لا أستطيع أن أعدكم بأن هذه الرواية ستنال إعجاب الجميع،
ولا أن أقول بثقة إنها ستتجاوز توقعاتكم.
كما أنني لن أطلب منكم ألّا تنتقدوها… فالنقد حق طبيعي، ومن حق أي قارئ أن يرى العمل كما يشاء.
كل ما أستطيع أن أعدكم به هو أمر واحد فقط:
أنني سأبذل قصارى جهدي.
سأكتب هذه القصة بأفضل ما أملك،
وأحاول أن أقدّم عالمًا يستحق أن يُقرأ،
فإن أعجبتكم وواصلتم قراءتها فصلًا بعد فصل،
فذلك أولًا بفضل الله، وأشكره عليه مقدمًا.
وإن لم تعجبكم الرواية… فهذا طبيعي تمامًا.
فلا يوجد عمل يجتمع عليه الجميع،
ولا فكرة ترضي البشرية كلها.
دائمًا سيكون هناك من يرى الأمور بطريقة مختلفة،
وهذا أمر أتقبله قبل أن أبدأ.
على أي حال…
هذا هو الفصل الأول من الرواية.
بداية بسيطة، لكنها بداية صادقة،
وأتمنى أن تجد مكانًا بين قراءاتكم.
وإن أردتم دعمي، فالتعليقات وحدها تكفي.
لا أريد منكم الآن دعمًا ماديًا،
ولا أريد أن يدفع أحد ريالًا واحدًا.
اقرؤوا فقط،
وإن كان لديكم ما تقولونه… اكتبوه.
الفصل الأول : كايل فالتير
خمسمائة عام.
نعم، لقد مر نصف ألفية كاملة منذ أن قرر الكون أن كوكب الأرض يحتاج إلى "إعادة ضبط المصنع" دموية.
خمسمائة عام منذ أن انشقت السماء لأول مرة كجرح متقيح في بطن جثة متعفنة، وبصقت أحشاءها من الوحوش والكوابيس على عالمنا الهادئ.
في ذلك الوقت، اعتقد أسلافي أن النهاية قد حلت.
لكن البشر صراصير عنيدة، أليس كذلك؟ نرفض الموت بهدوء.
الأرض نفسها، أو ربما كيان سادي يراقبنا من بُعد آخر، منحنا ما نسميه اليوم بـ "النظام".
أيقظنا طاقة "الإيترا" في أجسادنا، وتحولنا من فرائس تبكي في الزوايا، إلى صيادين... حسناً، بعضنا فعل ذلك على الأقل.
اسمي كايل فالتير. عمري ثلاثة وعشرون عاماً، ورتبتي كصياد هي G.
للتوضيح فقط، أنا لست حثالة القاع.
النظام يصنف القوة الإجمالية للبشر - أي سعة الإيترا في أجسادهم وقدرتهم على التحمل الجسدي - من الرتبة J صعوداً حتى القمة.
الرتب من J إلى H هم أولئك المساكين الذين يملكون إيترا تكفي بالكاد لإشعال سيجارة، وعادة ما يعملون كعمال نظافة في الزنزانات أو كطُعم للوحوش (وظيفة لا ينصح بها إن كنت تحب الاحتفاظ بأطرافك الأربعة).
أنا في الرتبة G، في المنتصف الباهت والممل تماماً.
لست ضعيفاً لدرجة أن أموت من عطسة غول، ولست قوياً لدرجة أن يتم دعوتي لحفلات النخبة.
أنا مجرد "موظف بياقة زرقاء" في عالم مليء بالسحرة والوحوش.
سعة الإيترا لدي تكفي لتعزيز جسدي لأركض أسرع قليلاً، وأضرب أقوى قليلاً، وأحمل حقائب مليئة بنوى الوحوش الرخيصة لصالح نقابات الرتب المتوسطة.
حياة عادية، رتيبة، وكئيبة بشكل مثير للضحك.
أما القمة؟ القمة محجوزة للساميين السبعة.
هذا هو اللقب الذي نطلقه عليهم. سبعة بشر فقط على وجه هذا الكوكب البائس تمكنوا من كسر حدود المنطق والوصول إلى الرتبة SS.
سبعة أشخاص يمتلكون سعة إيترا يمكنها مسح دول من الخريطة إذا أصيبوا بنوبة غضب لأن قهوتهم كانت باردة.
هم من يحكمون العالم الآن، النقابات التي يقودونها هي الحكومات الفعلية.
لكن حتى هؤلاء الساميين السبعة يتبولون في سراويلهم الباهظة إذا ذُكر اسم "المناطق الملعونة".
على مدار الخمسمائة عام الماضية، ظهرت بوابات لم تُغلق قط.
نزفت طاقتها في أرضنا حتى حولتها إلى جحيم مستوطن.
"الغابة الملعونة" هي واحدة من تلك المناطق. مساحة شاسعة تبتلع نصف قارة أمريكا الشمالية القديمة.
غابة لا تشرق عليها الشمس أبداً؛ أشجارها عملاقة، لحاؤها يشبه العضلات المتصلبة، وأوراقها سوداء تمتص أي شعاع نور يتجرأ على التسلل إليها.
الهواء هناك سام، ثقيل برائحة الدم المتعفن والحديد.
يُقال إن الغابة الملعونة هي موطن أسوأ الكوابيس التي يمكن لعقل بشري أن يفرزها.
أقل وحش هناك يُصنف بالرتبة A.
لكن الرعب الحقيقي يكمن في سادة الغابة من الرتبتين S و SS.
لقد قرأت يوماً في منتدى مشفر على الدارك ويب عن وحش في قلب الغابة يُدعى "عازف الأوردة"... مخلوق من الرتبة SS، شكله عبارة عن كتلة من الأطراف البشرية الملتوية، طوله يتجاوز العشرين متراً، ولا يقتل ضحاياه فوراً.
بل يسحب أعصابهم وأوردتهم وهم أحياء، يربطها بين جذوع الأشجار الميتة، ويعزف عليها ألحاناً مرعبة تتردد في أرجاء الغابة المظلمة.
يُقال إن سماع لحنه يجعلك تمزق وجهك بأظافرك من فرط الجنون.
وبين الصيادين السكارى في الحانات الرخيصة، تتردد همسات مجنونة... همسات عن وجود وحوش من الرتبة SSS في أعمق وأظلم نقطة في تلك الغابة.
كيانات قديمة، مجرد استيقاظها قد يعني نهاية العالم للمرة الثانية.
بالطبع، النقابات تكذب وتدعي أن الرتبة SS هي الحد الأقصى، لكنني كايل فالتير، الكئيب والمفرط في التفكير، أعلم أن هذا الكون أحقر من أن يضع حداً للرعب.
"آآآه... تباً... اللعنة على كل غول في هذا الوجود القذر!"
شهقت بقوة وأنا أنتفض من سريري، أتشبث بصدري كمن يحاول منع قلبه من القفز خارج قفصه الصدري.
العرق البارد كان يغطي جسدي بالكامل، يلتصق بقميصي الرخيص الذي اشتريته من متجر التخفيضات.
تنفست بسرعة، ألهث، أملأ رئتي بهواء شقتي المتعفن الذي تفوح منه رائحة المعكرونة سريعة التحضير واليأس.
تحسست ضلوعي بأصابع ترتجف بشدة. كانت سليمة.
لا دماء، لا عظام مكسورة، لا لحم ممزق.
جلست على حافة السرير، ومسحت وجهي بيدي المرتعشتين.
أتذكر ما حدث بوضوح شديد. قبل بضع ساعات، كنت أعمل كحمّال في زنزانة من الرتبة F مع فريق من الهواة المغرورين.
الأمور سارت بشكل خاطئ. فخ مخفي انطلق، وظهر "غول الدماء المجنون" – وحش ذو عضلات مفتولة ومخالب بحجم خناجر الجزارين.
الهواة هربوا كالدجاج المذعور، وتركوني في الخلف مع حقائب الغنائم الثقيلة. أتذكر الغول وهو ينقض عليّ، أتذكر رائحة أنفاسه التي تشبه رائحة جثة تُركت في الشمس لأسبوع، وأتذكر الشعور المريع والمقزز لمخالبه وهي تخترق قفصي الصدري، تمزق لحمي، وتسحق ضلوعي لتصل إلى رئتي.
أتذكر ألم الموت. ذلك البرد الذي يسري في أطرافك عندما تدرك أنك أصبحت مجرد إحصائية أخرى في نشرة أخبار المساء.
"كيف عدت إلى هنا؟ هل نمت؟ هل كانت غيبوبة؟ هل أنا شبح الآن؟ إذا كنت شبحاً، فمن الظلم جداً أن أظل أسكن في هذه الشقة القذرة التي أدفع إيجارها المتأخر."
تحدثت إلى نفسي بصوت أجش، أمارس هوايتي المفضلة: الكوميديا السوداء في مواجهة الصدمات النفسية.
لكن قبل أن أسترسل في الشفقة على ذاتي، توقف الزمن.
حرفياً، شعرت وكأن الهواء في غرفتي قد تجمد. قطرة العرق التي كانت تسقط من ذقني توقفت في منتصف الهواء.
صوت ميكانيكي بارد، لا جنس له، ولا مشاعر فيه، تردد في جمجمتي، مسبباً صداعاً فورياً.
[تنبيه النظام]
[تم استيفاء الشروط المخفية المستحيلة: النجاة من الموت المحقق مع تلف الأعضاء الحيوية بنسبة 99% + الإرادة المطلقة والجنونية للعيش + تشبع الجسد بإيترا نقية من مصدر مجهول].
اتسعت عيناي. "مصدر مجهول؟ الشروط المخفية؟ ماذا تهذي هذه الآلة الملعونة؟"
[جاري إعادة إيقاظ المضيف... 10%... 50%... 100%.]
[تمت استعادة الجسد إلى حالته المثالية. تم مسح الذكريات المؤلمة للأنسجة.]
ظهرت شاشة زرقاء شفافة تطفو في الهواء أمامي، أضاءت غرفتي المظلمة.
لكنها لم تبق زرقاء.
في ثوانٍ، بدأت الشاشة تتشقق، انبعثت منها خطوط ذهبية مشعة، ثم تحولت بالكامل إلى لون ذهبي أسطوري يعمي الأبصار.
لم أرَ هذا اللون من قبل في حياتي، ولا حتى في بثوث الساميين السبعة.
[تهانينا للمضيف كايل فالتير. لقد تم منحك مهارة فريدة متصلة بروحك مباشرة.]
نظرت إلى الشاشة الذهبية، وفكي كاد يلامس الأرض.
هنا يجب أن أوضح شيئاً مهماً. كما قلت، رتبة الصياد (سعة الإيترا) تختلف تماماً عن رتبة "المهارة".
المهارة هي قدرتك السحرية أو هجومك الخاص.
معظم الصيادين في رتبتي يمتلكون مهارات مثل "إشعال شرارة" أو "تقوية العضلات لمدة خمس ثوانٍ" بمتوسط رتبة G أو F.
حتى أعلى الصيادين يملكون مهارات برتبة A أو S. المهارة هي ما يجعلك مميتاً، بغض النظر عن سعة الإيترا الخاصة بك.
قرأت الكلمات المكتوبة على الشاشة الذهبية، وشعرت أن عقلي على وشك الانفجار.
[نافذة الحالة]
الاسم: كايل فالتير.
الرتبة الإجمالية (سعة الإيترا): G (قابلة للتطور بشكل غير محدود).
المهارة المكتسبة: [رؤية المستقبل].
رتبة المهارة: SSS (تتجاوز معايير التقييم البشري).
الوصف التفصيلي: تمنح هذه المهارة المضيف القدرة المطلقة على رؤية حدث مستقبلي بالغ الأهمية، كارثي، أو يهدد توازن العالم. المضيف لا "يشاهد" الحدث كفيلم سينمائي، بل يُسحب وعيه بالكامل إلى ذلك الزمن.
سيعيش المضيف الحدث بجميع حواسه الخمس. ستشعر بألم الجروح، ستشم رائحة الدم، وستتذوق طعم اليأس، كأنه يحدث في الوقت الفعلي المجرد.
الرؤية قد تحدث غداً، أو بعد شهر، أو بعد سنوات... المستقبل بحر مظلم، وأنت الآن تملك بصراً يخترق أمواجه.
القيود الصارمة (فترة التبريد): لا يمكن تفعيل هذه المهارة إرادياً إلا مرة واحدة كل 168 ساعة (7 أيام كاملة).
"SSS؟"
همست والكلمة تحرق لساني. "رتبة SSS؟ لم يثبت حتى وجود شيء بهذا التصنيف في تاريخ البشرية الحديث... وأنا؟ الرجل الذي يأكل طعاماً معلباً منتهي الصلاحية لأنه أرخص، يمتلك مهارة لم يحلم بها الساميين السبعة؟ لو كان للحظ السيئ وجه، لكان يشبه فاتورة إيجاري، ولكن يبدو أن القدر قرر أخيراً أن يرمي لي عظمة... أو ربما قنبلة نووية."
ضحكت بخفوت، ضحكة متوترة، هستيرية، تقف على حافة الجنون.
ترددت يدي وأنا أقترب من الشاشة الذهبية. كان هناك زر وامض في الأسفل:
[هل ترغب في تفعيل مهارة "رؤية المستقبل" الآن للحدث الكارثي القادم؟ (نعم / لا)]
"هل أرغب في رؤية كيف سينتهي العالم وأنا جالس بملابسي الداخلية الممزقة؟ ولم لا؟ لا يوجد لدي خطط أخرى لهذا المساء."
ضغطت على "نعم".
وفي الكسر من الثانية الذي تلا ضغطتي، ندمت على كل قرار اتخذته في حياتي.
لم يتلاشَ العالم، بل تحطم.
شعرت وكأن خطافاً ضخماً، غير مرئي، قد غُرس في مؤخرة جمجمتي، وسحب وعيي بقوة وحشية خارج جسدي.
الغرفة، السرير، الرائحة المتعفنة... كل شيء تبخر.
اندفعت عبر نفق من الظلام المطلق والأضواء الوامضة بسرعة جعلتني أتقيأ في عقلي، قبل أن أُقذف بوحشية على سطح صلب وخشن.
ارتطمت بالأرض، وسلخ الإسفلت جلد ركبتي وكفي. رفعت رأسي، ألهث، وعيناي تحاولان التركيز في المشهد المحيط بي.
أنا في شارع "أفالون". قلب مدينة "إيليزيوم"، العاصمة الفخرية للعالم الجديد.
الشارع الذي تصطف على جانبيه ناطحات سحاب زجاجية تخترق الغيوم، ومقر نقابة "الفجر الدامي" - واحدة من أقوى النقابات في العالم بقيادة الصياد الأسطوري ذو الرتبة S، "لوكاس فانس".
لكن الشارع... لم يكن الشارع الذي أعرفه.
كانت السماء تنزف.
حرفياً. لم تكن هناك غيوم، بل شق هائل، قرمزى اللون ومتقيح الأطراف، يمتد عبر الأفق كأنه جرح غائر في جسد سامي .
لم تكن السماء تمطر ماءً، بل كانت تمطر قطعاً من اللحم الممزق، ودماءً لزجة سوداء تلتصق بكل شيء تلمسه.
رائحة الهواء... يا إلهي، الرائحة. كانت مزيجاً خانقاً من الكبريت، اللحم المحترق، الصديد، وتلك الرائحة المعدنية الصدئة للدم الطازج.
حاولت كتم أنفاسي، لكن الرائحة تسللت إلى حلقي كسم لزج، مما جعلني أسعل بعنف، وأبصق لعاباً بطعم الرماد.
"ما... ما هذا الجحيم؟" همست، وأنا أستند على سيارة محطمة ومقلوبة للوقوف.
نظرت حولي، وكان المشهد عبارة عن مسلخ جنوني ولوحة فنية من الجحيم.
المدنيون لم يكونوا يهربون، بل كانوا أجزاءً متناثرة. رأيت رجلاً يرتدي بدلة عمل فاخرة، مقطوعاً من النصف، ونصفه العلوي يزحف على الإسفلت، يسحب أمعاءه خلفه وهو يبكي دماً.
رأيت أماً تحتضن طفلها، وكلاهما قد تحولا إلى تمثالين من اللحم المتفحم بفعل حرارة غير مرئية.
ثم رأيتهم... نقابة الفجر الدامي.
صيادون من الرتب A و B، يرتدون دروعاً تسوى ملايين الدولارات، يتم ذبحهم كالأغنام المريضة.
الوحوش التي كانت تفترسهم لم تخرج من بوابات عادية.
كانت كائنات مشوهة، عملاقة، مسلوخة الجلد بالكامل، عضلاتها الحمراء تنبض في الهواء الطلق، وتملك فكوكاً تمتد من أذن إلى أذن، مليئة بأسنان تشبه المسامير الصدئة.
رأيت صياداً ضخماً من الرتبة A يرفع فأسه السحري صارخاً بشجاعة، فقط ليقوم أحد الوحوش المسلوخة بمسك ذراعيه، وبحركة بسيطة، لا مبالية، شق جسد الصياد إلى نصفين كمن يفتح كيساً من رقائق البطاطس.
نافورة من الدم وأعضاء داخلية ساخنة تناثرت في كل مكان، وسقطت خوذة الصياد متدحرجة حتى اصطدمت بقدمي.
كنت أرتجف. جسدي كله كان يهتز كأوراق الشجر في عاصفة.
الخوف لم يكن مجرد شعور، بل كان كياناً مادياً يكسر عظامي من الداخل.
المهارة لم تكن تكذب؛ أنا أعيش هذا.
أشعر بحرارة الدماء التي تتناثر على وجهي، أشعر باهتزاز الأرض مع كل خطوة للوحوش.
ثم... حدث التغيير.
صمت مروع هبط على الشارع.
ليس هدوءاً، بل صمتاً مصطنعاً، ثقيلاً، كأن أحداً قد أغلق زر الصوت في الكون بأكمله.
حتى الوحوش المسلوخة توقفت عن مضغ اللحم، وسجدت على الأرض، ترتجف بخضوع أعمى.
نظرت إلى الشق القرمزي في السماء.
من داخل ذلك الجرح الكوني، لم يخرج جيش، ولم يهبط تنين أسطوري. بل ظهر... شيء.
لا أستطيع حتى الآن، وأنا أسترجع تلك اللحظة، أن أصفه بدقة، لأن العقل البشري مصمم ليرفض استيعاب مثل هذا الكيان.
لقد انبثق من الشق النصف الأيمن فقط من رأس عملاق، مظلم كالفراغ الذي يسبق ولادة النجوم.
لم يكن له ملامح محددة، بل كان يتكون من ظلال حية تتلوى وتتراقص حوله كأنها أرواح معذبة. كانت هناك عين واحدة في ذلك النصف المظلم... عين لا بؤبؤ لها، مجرد دوامة من السواد الذي يبتلع الضوء.
بمجرد عبور ذلك النصف من الرأس إلى غلافنا الجوي، تغيرت قوانين الفيزياء.
ضغط "الإيترا" المنبعث من مجرد حضوره كان مرعباً لدرجة لا تُصدق.
شلم يكن ضغطاً يدفعك للخلف، بل كان جاذبية تسحقك نحو الأسفل.
أمامي مباشرة، رأيت ناطحة سحاب من سبعين طابقاً، مصنوعة من الفولاذ والزجاج السحري المقوى، تنهار على نفسها وتُسحق كعلبة صفيح فارغة داس عليها عملاق.
الزجاج تحول إلى غبار في الهواء قبل أن يصل إلى الأرض.
وقعت على ركبتي، غير قادر على تحمل الضغط. شعرت بعيني تكادان تنفجران من مقلتيهما، وأذني تنزفان دماً ساخناً.
الهواء أصبح أثقل من الرصاص.
كل خلية في جسدي كانت تصرخ وتتوسل للموت، فقط لكي يتوقف هذا الألم.
وفي وسط هذا الجحيم الساحق، وميض ضوء ذهبي ظهر في السماء.
إنه "لوكاس فانس". أقوى رجل في مدينة إيليزيوم، صياد الرتبة S الأسطوري.
كان يطير في الهواء، محاطاً بهالة ذهبية من الإيترا النقية التي أضاءت ظلام الشارع.
كان يمسك بسيفه العظيم "قاطع الفجر"، ووجهه يحمل تعبيراً من الغضب المقدس.
"أيها الوغد الكوني!" صرخ لوكاس بصوت تردد صداه كدوي الرعد، واندفع كشهاب مشتعل نحو نصف الرأس المظلم في السماء.
كانت قوته مهولة، سرعته تتجاوز الصوت، وهالته تكفي لتبخير بحيرة كاملة.
هذا هو بطل البشرية، رمز القوة والأمل.
لكن الكيان المظلم لم يتحرك. لم يدافع. لم يهاجم.
اكتفى بأن نقل نظرة عينه المظلمة، تلك الدوامة السوداء، ووجهها نحو لوكاس فانس.
فقط... نظر إليه.
ما حدث تالياً سيظل محفوراً في الجانب المظلم من عقلي إلى الأبد.
توقف لوكاس في منتصف الهواء، كما لو أنه اصطدم بجدار غير مرئي.
الهالة الذهبية العظيمة التي كانت تحيط به انطفأت في كسر من الثانية، كأنها شمعة نفخ عليها إعصار.
السيف الأسطوري "قاطع الفجر" سقط من يده المرتجفة، خاسراً بريقه، وهوى ليرتطم بالأرض وينكسر كزجاج رخيص.
بدأ لوكاس يسقط. لم يكن يسقط ببطولة، بل كان يهوي ككيس من القمامة.
ارتطم بالإسفلت بقوة حطمت عظامه، على بُعد عشرة أمتار مني فقط.
حاول البطل ذو الرتبة S أن يقف. رفع رأسه، وتلاقت عيناي مع عينيه.
لم أرَ في عينيه غضباً، ولا شجاعة، ولا حتى ألماً. رأيت رعباً خالصاً، نقياً، وبدائياً. رعب حشرة أدركت فجأة أنها تحت نعل حذاء ضخم.
فتح لوكاس فمه ليصرخ، لكن ما خرج لم يكن صوتاً.
صرخته مزقت حنجرته من الداخل. انفجرت الأوعية الدموية في عينيه، وتحول بياضهما إلى اللون الأحمر القاني، ثم تمزقت المقلتان وانفجرتا كحبتي عنب فاسدتين.
عروق وجهه ورقبته برزت وتضخمت حتى انفجرت، نافرة دماءً سوداء.
ثم، في مشهد جعل معدتي تنقلب، بدأ أعظم صياد في المدينة يتقيأ.
لم يتقيأ دماً فقط، بل تدفق من فمه شلال من الدماء السوداء المحملة بقطع من أعضائه الداخلية المتمزقة.
رأيت قطعاً من رئتيه، جزءاً من كبده، وكتلاً من أنسجة معدته المذابة، تندفع من حلقه وتسقط على الإسفلت أمامه.
جسد لوكاس فانس، الجسد الذي كان محصناً ضد الصواريخ الباليستية، كان يُطحن ويُعصر من الداخل بمجرد ضغط "الحضور والعظمة" لذلك الكيان.
استمر يتقيأ أحشاءه وهو يرتعش في بركة دمائه ومواده العضوية المذابة، حتى صدرت طقطقة مروعة من عموده الفقري، وانطوى جسده على نفسه بطريقة غير طبيعية.
مات لوكاس فانس.
لم يُلمس، لم يُضرب بأي هجوم سحري، لم يشتبك حتى في قتال.
لقد سُحق عقله وذاب جسده من الداخل، فقط لأن كياناً من بُعد آخر نظر إليه نظرة عابرة.
كنت أنظر إلى جثته الملتوية المفتوحة، وعقلي يتوقف عن العمل.
هذا هو الرتبة S؟ هذا هو الأمل؟ إن كان هذا الشيء قادراً على قتل رتبة S بنظرة، فماذا سيفعل بالعالم؟ هل هذا هو ما يوجد في قلب الغابة الملعونة؟ أم أن هذا شيء أسوأ؟
وسط دوامة الرعب والعدم، ومضت شاشة حمراء قانية أمام وجهي، أحرفها تقطر دماً وهمياً:
[تحذير النظام: تم عرض المستقبل. وقت حدوث هذه الكارثة غير معلوم. قد تنفتح البوابة غداً، أو بعد شهر، أو بعد عشر سنوات. المستقبل يتربص في الظلام، وينتظر بصبر.]
"لا... لا... أخرجني من هنا... أخرجني!" حاولت الصراخ، لكن صوتي كان مجرد همس خشن.
شهيق!
سُحبت وعيي بعنف مضاعف، وكأنني اختنقت تحت الماء لسنوات وطفوت للتو.
ارتطمت بأرضية غرفتي الخشبية المتهالكة بقوة.
انقلبت على جانبي، وبدأت أتقيأ بعنف.
أفرغت محتويات معدتي الخاوية، أتقيأ عصارة صفراء حامضة حتى شعرت بأن حلقي يحترق وتدمع عيناي بغزارة.
جسدي كان ينتفض في تشنجات قوية، ولا تزال رائحة الموت، والدم المسلوخ، والكبريت تزكم أنفي، كأنها عالقة في بصيلات شعري.
طنين ضغط الإيترا المرعب لذلك الكيان لم يزل يرن في أذني، يخترق طبلة الأذن كإبرة دقيقة.
[تنبيه النظام]
[تم استخدام المهارة بنجاح. المضيف اختبر 100% من التزامن الحسي].
[الوقت المتبقي للاستخدام القادم: 167 ساعة و 59 دقيقة].
ظللت ممداً على الأرض لعدة دقائق، أتنفس بصعوبة، أراقب شريط الضوء الخافت المتسلل من نافذتي عبر الستائر الرخيصة، ويضيء بقعة القيء أمامي.
"يا له من هراء..." تمتمت بصوت مبحوح ومتقطع، وأنا أسحب نفسي لأستند بظهري على الحائط البارد.
نظرت إلى يديّ. كانتا لا تزالان ترتعدان بشدة، لكن ليس من الخوف فقط.
كان هناك شيء آخر يغلي في عروقي. شعور غريب، ملتوٍ ومريض.
"لوكاس فانس... الأسطورة التي لا تُقهر. سيموت ككلب مريض يتقيأ كبده في الشارع."
مسحت فمي بظهر يدي، وبطريقة ما، وسط كل هذا الرعب والصدمة، وجدت شفتاي تتمددان في ابتسامة.
لم تكن ابتسامة سعادة، بل كانت ابتسامة متوترة، مجنونة، مكسورة، خالية تماماً من أي عقلانية.
ابتسامة رجل أدرك للتو أن العالم الذي يعيش فيه هو نكتة سامجة، وأنه أخيراً قرأ السطر الأخير من النكتة قبل الجميع.
لا أعلم متى سيحدث هذا الجحيم. قد يكون غداً، وقد يكون بعد عقد من الزمان.
لا يهم متى. المهم أنه سيحدث. تلك البوابة القرمزية ستنفتح.
مدينة إيليزيوم ستسقط. نقابة الفجر الدامي ستُباد عن بكرة أبيها.
والأهم من ذلك كله... عندما يموت لوكاس فانس، وتنهار صفوف النقابة الأولى في العالم... أسلحتهم الأسطورية، دروعهم التي لا تقدر بثمن، نوى الوحوش السحرية المرعبة التي ستسقط، وحتى خزانة نقابة الفجر الدامي التي ستُترك بلا حراسة في وسط الفوضى... كل هذا سيكون ملقى في الشارع وسط الدماء والأشلاء، بلا مالك.
"إذا كانت نهاية العالم قادمة..." همست لنفسي، والابتسامة المجنونة تتسع لتكشف عن أسناني، وعيناي المحمرتان تلمعان في الظلام، "...فأنا لن أكون مجرد متفرج يبكي في الزاوية. يجب أن أستعد. يجب أن أرفع سعة الإيترا الخاصة بي، أياً كان الثمن. يجب أن أرتقي من رتبة G القذرة، لأصبح قوياً وسريعاً وماكراً بما يكفي لأنجو في ذلك اليوم."
نهضت ببطء، متجاهلاً ألم عضلاتي. التفتت نحو النافذة، وسحبت الستارة لأنظر إلى مدينة إيليزيوم المتلألئة بأضواء النيون، المدينة التي لا تعرف أنها تعيش وقتاً مستعاراً.
"عندما يلتهم ذلك النصف المظلم هذه المدينة... سأكون هناك. سأكون في قلب الجحيم، أجمع غنائم نهاية العالم من بين جثث الساميين والمغرورين. هذه هي تذكرتي الوحيدة للخروج من القاع."
بدأت أضحك. ضحكة منخفضة، جافة، وكئيبة جداً لدرجة أنها بدت وكأنها بكاء، ترددت في جدران شقتي الفارغة.
لقد عشت طوال حياتي كحشرة، ولكن إذا كان العالم سينتهي تحت أقدام كابوس كوني... فإن هذه الحشرة ستسرق تاج الملك المنكسر، قبل أن يحترق كل شيء.