حين انطفأ المصباح، لم يعد الظلام هو أكثر ما أخاف كايل.
كان الصوت الآتي من تحت الأرض.
احتكاك أظافر ضخمة على حجر. نفس متقطع، رطب، قريب أكثر مما ينبغي. ثم ضربة واحدة من الأسفل جعلت أرض الزنزانة ترتجف، وتساقط غبار رمادي من السقف.
«حفرة الوحوش.»
قالتها الفتاة في الزاوية وكأنها تلفظ حكماً نهائياً.
جرب كايل شد القيود. الحديد بارد وسميك، مربوط بسلسلة تمر داخل حلقة في الجدار. لم تتحرك أكثر من إصبعين.
«من أنت؟»
لم تجبه فوراً. أدار رأسه نحوها، فلم يرَ سوى حدود وجهها في العتمة. كان شعرها القصير ملتصقاً بجبهتها، وثوبها الرمادي ممزق عند الكتف. حول رقبتها طوق معدني رفيع يحمل ثلاثة نقوش صغيرة.
قالت: «أنا ميرا سيرين. خادمة أرشيف البيت.»
«ولماذا أنت هنا؟»
ضحكت بلا مرح. «لأنني رأيت السجل الذي لم يكن يجب أن أراه.»
اختفت الكلمات داخل رأس كايل لحظة. سيل من الذكريات لم يكن له اندفع وراءها: بيت حجري واسع، ممرات مزينة برايات سوداء وفضية، رجل ذو شعر أشقر داكن يبتسم وهو يربت على كتف فتى أصغر، ثم نار. نار تلتهم رفوفاً مليئة بصناديق معدنية. صراخ خدم. يد تضع مفتاحاً أسود في جيب كايل فالتر الأصلي بينما هو فاقد الوعي على الأرض.
شهق كايل.
«السجل… شحنة الآثار؟»
سكتت ميرا.
ثم اقتربت ببطء، حتى صار وجهها واضحاً قليلاً في الضوء الرمادي القادم من فتحة السقف. اتسعت عيناها.
«أنت تتذكر؟»
لم يعرف كيف يجيب. لم يكن يريد قول إنه مات قبل دقائق في عالم آخر، وأنه لا يعرف إن كان هذا الجسد يخص شبيهاً له أو مجرد اسم أحضره النظام معه. فاختار نصف الحقيقة.
«أتذكر النار. وأتذكر أن شخصاً وضع المفتاح في جيبي.»
تنفست ميرا بحدة، ثم نظرت إلى الباب. «إذن لا وقت لدينا. السيد كايل الأكبر لا يريد قتلك لأنك حرقت الخزانة. يريد قتلك لأنك رأيت شيئاً قبل أن يضربك.»
«كايل الأكبر؟»
ظهرت صورة الرجل الأشقر الداكن في الذاكرة مرة أخرى. وجه هادئ، ابتسامة محسوبة، ونظرة لا تصل إلى العينين.
الأخ الأكبر.
انقبضت أصابع كايل حول القيد.
[ملاحظة المسار:] المعرفة الموروثة غير مكتملة. لا تعامل الذكريات كحقائق نهائية.]
همس كايل: «شكراً على النصيحة.»
لم تفهم ميرا أنه يتحدث إلى شيء لا تراه. قالت: «ماذا؟»
«لا شيء. هل يوجد مخرج؟»
أشارت برأسها إلى باب الزنزانة. «الحراس سيأتون بعد أن يهدأ الوحش. يفتحون القفص السفلي، يدفعوننا إلى الحفرة، ثم يراهنون على كم دقيقة نصمد. لا مخرج.»
«كل مكان له مخرج.»
«هذه جملة شخص لم يرَ الحفرة.»
رنّت سلسلة كايل وهو يحاول مرة أخرى. في هذه المرة أحس بشيء حاد داخل كم قميصه. كان الجسد يرتدي ثياب محكوم ممزقة، لكن تحت القماش قرب المعصم التصق شظية زجاج صغيرة بالجلد.
لم يكن يعرف هل تركها كايل السابق أو أحد الحراس. لكنها كانت كافية.
أدار يده بصعوبة، وبدأ يحك حافة الحديد عند القفل الصغير. لم يكن محترفاً في فتح الأقفال. شاهد مقاطع كثيرة عن ذلك، وفشل في فتح قفل خزانته القديمة مرتين. لكن السلسلة هنا لم تكن قفلاً معقداً؛ كانت حلقة نحاسية رخيصة تحبس شخصاً يفترض أنهم سيرمونه لوحش بعد دقائق.
أخذت ميرا تراقبه.
«ماذا تفعل؟»
«أحاول ألا أصبح غداء.»
«والوحش؟»
«سأفكر فيه بعد القيد.»
ظهر الرقم عند طرف رؤيته.
06:12.
كان الصمت أثقل من الزئير. كلما توقف الوحش، تخيل كايل أنه يصغي لهم من تحت الأرض.
أخيراً تحركت الحلقة النحاسية نصف شعرة.
ابتلع كايل ابتسامة صغيرة. «ميرا. طوقك، هل هو قيد سحري؟»
أخفضت يدها إلى رقبتها. «طوق سجلات. إذا حاولت لمس النقش الأوسط، يرسل نبضة إلى الحارس. وإذا كُسر، يقطع مسار المانا في رقبتي.»
«لكنك تعرفين قراءة الأختام.»
«أعرفها، لا أستطيع كسرها وأنا مقيدة.»
«إذا حررت يدي، تستطيعين؟»
نظرت إليه نظرة طويلة. «ربما.»
لم تعجبه كلمة ربما. لكنها كانت أفضل ما يملك.
استمر في الاحتكاك. جرحت الشظية إصبعه، وانساب الدم فوق المعصم. في عالمه القديم كان الدم يجعله يشيح ببصره. هنا لم يفعل. كان على بعد دقائق من وحش تحت قلعة، والكراهية في ذاكرتين مختلفتين تلتف حول اسم أخ لم يعرفه.
رنّ صوت خفيف.
انفتحت الحلقة.
سقطت السلسلة على الأرض بصوت معدن أثقل من اللازم.
تجمد كايل.
من الخارج، سمع صرير حذاء يقترب.
«أنت حر؟» همست ميرا.
لم يجبها. نهض ببطء، ويده المخدرة تكاد لا تطيعه. اقترب من الباب الحديدي. في الفتحة الصغيرة ظهر ضوء مصباح يتحرك.
صوت رجل قال من الممر: «هل ما زلتما تتنفسان؟ سيدي لا يحب أن يخسر رهانه.»
نظر كايل حوله. لا سلاح. لا شيء سوى السلسلة، حجر مفكوك، ومصباح انطفأ خارج الباب.
ثم ظهرت نافذة فضية عند طرف عينه.
[تم رصد أثر رواق قريب.] [سبب التفعيل: قرار غير محسوم بين الهروب المنفرد وإنقاذ الرفيق.] [يمكن فتح بوابة طارئة إذا قُدم ختم عبور.]
توقف كايل.
ختم عبور؟
[الرصيد الحالي: 01 ختم ناقص.] [التحذير: البوابة الطارئة تقود إلى رواق غير مقاس. نسبة البقاء غير متاحة.]
كان يستطيع أن يهرب من الباب حين يدخل الحارس. ربما يضربه بالسلسلة، يأخذ المفتاح، ويترك ميرا. سيصبح ذلك أسهل بكثير. لم يكن يعرفها. ولم تكن ضمانة لنجاته.
لكن صورة الرواق الأول لم تفارقه منذ اختار النظام:
فنّ، أثر، معرفة، ورفاق لا يحصل عليهم من يهرب وحده.
كره أن نظاماً بارداً يعرف كيف يضغط على نقطة ضعفه.
عاد إلى ميرا.
«عندك خياران.»
رفعت رأسها بحذر.
«الأول، أبقى وأحاول إخراجك. الثاني… نحاول باباً لا أعرف أين يذهب.»
قالت فوراً: «الثاني.»
نظر إليها مستغرباً.
قالت: «الرواق، صحيح؟ كنت تعرف معنى الكلام الذي ظهر أمامك. لا تسألني كيف. افتحه.»
قبل أن يسألها كيف عرفت، ضرب شيء الباب من الخارج.
«أعيدوا السلسلة!» صرخ الحارس.
مد كايل يده نحو الهواء.
«افتح البوابة.»
انطفأ العالم.