كنتُ جائعًا. فأشهرتُ سيفي. فما كان أمام يتيمٍ لا يملك سوى جسده من خيارٍ آخر. لحسن حظي، كانت لديّ موهبة. وبفضلها، رغم أنني لم أتعلّم قط فنون القتال على أصولها، بلغتُ القمة. وهذا وحده كافٍ ليقول كل شيء. أشهرتُ سيفي بجنون، وأسقطتُ الناس، وأرويتُ ظمئي بأموال دمائهم، ثم أشهرتُ سيفي مجددًا... وذات يوم، وسط تلك الأيام المتكررة، أدركتُ أمرًا.

لم أعد جائعًا.

وصار الناس ينادونني بـ"شيطان السيف"، يخشونني. لم أكن قد ارتكبتُ من الفظائع ما يكفي ليُطلق عليّ لقب "سيد الشياطين".

كل ما في الأمر أنني رأيتُ من الدماء أكثر مما ينبغي - تلك كانت المشكلة. لم أُظهر رحمةً عند طرف سيفي، ولم أسمح للشفقة بموطئ قدم، فكان من الطبيعي أن تلتفّ حولي الأحقاد المتشابكة كخيوط العنكبوت كلما طال بقائي حيًا. وواقفًا في منتصف طريقٍ مضرّج بالدماء، فهمتُ أمرًا: أن شؤون هذا العالم لا تُحلّ بسيفٍ واحد.

كانوا دومًا جماعةً كثيرًا ما تغزو السهول الوسطى، لكنهم لم يكونوا يومًا تهديدًا حقيقيًا. ذلك أن جوهر "الطائفة الشيطانية" كان يكمن في أولئك الذين اجتمعوا طلبًا للثأر بعدما ذاقوا الظلم على أيدي أهل الفنون القتالية. وبصراحة، لم يكونوا سوى حفنةٍ من الخاسرين، يفتقرون إلى فنون قتالٍ حقيقية أو مالٍ أو سند. كل ما امتلكوه كان الحقد، وهوسًا أحاديّ الجانب بقتل أعدائهم مهما كلّف الثمن. لذا كانوا دومًا محلّ شفقةٍ من الطوائف الصالحة، وسخريةٍ من غير الصالحة.

هذا إلى أن ظهر ذلك الذي أطلق على نفسه اسم "الشيطان السماوي". كان كالكارثة الطبيعية التي أحرقت السهول الوسطى بأكملها. الطوائف التسع الكبرى، بتاريخها العريق الطويل، إما فرّت من معاقلها أو أُبيدت في عين المكان.

الأسر الخمس الكبرى، التي كانت قوتها يومًا تكفي لانتزاع طائرٍ من السماء، لم تترك خلفها حجرًا واحدًا.

"التحالف الأسود"، ائتلاف المحاربين غير المستقيمين، لم يكن حظه أفضل. فبمجرد أن اغتيل زعيمه، سيّئ الصيت رغم طبيعته، بسرعةٍ خاطفة، انضمّ الناجون إلى الطائفة الشيطانية أو فرّوا إلى أماكن مجهولة.

سقط كبار الأساتذة، الواصلون إلى ذروة الفنون القتالية، واحدًا تلو الآخر بلا معنى، وحتى حين اجتمعوا معًا، عجزوا عن مواجهة الشيطان السماوي. فصار الأعظم بلا منازع، ماضيًا وحاضرًا. وحتى بعد أن نُحّي العداء القديم بين المستقيمين وغير المستقيمين جانبًا من أجل الوحدة، تعذّر إيقافه.

وهكذا، وأنا أبلغ خريف عصرٍ صار فيه حتى سوء الصيت الذي كسبته عبر عمرٍ من الأحقاد بلا قيمة، حيث انشغل الجميع بمجرّد البقاء على قيد الحياة - التقيتُ بامرأةٍ في مقاطعة "هيبي"، عند نهاية فراري اليائس بحثًا عن النجاة.

"تانغ سووول"، إمبراطورة الرقصة السامة، والناجية الوحيدة من عشيرة "تانغ" في سيتشوان. ورغم اختلاف أصولنا - أنا من خلفيةٍ غير صالحة، وهي من عشيرةٍ صالحة - إلا أننا انسجمنا معًا. ربما لأن لا حاجة لعامل خاصٍ يقرّب بين رجلٍ وُلد لا يملك شيئًا، وامرأةٍ فقدت كل شيء.

لكن تلك الأيام الهادئة نسبيًا انتهت حين دمّر الشيطان السماوي حتى الجيش الإمبراطوري، وأخيرًا وطئت قدمه أرض "هيبي". لو فررنا أبعد من ذلك، لما بقي أمامنا سوى "لياونينغ" أو عالم الفنون القتالية خارج الحدود. كنتُ أفكّر في مغادرة السهول الوسطى بأكملها هربًا من الشيطان السماوي، لكن...

اختارت "تانغ سووول" أن تواجه الشيطان السماوي.

"أحقًا ستذهبين؟"

"لإنقاذي، فقد كثيرٌ من أفراد عشيرتي أرواحهم."

"كانوا أناسًا استثنائيين. أكثر استثنائية لأنهم اتخذوا خيارًا لم أكن لأتخذه أبدًا."

"'نعمةٌ مضاعفة، وثأرٌ عشرة الأضعاف.'

منذ ذلك اليوم، لم أنسَ قط شريعة عشيرة تانغ. لم أستطع نسيانها."

"يا للأسف. كل تلك الأرواح ستكون قد ذهبت هباءً."

"لكن، يا شيطان السيف، بوسعك أنت أن تنجو. تنوي الفرار، أليس كذلك؟ لا تقلق. سأشتري لك ما يكفي من الوقت."

"كنتِ تعرفين، إذن."

أطلقتُ زفرةً عميقة، ورفعتُ عينيّ إلى السماء. السماء الليلية الملبّدة بالغيوم أخفتْ حتى ضوء القمر. وقفت "تانغ سووول" بجانبي، محدّقةً في الأرض، وكأنها ارتكبت إثمًا ما. للحظةٍ، حدّقنا في صمتٍ كلٌّ نحو جهةٍ مختلفة، لكن سرعان ما التقت أعيننا.

شعرها الذي كان أسود يومًا صار أبيض كليًا منذ دمار عشيرة تانغ. غطّت خصلاتها الطويلة نصف وجهها، وعيناها الخضراوان، الباهتتان الآن مثل شعرها، امتلأتا بالإرهاق وإحساسٍ بالذنب.

"أيمكنني أن أنظر إلى وجهك للحظة؟"

"إن كنتَ أنت، فكما تشاء."

أدارت "تانغ سووول" وجهها نحوي بهدوء. أزحتُ خصلاتها برفق، كاشفًا نصف وجهها المُندَّب. ندبةٌ بشعة شوّهت جمالًا كان يكفي يومًا ليُوصف بأنه لا مثيل له. أخبرتني أن ذلك حدث حين تجاوزت حدودها، مستخدمةً تقنية سمٍّ قاتل في طفولتها، في موقفٍ كان يهدد حياتها. ورغم أنها ندبةٌ تمقتها هي نفسها، لم تكن يومًا سببًا لي لأنأى عنها. حدّقتُ في وجهها طويلًا - لا لأحفظه فحسب، بل لأنقشه في روحي ذاتها. وحين بدأ وجهها يحمرّ قليلًا، عقدتُ العزم.

"سأذهب معكِ."

"لا يجب."

"ولمَ لا؟ أهو لأنني لستُ في مستوى إمبراطورة الرقصة السامة مثلكِ؟ حتى وإن كنتُ فقط في ذروة المستوى، فأنا واثقٌ أنني قادرٌ على تقديم بعض العون."

"يا شيطان السيف، لا داعي لأن تخاطر بحياتك. ألم تقل ذلك دومًا؟ أن البقاء على قيد الحياة هو ما يهم، وأنك تريد أن تحيا وتنعم بالثروة والمجد؟"

"هذا صحيح. لا أزال أظن أن التمرّغ في الوحل والبقاء حيًا أفضل من الموت في مجد."

لكن الكلمات لم تكن الشيء الوحيد الذي تبادلته مع "تانغ سووول" مع مرور الوقت. وُلدتُ يتيمًا لا قيمة له، وعشتُ متكئًا على سيفٍ واحد. وفي نهاية تلك الحياة، التقيتُ بامرأةٍ يمكنني أن أشاركها قلبي. لم أعد قادرًا على العيش كما كنتُ من قبل.

مدّت "تانغ سووول"، التي غطّت نصف وجهها من جديد، يدها بحذر. ارتعشتُ لوهلة، لكنها لم تسحب يدها. بل أمسكت يدي بترددٍ في المقابل. ربما لأنها لم تكن معتادةً على أمورٍ كهذه. عاجزًا عن النظر إليها، أدرتُ رأسي بلا سبب. وإذ شعرتُ بريح الليل الباردة تُبرّد جلدي المحموم، فتحتُ فمي لأتكلم.

"الليلة مظلمة اليوم. كنتُ أتطلّع إلى بدرٍ الليلة."

"من المؤسف بعض الشيء أن نفكّر فيها على أنها آخر سماءٍ ليليةٍ سنراها."

"حين يأتي يومٌ صافٍ من جديد، سنعود لنراها. معًا."

"عفوًا؟"

أمالت "تانغ سووول" رأسها قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامةً خافتة حين فهمت مقصدي.

"أتعلم؟ رغم أن كل مباني عشيرة تانغ احترقت ودُمّرت، وجفّ بركتنا الشهيرة، إلا أنه في الحقيقة الوقت الأمثل لبناء أجنحةٍ جديدة."

"ما الذي تقصدينه بهذا فجأة؟"

"وماذا عساي أقصد غير ذلك؟ أقول إنه ينبغي أن نبني مكانًا نراقب فيه القمر معًا."

"أنتِ وأنا؟"

"نعم. أنتَ وأنا."

في اللحظة التي فهمتُ فيها ما يعنيه إعادة بناء العشيرة الساقطة معًا، فرغ ذهني تمامًا. ضحكت "تانغ سووول" بخفةٍ لتعبير وجهي المتصلّب، ثم سحبت يدي برفق.

"تعال معي."

"إلى أين نذهب؟"

"إلى غرفتي. هناك أمورٌ كثيرة أريد أن أخبرك بها، وأمورٌ كثيرة أريد أن أسمعها منك، لكن هذا ليس المكان المناسب."

"فهمت."

وكأنني ممسوسٌ، تبعتُ "تانغ سووول" إلى غرفتها. تلك الليلة، أمضينا كل وقتنا معًا. وكأنه لن يكون هناك غد، تشاركنا الماضي الذي عشناه قبل أن نلتقي، وخطّطنا للمستقبل الذي سنواجهه معًا.

لو كانت هذه حكايةً يرويها راوي شوارع، لكنّا هزمنا الشيطان السماوي بأعجوبة، ووجدنا نهايةً سعيدة. لكن المعجزات لا تحدث.

وقفت "تانغ سووول" أمام الشيطان السماوي، مستعدةً أن تحرق حياتها رمادًا من أجل ثأر عشيرتها ومستقبلها. وسقطت آخر زهرة من عشيرة تانغ في سيتشوان، قلبها مثقوبًا، أمام عينيّ مباشرة.

غمرَ مستنقعُ السمّ المحيط بلونٍ بنفسجي. وفي مركزه استلقت "تانغ سووول"، تحتضر بلا حول ولا قوة. تلوّى وجهها ألمًا وثأرًا لم يكتمل، وتشوّه في عبوسٍ حاد. لكن في اللحظة التي التقت فيها أعيننا، تفتّحت على وجهها ابتسامةٌ مضطربة، وكأنها تحاول أن تغطي الهالة السامة المحيطة بها. ثم تحرّكت شفتاها بهمسٍ صامت.

"عِش... أرجوك."

مع تلك الكلمات الأخيرة، مدّت "تانغ سووول" يدها المسمومة نحو الشيطان السماوي المتراجع. السمّ، القويّ لدرجة أنه قادرٌ على إذابة حتى جسد سيّد سمومٍ بلغ "مرحلة التفتّح" (화경 - مستوى أسمى من إتقان الفنون القتالية)،

تفاعل بعنفٍ إذ بدأ المستنقع البنفسجي يغلي. كانت تلك التقنية الأخيرة التي أطلقتها "تانغ سووول" حرقت كيانها بأكمله - ضبابٌ سامّ يذيب كل ما يلامسه.

غمر الضباب الشيطان السماوي. حتى الشيطان السماوي لم يستطع الخروج سالمًا - بدأ جلده يتفحّم ويحترق.

لكن -

دوي!

بخطوةٍ واحدةٍ قوية إلى الأمام، تبعثر كل شيء. إرادة "تانغ سووول" الأخيرة اليائسة، والضباب المتشكّل من عمرٍ كاملٍ من تراكم السموم، وحتى جسدها - لم يبقَ من ذلك شيء. مُحي كل ذلك من هذا العالم دون أثر.

"...آه."

انهمرت دموعٌ، ظننتُ أنه لم يعد لي سببٌ لذرفها، على خدّيّ. دموعٌ حارّةٌ لدرجة أنها بدت وكأنها ستحرق وجهي. رائحة السمّ الخفيفة العالقة في الهواء. زئيرٌ أقرب إلى زئير وحشٍ منه إلى صوت إنسان. وكالعادة، سيفٌ واحدٌ مشدودٌ بقبضتي.

نيّةُ قتلٍ عارمةٌ، بدت وكأنها ستبتلع العالم بأسره، صبغت رؤيتي بالأحمر.

"سأقتلك!!"

محرقًا كل ما تبقّى لديّ - طاقتي الداخلية، وعمري، وعقلي - اندفعتُ مباشرةً نحو الشيطان السماوي. ومع ذلك، حتى بهذا، لم أستطع أن أشقّ طاقته الشيطانية العليا. لم أستطع حتى أن أخترق درع الطاقة الواقي الذي كان يحيط به دومًا.

حدّق فيّ. تلك العينان، الموحشتان إلى أقصى حد، بدتا وكأنهما تحدّقان في هاوية. وفي تلك اللحظة، أدركتُ - لا أنا ولا "تانغ سووول" أثرنا أي مشاعرٍ في هذا الرجل.

لكن ما أهمية ذلك؟ كنتُ قد عقدتُ العزم بالفعل على أن حياتي ستنتهي هنا اليوم. أطلقتُ آخر طاقتي الفطرية دون تحفّظ...

الشيطان السماوي، بتعبيرٍ ضجر، لوّح بيده.

ووونغ!

هبطت عليّ طاقةٌ مظلمة من الأعلى. السماء، التي اسودّت بقوته، بدت وكأنها تنهار حولي. صررتُ على أسناني إحباطًا.

"لم أستطع الوصول إليه، إذن..."

لو كانت لديّ موهبةٌ أكبر قليلًا، لو كان لديّ وقتٌ أطول قليلًا، لو تعلّمتُ فنّ قتالٍ أقوى قليلًا... لو كان ذلك ممكنًا، هل كانت الأمور ستأخذ منحًى مختلفًا؟ هل كانت "تانغ سووول" لتحيا؟ هل كنتُ لأقتل الشيطان السماوي؟

تبعثرت ندماتٌ عبثيةٌ في العدم. كانت تلك فكرتي الأخيرة. كان ينبغي أن تكون كذلك.

"كوهيوغ!"

لهثتُ طلبًا للنفس، متحسّسًا ما كان ينبغي أن يكون رأسي المقطوع. شعرتُ وكأنني أستيقظ من نومٍ عميق، أو ربما كأنني أستعيد وعيي بعد ليلةٍ من الشراب الثقيل - كان ذهني ضبابيا.

أكنتُ قد حلمتُ بحياتي قبل الانحدار بعد طول غياب؟ لا عجب أنني كنتُ مضطربًا في نومي.

نعم. لم أعرف كيف أو لماذا، لكنني لم أمت - بل عدتُ إلى الماضي. إلى طفولتي منذ ما يقارب عشرين عامًا.

استطلعتُ محيطي بذهنٍ ضبابي. جدران كهفٍ مظلمةٍ ورطبة. رائحةٌ مميزةٌ تلسع أنفي. جسدي يرتجف بلا سيطرة. "دانتيان" فارغ. كل شيءٍ في محيطي وحالتي الجسدية كان بعيدًا كل البعد عن الطبيعي.

وإذ استوعبتُ موقفي، بدأت ذكريات اليوم السابق تطفو على السطح. بعد أن عدتُ يتيمًا يكافح للبقاء يومًا بيوم، عملتُ بجدٍّ في حياتي الثانية.

مستفيدًا من التنوّر الذي بلغته حين وصلتُ إلى القمة في حياتي الأولى، طوّرتُ فنون قتالي بسرعة. فككتُ منظمة السوق السوداء التي أغرتني بدخول العالم الطالح ، مؤمّنًا بذلك الأموال.

وبالقوة والثروة اللتين اكتسبتهما في وقتٍ قصير، صببتُ كل شيءٍ في هدفٍ واحد: أن أجد "تانغ سووول"، التي كانت قد ظهرت للتوّ في عالم الفنون القتالية، وأن أنجح في أسرها.

"مم! مممف!"

نظرتُ إلى "تانغ سووول"، وهي تتلوّى عند قدميّ. قيد جسدها بحبالٍ سميكةٍ محكمة، احترازًا في حال نجحت في فكّ تقنية الضغط التي استخدمتها عليها. وُضع كمامٌ في فمها لمنعها من الانتحار. ومع ذلك، ورغم موقفها، حدّقت "تانغ سووول" فيّ بعينين حادّتين لا تلينان

2026/07/27 · 6 مشاهدة · 1705 كلمة
Octu-sa
نادي الروايات - 2026