على طريق خارج المدينة، كان متسول صغير قذر يسير مترددًا وخائفًا.
نظر إلى ملابسه المتسخة الممزقة، يشعر بالغربة في هذه المدينة النظيفة.
"هل أغسل ملابسي؟"
نظر إلى الجدول الصافي، وفكر المتسول الصغير أن غسل ملابسه فيه سيلوث مياهه.
"من الأفضل أن أعود"
تردد المتسول الصغير.
خفض رأسه، ناظرًا بصمت إلى قدميه المتسختين.
لم يجرؤ على المضي قدمًا؛ كانت المدينة جميلة جدًا، وكان يخشى تدنيس هذا المكان النظيف والجميل.
"يا ولد صغير، ماذا تفعل هنا؟"
فجأة، جاء صوت مسن.
فزع المتسول الصغير والتفت ليرى رجلاً مسنًا يحمل منجلًا ينظر إليه بريبة.
"هل تبحث عن أحد؟" لم يستطع الرجل المسن إلا أن يسأل مرة أخرى.
"أنا لا أبحث عن أحد" ارتبك المتسول الصغير قليلًا وهز رأسه بسرعة نافيًا.
"أنت لست هنا للبحث عن أحد، فماذا تفعل هنا إذن؟"
افترض الرجل المسن أن المتسول الصغير قد أتى إلى المدينة بحثًا عن أقارب، إذ كانت هذه الأمور شائعة في السنوات الأخيرة.
"أنا... أنا..."
تلعثم المتسول الصغير، وكاد أن ينطق بكلماته دون وعي.
"لا تخف" طمأنه الرجل المسن
"أنا... أنا هنا لأجد عملًا. سمعت الناس يقولون إن أردت أن تكسب رزقك، فتعال إلى مدينة غالا"
قال المتسول الصغير، ورأسه منخفض، وصوته متوتر.
عندما كان يتسول في مركز المدينة، سمع المارة يذكرون مدينة غالا.
قالوا إنها مدينة ثرية بها العديد من الورش، وأي شخص يأتي إليها يمكنه أن يجد عملًا يكسب به رزقه.
لم يعد المتسول الصغير يريد أن يكون متسولًا.
وعندما توفي جده، نصحه ألا يكون متسولًا بعد الآن.
"أنت هنا للبحث عن عمل؟"
بدا الرجل المسن مصدومًا بوضوح.
كان سبب ردة فعله القوية أن المتسول الصغير بدا وكأنه في السادسة من عمره فقط.
"أليس هذا جيدًا؟"
خفض المتسول الصغير رأسه أكثر، ونبرته مليئة بخيبة الأمل.
"لا، لا! يا بني، كم عمرك هذا العام؟" لم يستطع الرجل المسن إلا أن يسأل.
"ثماني سنوات" أجاب المتسول الصغير.
"ثماني سنوات؟"
تفاجأ الرجل المسن قليلًا؛ كان الطفل الذي أمامه صغيرًا ونحيفًا لدرجة أنه لا يمكن أن يبدو في الثامنة من عمره.
"إذن أين والداك؟"
شعر الرجل المسن بوخزة شفقة.
"ليس لدي والدان"
هز المتسول الصغير رأسه، وخفض رأسه وهو يقول: "وجدني جدي عند النهر في الضواحي الجنوبية! كان جدي طيبًا جدًا معي؛ لم يكن يأكل شيئًا لنفسه، كان يدخر كل شيء لي"
"إذن أين جدك؟" بدا أن الرجل المسن قد خمن شيئًا.
"لقد رحل جدي"
امتلأت عينا المتسول الصغير بالدموع.
كان المتسول الصغير قد تربى على يد متسول مسن منذ صغره.
سخر منه المتسولون المحيطون به، ظانين أنه يتضور جوعًا ومع ذلك يُربي طفلًا.
لكن المتسول المسن ربّى الرضيع شيئًا فشيئًا بالتسول.
"يا بني، هل لك اسم؟"
تنهد الرجل المسن.
"اسم عائلتي لينغ. قال جدي إنه سماني لينغ هيبيان لأنني وُجدت عند النهر في الضواحي الجنوبية" رفع المتسول الصغير رأسه وقال.
"لين هيبيان؟"
ارتعشت شفتا الرجل المسن عدة مرات.
كان يريد حقًا أن يعرف لماذا لم يُنادى لينغ هي، بل لين هيبيان.
"إذن سأناديك لينغ هي"
سعل الرجل المسن وقال بهدوء.
"لن أغير الاسم الذي سماني به جدي"
رمش المتسول الصغير، وعيناه صافيتان لامعتان، وهز رأسه.
"همم، معك حق"
ظنّ الرجل المسن أن الطفل حسن الخلق.
"هل تريد حقًا البقاء في المدينة والبحث عن عمل؟"
"نعم، نعم، أخبرني جدي قبل رحيله أنه مهما كان الأمر صعبًا أو متعبًا، لا ينبغي أن أكون متسولًا "
قال المتسول الصغير بنظرة حازمة.
فهم الرجل المسن ما قصده جد المتسول الصغير. "حسنًا، سآخذك إلى مكان ما. أعتقد أنهم بحاجة إلى عمال هناك"
"حقًا؟" كان وجه المتسول الصغير المتسخ مليئًا بالحماس والسعادة.
"هيا بنا" ابتسم الرجل المسن وسار نحو البلدة.
تبعه المتسول الصغير بسرعة.
مع اقتراب القوس المهيب، شعر المتسول الصغير بتوتر غريب.
لكن عندما رأى النقش على القوس، توقف المتسول الصغير، وترددت خطواته وهو يحدق في الكلمات.
"هل يمكنك قراءة ما هو مكتوب؟"
افترض الرجل المسن، عندما رأى المتسول الصغير يحدق في القوس، أنه يعرف القراءة.
"لا"
هزّ المتسول الصغير رأسه نافيًا، وقال
"أظن أن الكلمات تبدو كأشخاص يقولون أشياءً لا أفهمها"
"كأشخاص؟"
نظر الرجل المسن إلى النقش بتعبير حائر.
لم يستطع حقًا أن يرى كيف تشبه الكلمات أشخاصًا.
مع ذلك، كان قد سمع من طلاب الأكاديمية أن خطّ العمدة سيثير تفسيرات مختلفة لدى مختلف الناس، لكن تلك التفسيرات كانت حكرًا على المتعلمين.
المتسول الصغير لا يجيد القراءة، فكيف له أن يفهمها؟
ربما بدت الكلمات له كأشخاص فحسب.
دون تفكير عميق، طلب الرجل المسن من المتسول الصغير أن يتبعه.
تبعه المتسول دون تردد، ولامست يده لا شعوريًا اللوحة الخشبية الداكنة المتسخة المعلقة حول عنقه.
لمعت في عينيه لمحة من الحيرة.
قبل لحظات، بينما كان ينظر إلى القوس، سخنت اللوحة فجأة، لكن الحرارة خفت بعد فترة وجيزة.
كان قد سمع من جده أن هذه اللوحة الخشبية السوداء كانت محفوظة في سلته، وأنها تحمل حرف "لينغ".
لم يعرف جده عن حرف "لينغ" إلا بعد أن سأل عنه.
رجّح جده أن "لينغ" هو على الأرجح لقبه، ومن هنا جاء الاسم.
...
وبينما كان المتسول الصغير
يمر بجانب شجرة الكبيرة، نظر بحسد إلى الأطفال ذوي الملابس النظيفة.
شعر بالدونية مقارنةً بهم، فأطرق رأسه خوفًا من نظرات الازدراء التي رآها كثيرًا.
لكن لسبب ما، لم يستطع منع نفسه من إلقاء نظرة خاطفة على الناس تحت شجرة الكبيرة.
لا يبدو انهم ينظرون إليه الاشمئزاز أو النفور، بل بدوا حائرين وفضوليين.
وشعر الأطفال تحت شجرة الكبيرة بالمثل.
تعرّف الرجل المسن على من تحت الشجرة وحيّاهم بابتسامة.
أدرك المتسول الصغير أن أحدهم يسأل عنه، لأن نظراتهم كانت تتجه نحوه باستمرار.
ثمّ خفّت حدّة نظراتهم، فأصبحت حنونة وشفقة، حتى أن بعضهم تنهّد.
بعد ذلك، أشار أحدهم إلى جهة ما، فأومأ الرجل المسن مودعًا المجموعة.
قال الرجل المسن وهو يقترب من المتسول الصغير ويحثّه على اللحاق به
"هيا، سآخذك إلى مكان ما"
شعر المتسول الصغير بعدم الارتياح تحت كل هذه الأنظار، فغادر مسرعًا.
سرعان ما وصلوا إلى بوابة فخمة، يحيط بها أسدان حجريان مهيبان.
لم يستطع المتسول الصغير قراءة النقوش على البوابة.
وفجأة، جاء هدير من الداخل
"قد يكون الرجل قبيحًا أو فقيرًا أو عديم الموهبة، لكن لا يمكن أن يكون بلا أحلام"
"لا يمكن أن يكون بلا أحلام"
"إذن ما هي أحلامك؟"
"أن أكون سمكة مملحة، سمكة مملحة بأحلام"
توقف المتسول الصغير، وعيناه الصافيتان اللامعتان تحدقان بهدوء في الباب، متسائلاً عما يجري في الداخل.