الزيت، وبدأ يمسح الصدأ.
مرة.
مرتين.
ثلاثاً.
بعد وقت لم يعد يعرفه، أصابه قطع صغير في إبهامه. لم يكن جرحاً عميقاً؛ مجرد خط رقيق حين انزلقت أصبعه على الحافة المكسورة.
سقطت قطرة دم على النصل الصدئ.
لم يحدث انفجار.
لم يلمع السيف.
فقط، اختفت القطرة كما لو ابتلعها الحديد.
توقف آرين عن التنفس.
تكوّنت أمامه صفحة شاحبة من ضباب رمادي، تشبه ورقة قديمة ظهرت في الهواء. لم تحوِ عدادات، ولا أرقاماً، ولا وعوداً بالذهب أو القوة. ثلاثة أسطر فقط:
[دفتر العمر الثاني]
[الحياة الأولى متاحة: عالم الجليد الأحمر]
[الاسم عند الولادة: إيل]
[هذه الحياة لم تُعش بعد.]
[أفعالك هي التي تصنع طريق إيل.]
ارتد آرين عن الطاولة حتى اصطدم بكرسيه.
قرأ السطور مرة. ثم مرة ثانية.
«أفعالي تصنع طريقه؟»
لم تجبه الصفحة.
مد يده ليمسها، فتغير السطر الأخير ببطء:
[هل ترغب في البدء؟]
ضحك آرين ضحكة قصيرة بلا فرح.
سبعة أيام حتى يُشطب اسمه.
سبعة أيام حتى يرحل إلى بيت غاليا رهينةً لدين لم يصنعه.
والآن، صفحة غامضة تعرض عليه حياة لا يعرف منها إلا اسم العالم والاسم الذي سيولد به. لا وعد بالنجاة، ولا حكم مسبق بالموت؛ طريق إيل سيبدأ من قراره الأول.
نظر إلى السيف المكسور. ثم تذكر كلام سيلفا:
إن لم يصلح الحديد بالطريقة القديمة، فربما صار مادة لشيء آخر.
لا يعرف إن كانت الصفحة حقيقية أو وهماً صنعه الإرهاق. لكنه يعرف شيئاً واحداً: البقاء في هذه القاعة لن يرمم نواته، ولن يعيد له اسمه.
رفع إبهامه النازف إلى الصفحة.
«نعم.»
ذابت الكلمات.
انطفأت المصابيح من حوله واحدة بعد أخرى، لا بعاصفة ولا بصرخة، بل كما تنطفئ آخر شمعة في غرفة مهجورة. اختفت رائحة الزيت. اختفى ثقل جسده. ثم ابتلع البرد كل شيء.
في البداية، ظن أنه يموت.
بعد ذلك، سمع نبضاً بعيداً، ليس نبض قلبه. وصوت امرأة تلهث. وريحاً تعوي خلف جدران خشبية ضعيفة.
ضاق الهواء حوله حتى لم يعد له ذراعان أو ساقان، بل جسد صغير يرتجف في ظلام دافئ ومخيف.
«إنه يتنفس!» صرخت امرأة بصوت مبحوح. «إيل يتنفس!»
فتح آرين عينيه.
لم يرَ قاعة السيوف.
رأى سقف كوخ متشققاً، وثلجاً أحمر يضرب النافذة، ووجهاً متعباً يبكي فوقه.
حاول أن يسأل أين هو، لكن رئتَيه الصغيرتين لم تخرجا سوى صرخة رضيع شقت عواء العاصفة.
وفي عمق وعيه، قبل أن تغرقه الحواس الجديدة، ظهرت جملة واحدة:
[بدأت الحياة الأولى: إيل.]