استقر "ساي" في عمق حديقة سنترال بارك، بعيداً عن الأضواء الكاشفة للسيارات التي كانت تجوب الشوارع المحيطة. جلس القرفصاء فوق صخرة غرانيتية ضخمة، مغلقاً عينيه. الهواء البارد لنيويورك في الخريف كان ينساب فوق جلده الجديد، لكنه لم يعد يشعر بالبرد. بالنسبة لجسد بدأ يلامس "تجسيد الكيان"، كانت حرارة الجو مجرد اهتزازات جزيئية تافهة.

داخل عقله، كان النظام يعمل ببرود قاتل.

[تحليل الموارد المتاحة: التشي المحيط ملوث بنسبة 80% بإشعاعات صناعية.]

[اقتراح: تفعيل ميزة "تفكيك المادة الأولية" لتحويل المعادن الثقيلة إلى طاقة زراعة.]

فتح ساي عينيه. كانت يده تمتد نحو الصخرة التي يجلس عليها. "تفكيك،" همس. لم تكن الكلمة مجرد صوت، بل كانت أمراً كونياً. بدأت الصخرة الصلبة تحت يده تتفتت، ليس كحجارة، بل كرماد يتوهج باللون الفضي. تلاشت المادة الصلبة وامتصتها راحة يده كإسفنجة متعطشة.

في تلك اللحظة، شعر بضغط هائل داخل هيكله العظمي. كانت المهمة التالية في النظام قد بدأت: [العظام الماسية].

كان الألم مختلفاً هذه المرة؛ لم يكن ألماً عضوياً، بل شعوراً بإعادة صهر المعدن داخل عروقه. سمع صوت "طقطقة" مرعبة تصدر من عموده الفقري، كل فقرة كانت تتكثف، وتفقد مساميتها البشرية، لتتحول إلى مادة غير معروفة في الجدول الدوري، مادة تجمع بين صلابة الألماس ومرونة النسيج الكوني.

"إذن.. هذا هو الثمن،" كزّ ساي على أسنانه، والدموع الفضية (أولى بشائر الدم الزئبقي) تفر من عينيه. "لتحويل الفاني إلى إله، يجب أولاً تحطيم الفاني."

بينما كان ساي يغرق في نشوة الألم والقوة، كانت هناك ثلاث مروحيات سوداء صامتة تحوم فوق المنطقة. في الأسفل، كانت فرق "التاكتيكال" التابعة لشيلد تتحرك بصمت بين الأشجار.

"الهدف في المرمى،" قال العميل (روملو) عبر اللاسلكي. "يبدو أنه مراهق.. أو شاب في العشرين. يجلس فوق صخرة تتلاشى حرفياً تحت يده. سيدي، هل نحن بصدد مواجهة متحول (Mutant)؟"

جاء صوت نيك فيوري من مركز القيادة: "لا توجد سجلات لـ (X-Gene) بهذا التوقيع. لا تطلقوا النار إلا بأمري. أريد استلامه حياً. نحتاج لمعرفة كيف يفكك المادة بلمسة."

أطبق العملاء الدائرة حول ساي. وفجأة، توقف كل شيء.

شعر ساي بوجودهم ليس عبر أذنيه، بل عبر "الاهتزازات الجزيئية" التي بدأ جسده يطورها كحاسة سادسة.

"بشر.. نمل يتدخل في لحظة ارتقائي،" فكر ساي ببرود.

"ارفع يديك خلف رأسك! ولا تتحرك!" صرخ أحد القادة وهو يوجه ليزر القنص نحو جبهة ساي.

لم يتحرك ساي. استمر في عملية تحويل عظامه. كانت نسبة اكتمال "العظام الماسية" قد وصلت إلى 40%.

"أيها النمل،" تحدث ساي، وصوته لم يخرج من فمه بل بدا وكأنه ينبعث من الأرض نفسها. "أنتم تقاطعون داو الخلود. ارحلوا، وسأترك لكم حياتكم التافهة."

ضحك العميل روملو بسخرية. "لديك ثقة مفرطة بالنفس يا ولد. أطلقوا الصاعق الكهربائي!"

انطلقت قذيفتان صغيرتان من بندقية خاصة، تخرج منهما أسلاك تنقل تياراً كهرومغناطيسياً بقوة كافية لشل فيل. أصابت الأسلاك صدر ساي المباشر.

لكن بدلاً من أن يسقط متشنجاً، حدث شيء جعل العملاء يتراجعون للخلف.

بدأ التيار الكهربائي يتدفق نحو جسد ساي، لكنه لم يؤذه. بدلاً من ذلك، بدأ جسده يمتص الكهرباء وكأنها وقود إضافي.

[تنبيه: تم رصد طاقة كهرومغناطيسية خارجية.]

[جاري تحويل الطاقة لتسريع عملية "الدم الزئبقي"..]

[التقدم: 45%.. 50%..]

"شكراً على الهدية،" قال ساي وهو يقف ببطء. كان طوله يبدو وكأنه زاد بضع سنتيمترات، وهالته أصبحت أثقل لدرجة أن العشب تحت أقدام العملاء بدأ يذبل ويتفتت.

بلمحة بصر، اختفى ساي من مكانه. لم يكن انتقالا آنياً بعد، بل كانت سرعة ناتجة عن النسيج الفولاذي لعضلاته. ظهر فجأة أمام العميل الذي أطلق النار. وضع يده برفق على صدر الدرع الواقي للرصاص الخاص بالعميل.

"تفكيك،" قالها ببرود.

في صرخة رعب مكتومة، تلاشى الدرع الفولاذي، ثم تلاشت البندقية، ثم بدأت ملابس العميل تتفكك إلى ذرات طاقة، تاركة إياه عارياً ومرتجفاً من الرعب الصرف. لم يلمس ساي لحمه، ليس شفقة، بل لأن طاقة اللحم البشري "قذرة" ولا تصلح لزراعته.

"المرة القادمة، سأفكك عظامكم،" قال ساي وهو ينظر نحو الكاميرا المثبتة على خوذة العميل، مخاطباً نيك فيوري الذي يشاهده خلف الشاشات. "أخبر رؤساءك.. العالم القديم انتهى. ساي قد وصل."

في مركز قيادة شيلد، ساد صمت مطبق. نيك فيوري أطفأ الشاشة بيده المرتجفة قليلاً.

"سيدي.. ماذا نفعل؟" سألت العميلة هيل.

"نضع له ملفاً خاصاً،" أجاب فيوري. "الاسم الرمزي: المُفكك (The Deconstructor). ولا تقتربوا منه. ابحثوا في التاريخ، في الأساطير، في أي مكان عن شيء يسمى 'الداو'. "

بينما كان شيلد في حالة استنفار، كان ساي قد غادر الحديقة، متجهاً نحو أفق نيويورك. كان يحتاج إلى كميات هائلة من المعدن والطاقة ليكمل القلب النابض بالتفرد. كانت عيناه مسلطتين على "برج هيو" (برج اتصالات ضخم)، كان يرى فيه مجرد "حبة طاقة" عملاقة ستساعده ف

ي الوصول إلى قمة المرحلة الأولى.

2026/01/30 · 65 مشاهدة · 707 كلمة
INFINITU
نادي الروايات - 2026