الفصل الثالث: السرقة

​كانت قطرات المطر تهبط من سماء 'إيليزيوم' الملوثة كإبر جليدية قاسية، تضرب الأرصفة المهشمة وتغسل دماء اليوم لتفسح المجال لدماء الغد.

الشوارع كانت شبه خالية في هذا القطاع الراقي، قطاع الأثرياء والنقابات الكبرى، حيث تتلألأ أضواء النيون الباردة على واجهات المتاجر الزجاجية كأنها نجوم محتجزة في صناديق.

​كنت أمشي بخطوات ثابتة، صامتة، وموزونة.

معطفي الأسود التكتيكي، المشبع بمسارات دقيقة من الإيترا، كان يرفض الماء.

قطرات المطر كانت تنزلق عن القماش وكأنها زئبق سائل، لا تترك أثراً للبلل.

قناعي الأسود كان يغطي وجهي بالكامل، الخطوط الزرقاء الداكنة التي ترسم ذلك الوجه المبتسم بسخرية كانت تتوهج بخفوت في العتمة، تمتص الضوء ولا تعكسه.

كنت أشعر بأنفاسي ترتد على زجاج القناع الداخلي، دافئة ومحسوبة.

​"دموع الألماس".

​اللافتة الهولوغرامية الفاخرة كانت تطفو فوق مبنى أنيق مبني من الرخام الأسود والزجاج السحري المقوى.

المتجر كان لا يزال مفتوحاً، يستقبل زبائن النخبة الذين يفضلون التسوق في الساعات المتأخرة، حيث الهدوء والسرية.

​لم أضيع وقتاً في التفكير.

التفكير المفرط يقتل في هذا العالم.

دفعت الباب الزجاجي الثقيل، ولم يصدر أي صوت. خطوت للداخل.

الهواء كان دافئاً، يعبق برائحة العطور الباهظة، والقهوة الكولومبية النقية، وتلك الرائحة المعدنية الخفيفة التي تنبعث من نوى الوحوش المركزة داخل المجوهرات.

​كان هناك خمسة أشخاص في المتجر الواسع.

​عامل الصندوق (الكاشير)، شاب يرتدي بدلة رسمية مبالغ في أناقتها، يقف خلف منضدة العرض الرئيسية.

وفي الصالة، كان هناك أربعة زبائن.

رجل سمين جداً يرتدي معطفاً باهظاً، يتصبب عرقاً رغم برودة الجو؛ فتاة شقراء ذات شعر قصير مصفف بعناية، بشرتها بيضاء خالية من أي مسام أو عيوب، تبدو في منتصف العشرينات، تنظر إلى عقد مرصع بنواة نارية؛ وفتاة أخرى تقف على مقربة منها، ترتدي ملابس سوداء فاخرة جداً، معطف حريري يعانق جسدها الممشوق، شعرها أسود فاحم قصير يلامس عنقها، وعيناها سوداوان عميقتان كبئر بلا قاع، وبشرتها بيضاء شاحبة كالثلج، تبدو أيضاً في العشرينات.

وبجانب الفتاة ذات الرداء الأسود، كان يقف رجل وسيم ذو بنية رياضية، يبدو كحبيبها أو مرافقها، يهمس لها بشيء ما.

​تجاوزتهم جميعاً بخطوات انسيابية، كظلال زحفت من زوايا الغرفة.

لم يلاحظوا وجودي حتى.

هذا هو سحري الخاص، التخفي الذي صقلته الحاجة والجوع.

​في كسر من الثانية، تجسدت خلف عامل الصندوق.

​قبل أن يتمكن من الرمش، أو حتى استيعاب أن الهواء خلفه قد تغير، رفعت يدي اليمنى.

ضغطت فوهة مسدسي — Glock 19 — المشبع بالإيترا السوداء بقوة وخشونة على مؤخرة رأسه، بالضبط عند نقطة التقاء الجمجمة بالعمود الفقري.

​تصلب جسد الكاشير بالكامل. توقف تنفسه.

​بيدي اليسرى، رميت حقيبة قماشية سوداء على المنضدة الزجاجية أمامه.

​"املأها."

​خرج صوتي من القناع. لم يكن صوت كايل فالتير الشاب الكئيب.

كان صوتاً ميكانيكياً، عميقاً، خشناً، يتردد فيه صدى شيطاني كأنه قادم من قاع بئر سحيق.

صوت يجعل الدماء تتجمد في العروق.

​ارتعش الكاشير بعنف، وحاول فتح فمه للصراخ.

​"إذا أردت أن تعيش لترى شروق الشمس غداً، فلتفتح تلك الخزنة الزجاجية وتضع كل نواة وحش وكل قطعة ذهبية في هذه الحقيبة. أي حركة غبية، وسأرش ما تبقى من دماغك على هذه الجدران الرخامية الجميلة."

​كان صوتي هادئاً، لكنه يحمل تهديداً حقيقياً لا مجال للشك فيه.

استجاب الكاشير برعب مطلق، بدأت يداه المرتجفتان بفتح الأقفال السحرية وإلقاء الأساور والقلائد المرصعة بنوى الوحوش داخل الحقيبة.

​التفتت برأسي قليلاً نحو الصالة. الزبائن الأربعة تجمدوا. التفتوا نحوي ببطء.

​"الأفضل ألا يتحرك أحدكم من مكانه،" قلت بصوتي الآلي المرعب، موجهاً نظري إليهم من خلف القناع المبتسم، بينما المسدس لا يزال مصوباً على رأس الكاشير.

"ارفعوا أيديكم ببطء حيث يمكنني رؤيتها. أنا هنا من أجل الحجارة، ليس من أجل أرواحكم. لا تجبروني على تغيير رأيي. حتى أنهي ما جئت لأجله، أنتم تماثيل."

​رفع الرجل السمين يديه الممتلئتين بالخواتم، ورفعت الشقراء يديها وعيناها متسعتان بخوف. الرجل الوسيم فعل الشيء ذاته. والفتاة ذات الشعر الأسود... رفعت يديها أيضاً ببطء شديد.

​الهدوء كان سيد الموقف.

الكاشير أغلق الحقيبة بعد أن أفرغ الرفوف الأكثر قيمة، ودفعها نحوي ببطء وهو يبكي بصمت.

​"فتى مطيع."

​سحبت الحقيبة بيدي اليسرى، وثبتها على كتفي. بدأت أتراجع للخلف بخطوات مدروسة نحو الباب.

لكن، كصياد اعتاد على توقع الأسوأ... قمت بمسح سريع بعيني للمكان.

​عقلي يعمل كآلة حاسبة باردة.

عامل الصندوق... واحد.

الرجل السمين المرتجف... اثنان.

الفتاة الشقراء... ثلاثة.

الرجل الوسيم... أربعة.

​لحظة... كانوا أربعة في الصالة.

واحد، اثنان، ثلاثة...

​أين الرابعة؟ الفتاة ذات الشعر الأسود والملابس الفاخرة؟ لقد اختفت من مجال رؤيتي! متى؟ كيف؟ لم أرمش حتى!

​في تلك اللحظة المجردة من الزمن، شعرت بتغير في ضغط الهواء خلف ظهري تماماً.

شعور يشبه اقتراب شفرة مقصلة من رقبتي. صرخة إنذار انفجرت في عقلي.

​اللعنة!

​غريزتي التي صقلتها آلاف المواقف المميتة جعلتني ألتف بخصري بسرعة كادت تمزق عضلات بطني، رافعاً ذراعي اليسرى كدرع، وموجهاً الجلوك بيدي اليمنى.

​بوووم!

​لم تكن ضربة عادية. كانت ركلة جانبية محملة بطاقة إيترا مكثفة، زرقاء متوهجة، استهدفت عنقي مباشرة لكسره في ضربة واحدة.

ذراعي اليسرى اصطدمت بساق الفتاة ذات الشعر الأسود.

قوة الاصطدام كانت مرعبة! شعرت وكأن شاحنة مسرعة صدمتني.

دوي انفجار الإيترا حطم نوافذ المتجر الزجاجية المصفحة بالكامل في لحظة واحدة، وتناثر الزجاج كالمطر.

​انزلقت للخلف لعدة أمتار، حذائي يحفر أخدوداً في الرخام الفاخر، وعظم ساعدي الأيسر يصرخ من الألم، كاد أن ينكسر لولا البدلة التكتيكية وبعض الإيترا التي ركزتها في اللحظة الأخيرة.

​"اللعنة!" شتمت بصوتي الآلي، وبدون تردد، سحبت زناد الجلوك.

​بام! بام! بام!

​ثلاث رصاصات مشبعة بالإيترا السوداء انطلقت كصواعق مظلمة نحو رأسها وصدرها.

​لكن الفتاة ذات الشعر الأسود لم تكن مجرد زبونة.

كانت وحشاً.

مالت بجسدها للخلف بمرونة لا يمكن لبشري عادي امتلاكها، الرصاصات مرت على بعد مليمترات من أنفها، مخترقة الجدران الرخامية خلفها كأنها زبدة ساخنة.

​توازنت بسرعة، وعيناها السوداوان حدقتا في قناعي ببرود جليدي، خالٍ من أي مشاعر.

​وفجأة، المشهد من حولي بدأ يتشوه.

​نظرت إلى الرجل السمين الذي كان يرتجف.

جسده بدأ يذوب! حرفياً، لحمه وشحومه تلاشت كشمع تحت النار، وبدلاً من الرجل السمين، وقف أمامي شاب في أواخر العشرينات، ذو بنية عضلية قوية، يرتدي درعاً تكتيكياً خفيفاً تحت معطفه، وبيده خنجران ينبضان بالإيترا الخضراء.

​"ماذا يحدث بحق الجحيم؟" تمتمت من خلف القناع. وهم وتخفي؟ تنكر بالإيترا؟

​التفت الرجل الوسيم (الذي كان يتظاهر بأنه حبيب الفتاة) ببرود، وسحب جهاز راديو صغير من سترته، وتحدث بنبرة احترافية عسكرية بحتة:

"المركز، هنا فريق ألفا. الضحية ابتلعت الطعم. الجوكر الأسود داخل الصندوق. أغلقوا المحيط. التصريح: قتل مع سبق الإصرار."

​مجرد أن أنهى جملته، دوى صوت صفارات الإنذار في الخارج.

لم تكن صفارات شرطة النقابات العادية.

كانت أعمق، أشرس. نظرت من خلال الواجهة الزجاجية المحطمة.

أربع سيارات دفع رباعي سوداء مصفحة، تحمل شعار نسراً فضياً يخترقه سيف... انزلقت على الأسفلت المبلل لتغلق الشارع من كلا الاتجاهين.

​"الـ FBI التابع للاستخبارات السحرية؟!" صرخت في داخلي، وعقلي يدور بسرعة جنونية.

"هذا المتجر بأكمله... كان كميناً! لقد درسوا نمط سرقاتي، وتوقعوا هدفي التالي، وجهزوا فخاً بفرقة كاملة!"

​لم يكن لدي وقت للتفكير. الفتاة ذات الشعر الأسود اندفعت نحوي كقذيفة. سرعتها كانت مستحيلة بالنسبة لرتبتي G.

كانت بالتأكيد من الرتبة A أو B على أقل تقدير.

​انقضت عليّ، مسددة لكمة مستقيمة استهدفت قلبي.

هالتها الزرقاء كانت تتوهج بعنف. تفاديتها بصعوبة بالغة بالالتفاف حول نفسي، لكن ضغط الهواء المحيط بقبضتها مزق جزءاً من معطفي.

رددت بضربة من كعب المسدس نحو وجهها، لكنها رفعت ساعدها، وصدت الضربة القوية بصوت معدني حاد... كان لديها واقيات أذرع مخفية تحت معطفها الحريري!

​بحركة بهلوانية رشيقة، التفت حولي، واستخدمت يدي كمرتكز لترفع جسدها وتوجه ركبتها بكل قوتها نحو ذقني.

​تراجعت خطوة للخلف، وأطلقت رصاصة نحو بطنها وهي في الهواء.

لكنها كانت تتوقع ذلك.

لوت جسدها في الهواء كقطة، وتجنبت الرصاصة، وهبطت أمامي مباشرة، مسددة راحة يدها المفتوحة والمشحونة بالإيترا إلى صدري.

​بوووم!

​الضربة أصابتني. لم أستطع تفاديها.

شعرت وكأن مطرقة هيدروليكية سحقت قفصي الصدري.

طرت في الهواء، واخترقت جسدي واجهة عرض زجاجية أخرى، محطماً إياها إلى آلاف الشظايا، لأسقط بقوة على الأرضية الرخامية وسط الحطام والمجوهرات المتناثرة.

​"آآآغغ!" بصقت دماً داخل قناعي. طعم الحديد الصدئ ملأ فمي.

أضلاعي، التي شفيت للتو بفضل النظام، عادت لتئن من الألم.

​رفعت رأسي بصعوبة. الفتاة تقترب بخطوات بطيئة، واثقة.

المثير للاستغراب أن الشاب (الذي كان سميناً) والرجل ذو الراديو، والشقراء... لم يتدخلوا.

كانوا يقفون كحراس يغلقون منافذ الهرب، يراقبونني ببرود وكأنهم يشاهدون أسداً يمزق فأراً في قفص.

كانوا يعلمون أنها تكفي لسحقي.

كانت هذه إهانة مقصودة.

​"هذا كل ما تملكه يا جوكر؟" تحدثت الفتاة لأول مرة. صوتها كان كالحرير البارد، قاتلاً وجميلاً.

"مجرد فأر يعتمد على الحيل الرخيصة ومسدس معدل؟ كنت أتوقع أكثر من ذلك بناءً على سمعتك."

​"الحيل الرخيصة تبقيك حياً..." تمتمت بصعوبة، وأنا أستند على يدي للوقوف.

​ركزت الإيترا السوداء المتبقية لدي في ساقي. في لحظة، انفجرت من مكاني ليس نحوها... بل نحو النافذة المحطمة المطلة على الشارع.

​"لن تهرب!" صرخت، واندفعت خلفي بسرعة البرق.

​قفزت من النافذة، تدحرجت على الأسفلت المبلل بقسوة، والمطر يضرب جسدي كالسياط.

وقفت على قدمي، وبدأت أركض نحو زقاق ضيق مظلم مجاور للمتجر.

الفتاة كانت خلفي مباشرة، أنفاسها الباردة تكاد تلامس رقبتي.

​وفجأة...

​فيييييززز!

​صوت شق الهواء بسرعة تفوق سرعة الصوت، متبوعاً بشعور احتراق مرعب في جانب رأسي.

​فقدت توازني وسقطت بقوة، أتدحرج في بركة من الوحل والمياه السوداء.

وضعت يدي على جانبي الأيمن من رأسي. كان معطفي ممزقاً، والقناع مخدوشاً بشدة، ودماء دافئة وغزيرة بدأت تتدفق من جرح غائر في فروة رأسي، تختلط بمياه المطر.

​رصاصة قناص!

​رفعت عيني نحو السماء المظلمة. وسط هطول المطر الغزير، ومن بين الغيوم المنخفضة، انبثق ضوء كشاف عملاق، يعمي الأبصار.

كانت طائرة مروحية هجومية سوداء تابعة للـ FBI تحلق فوقنا بلا صوت تقريباً، محركاتها السحرية تكتم الضجيج.

وعلى جانب المروحية، لمحت انعكاس فوهة بندقية قنص مشبعة بطاقة إيترا حمراء مرعبة.

​"قناص جوي؟" تلاحقت أنفاسي بصعوبة. الجرح في رأسي كان يجعل رؤيتي مشوشة، والعالم يدور بي.

​حاولت الوقوف. يجب أن أتحرك.

البقاء في مكان مفتوح يعني الموت.

​لكن قبل أن أتمكن من تصليب ركبتي...

​فيييييززز... بووووم!

​طلقة القناص الثانية لم تخطئ هدفها.

لم تستهدف رأسي هذه المرة.

استهدفت مركز الكتلة.

​شعرت وكأن رمحاً من النار المنصهرة قد اخترق بطني. قوة الرصاصة المشبعة بالإيترا رفعتني عن الأرض، وألقت بي للخلف لمسافة مترين.

سقطت على ظهري، والماء الموحل يتناثر حولي.

​نظرت إلى أسفل. كان هناك ثقب بحجم قبضة اليد في معطفي التكتيكي، أسفل معدتي، ينبض منه الدم بغزارة لا تصدق، ليحول بركة الماء تحتي إلى اللون الأحمر القاني.

الألم لم يكن فورياً، بل كان يزحف ببطء كسم زعاف ينهش أحشائي، ثم انفجر كقنبلة من العذاب الصافي في كل عصب من جسدي.

​"آآآآآه!" صرخت من خلف القناع، صوتي الميكانيكي يختلط بأنيني البشري المحطم.

​اقتربت الفتاة ذات الشعر الأسود، تقف فوقي في الشارع المضاء بكشاف المروحية.

المطر يبلل شعرها الفاحم ويجعله يلتصق بوجهها الخالي من العيوب.

كانت تنظر إليّ ببرود.

​"النهاية، يا جوكر." قالت ببرود، رافعة يدها اليمنى التي بدأت تتجمع حولها شفرة حادة من الإيترا الزرقاء المكثفة، مستعدة لقطع رأسي.

​عقلي كان يغرق في الظلام. النزيف كان قاتلاً. هل أموت هنا؟ في هذا الشارع القذر؟ بعد أن رأيت كيف سينتهي العالم؟ بعد أن حصلت على مهارة من الرتبة SSS؟ هل أنتهي كفأر في مصيدة الـ FBI؟

​"لا... مستحيل..."

​شددت قبضتي على مسدس الجلوك الذي لم يفارق يدي.

الإيترا السوداء القليلة المتبقية في جسدي، إيترا الحياة والموت، تدفقت من قلبي، متجاهلة الألم، متجاوزة الجروح.

​"أنا لن أموت هنا!"

​في اللحظة التي هبطت فيها يدها لقطع رأسي، لم أحاول تفاديها، بل حركت مسدسي بسرعة لم أكن أعلم أنني أمتلكها.

​بام!

​الرصاصة لم تستهدف جسدها المحصن بالإيترا. استهدفت شيئاً أسرع.

​في لحظة انطلاق الرصاصة، أدركت الفتاة الخطر.

حاولت سحب وجهها للخلف.

لكنها كانت متأخرة بجزء من الألف من الثانية. الرصاصة المشبعة بالإيترا السوداء مرت محاذية لوجهها تماماً.

​تشششك!

​شفرة من الإيترا المنبعثة من الرصاصة مزقت خدها الأيسر.

جرح طولي عميق، تفجرت منه الدماء القرمزية على بشرتها البيضاء الخالية من العيوب.

​اتسعت عيناها بصدمة لا توصف.

لأول مرة، كُسر قناع البرود الخاص بها.

صرخت ألماً ومفاجأة، وتراجعت خطوة للخلف، واضعة يدها على وجهها الملطخ بالدماء.

لم تتوقع أبداً أن حشرة محتضرة يمكن أن تخدشها.

​استغللت هذه الثانية الوحيدة من تشتتها.

هذا هو الذكاء الذي لطالما احتقروه.

​صوبت مسدسي، ليس نحوها، بل نحو المروحية التي كانت تحلق على ارتفاع منخفض فوقنا.

لم أصوب على القناص، بل صوبت على محول الطاقة الإيترال المكشوف في ذيل المروحية، والذي كان يضيء بلون أزرق خافت تحت المطر.

​بام! بام!

​رصاصتان متتاليتان. اخترقتا المحول.

​انفجار كهربائي سحري عنيف دوى في السماء. المروحية فقدت توازنها فوراً، وبدأت تدور حول نفسها بجنون.

الكشاف العملاق انطفأ، وتحول الشارع إلى فوضى من الظلام، وأصوات الإنذارات، وصراخ الطيار.

​المروحية المترنحة هبطت بقوة، وشفراتها العملاقة كادت أن تضرب الشارع.

الفتاة ذات الشعر الأسود نظرت لأعلى برعب، مجبرة على التراجع بسرعة فائقة لتجنب أن تُسحق تحت هيكل المروحية التي ارتطمت بمقدمة المتجر وانفجرت في كتلة من النيران المشتعلة، فاصلة بيني وبينها بجدار من النار والحطام.

​وسط هذه الفوضى العارمة، الدخان الأسود، والمطر، وصراخ العملاء... نهضت.

​لا أعلم كيف وقفت. عضلاتي كانت تتمزق، وأمعائي كانت تنزف دماً يملأ حذائي، ورأسي كان ينبض كأنه طبل حرب. كنت ميتاً يمشي.

​أمسكت الحقيبة القماشية الممزقة، لكن... كانت فارغة! الرصاصة التي أصابت بطني مزقت أسفل الحقيبة أيضاً.

كل الألماس، النوى، والذهب... سقطت في الشارع.

​لكنني لم أخرج خالي الوفدين تماماً.

مددت يدي المرتجفة وسط الوحل الملطخ بدمي، والتقطت شيئاً واحداً.

نواة وحش واحدة، متوهجة بلون أرجواني قاتم، كانت قد علقت في بطانة الحقيبة. قبضت عليها بقوة حتى جرحت يدي.

​"هذا... سيفي بالغرض." همست بضعف.

​استدرت، وسحبت جسدي المحطم نحو الزقاق المظلم.

​المطر كان لا يزال يهطل بغزارة، يغسل الدماء التي أتركها خلفي في كل خطوة، لكنه لم يغسل الألم.

كنت أعرج بشدة، أستند على جدران الطوب القذرة في الأزقة، وكل خطوة تعادل ألف طعنة.

​نظرت إلى كفي الملطخ بالدماء، وبقايا القناع الذي يغطي وجهي.

​"يا لها من نكتة كونية..." ضحكت بخفوت، وسعلت دماً أسود.

"الجوكر الأسود... يكاد يموت من أجل حجر واحد. لكنني... نجوت. نجوت من الـ FBI، ونجوت من وحش برتبة A."

​كنت أمشي في الظلام، مصاباً بإصابات قاتلة، لا أعلم إن كنت سأصل إلى شقتي أم سأموت في منتصف الطريق.

لكن شيئاً واحداً كان أكيداً، نظرتي للعالم تغيرت في هذه الليلة الملعونة.

​"سأحصد بني الجلد..." تمتمت، وصوت النظام الأحمر يومض في مؤخرة عقلي.

"سأقتلهم جميعاً قبل أن يقتلني ذلك الكيان... أقسم بذلك."

​ابتلعتني ظلال إيليزيوم، والمطر يبكي فوق خطاياي التي لم تبدأ بعد.

2026/04/17 · 9 مشاهدة · 2217 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026