مملكة إيسكارد

لم تكن مملكة إيسكارد مجرد مملكةٍ قائمة فوق القمم الشمالية، بل كانت أسطورةً نُحتت من الرخام والجليد. أرضٌ اشتهرت بثروةٍ تتحدى الخيال، حيث تعانق القصور البيضاء الشاهقة السحاب، مزينةً بتفاصيل من الذهب والفضة تتلألأ تحت شمس الشتاء الباردة.

كانت تمتلك حصنًا فولاذيًا، يشتهر بجيشٍ لا يعرف الرحمة وأسوارٍ لم يجرؤ أي عدو على خدشها طوال قرون. لقد كانت معقل المجد والترف.

وفي قلب هذا البذخ المهيب جلست العائلة المالكة، حاملةً اسم إيسكارد بوصفه ختمًا للقوة. سلالةٌ حكمت بالنار والحديد، ولم تسمح للضعف يومًا بأن يتسلل إلى صفوفها.

ويتولى العرش حاليًا الملك أركسون إيسكارد الثاني، الملقب أيضًا بـ «وارث الملك الجليدي»، ليس فقط بسبب الطبيعة المتجمدة لأراضيه، بل لأن حكمه لم يعرف سوى الهيمنة والقوة، تمامًا كما كان عهد والده الراحل، أركسون اسكارد بريتون الأول.

كان أركسون محاطًا بثلاث ملكات تزوجهن بأمرٍ من والده لضمان هيمنته على العرش، حيث كانت كل واحدة منهن تمثل جانبًا من جوانب النفوذ داخل المملكة وخارجها.

الملكة إلفيرا (الأولى): المرأة الحديدية التي تحكم القصر بقبضةٍ من نار، ووالدة ولي العهد، والحاكمة الفعلية لشؤون القصر الداخلية.

الملكة ميلاني (الثانية): صاحبة اللسان السام، وسيدة المؤامرات التي لا تنتهي وشِباك الخداع.

الملكة لورين (الثالثة): أصغرهن سنًا، وأكثرهن تباهيًا بجمالها ومجوهراتها، اشتهرت بغرورها الذي لا يُطاق.

أنجب الملك ثلاثة أبناء من كل زوجة، ليصبح لديه تسعة ورثة شرعيين كانوا بمثابة ثروة لوالدهم.

لكن... كان هناك ابنة عاشرة.

تعيش في ظل الاروقة

فمنذ أن أُحضرت إلى هذا القصر، لم تظهر يومًا أمام العامة، ولم تُقدَّم في أي حفلٍ ملكي رسمي.

كانت الشبح الذي يطارد الأروقة، واللغز الذي فضّل الجميع التظاهر بعدم وجوده لانها

الابنة غير الشرعية التي كان الجميع يهمسون بأن دمها ملوثٌ غير نبيل، فهي ابنة خادمة المعروغة انها الجاسوسة التي اغرت الملكهم لمدة ثم هربت.

كل ما كان يُعرف عن تلك الابنى هو اسمها...

أيرين.

وقفت أيرين أمام نافذتها الشاهقة، تراقب جبال وهي تعانق السحاب بقممها المغطاة بالثلوج، بينما كانت خيوط الغروب تلوّن السماء.

في هذا الجزء من العالمها، كان ذلك الجمال توأم القسوة.

بملامح بدت وكأنها نُحتت بعناية، وعينين زرقاوين تحملان برودة المحيطات، كانت إيرين تخفي خلف صمتها سرًا لم يكن أحد ليتخيله.

قطع طرقًا خافتٌ على الباب هدوء الغرفة.

«ادخل...»

دخلت إحدى الخادمات وانحنت باحترامٍ عميق.

«صاحب السمو... جلالة الملك يأمركِ بحضور مأدبة الليلة. سيُقام احتفال بمناسبة تأكيد حمل ليورا، زوجة ولي العهد.»

أومأت إيرين دون أن تستدير.

«حسنًا.»

انحنت الخادمة مرةً أخرى ثم غادرت.

تنهدت إيرين، وبعد بضع دقائق وقفت أمام المرآة ترتب خصلات شعرها الذهبية.

لم يكن يُطلب حضورها إلى العشاء إلا في مناسباتٍ العاىلية مثل الخطوبات أو حفلات زفاف إخوتها.

أما اليوم فكان مختلفًا.

زوجة ولي العهد حامل.

ابتسمت بسخرية لانعكاسها في المرآة، متسائلة:

'أي نوعٍ من العروض المسرحية سيُقام الليلة؟'

كانت تعلم جيدًا أن موائد إيسكارد الملكية لم تكن يومًا من أجل الطعام؛ بل كانت مسارح ملكية ضخمة، يتقن فيها الجميع أداء أدوارهم ببراعةٍ مقززة.

مائدةٌ تزخر بأفخر الأطباق، لكنها تفيض بالنفاق المغلف بالبروتوكول، والطعنات المتبادلة خلف الابتسامات العاجية بين الملكات السامات وبناتهن.

أما بالنسبة لإيرين، فلم تكن تلك الولائم سوى مبارزاتٍ صامتة تشهدها بين الحين والآخر.

وعند حلول الموعد، غادرت غرفتها متجهةً إلى قاعة الطعام الملكية.

كانت القاعة تحفةً من البذخ؛ أعمدةٌ من الرخام الأسود، وثرياتٌ من الألماس الخالص، وطاولةٌ ملكية ضخمة.

كانت الملكة الاولى إلفيرا قد بدأت خطابها بالفعل، رافعةً كأسها بوقار.

«في هذه الليلة، نبارك سلالتنا العظيمة. زوجة ابني، ولي العهد ليونارد، تحمل في أحشائها مستقبل إيسكارد... دمًا نقيًا سيرفع شأن مملكتنا أكثر.»

ارتفعت الكؤوس الذهبية، وملأ رنين البلور أرجاء القاعة.

وفي تلك اللحظة...

دخلت أيرين.

وبدا وكأن القاعة بأكملها حبست أنفاسها لنبضة قلب واحدة.

تقدمت بخطواتٍ ثابتة وواثقة.

ابتسمت الملكة الثانية ميلاني بسخرية وهي تقول بصوتٍ مسموع:

«يا إلهي! يا له من توقيتٍ مثالي. بينما نتحدث عن نقاء الدم، تظهر صاحبة أنقى دمٍ في المملكة.»

وانفجر الضحك الخافتة حول المائدة.

تجاهلت إيرين التعليق، فقد اعتادت سماع مثل تلك الكلمات.

تقدمت نحو شقيقها، ليونارد، وزوجته الحامل، ليورا، وانحنت بهدوء.

«أبارك لكما. آمل أن يحمل طفلكما قوة إيسكارد في المستقبل.»

أجابتها ليورا ببرودٍ متعالٍ وهي تربت على بطنها:

«شكرًا...»

ثم جلست إيرين في مقعدها.

ورغم أن جميع الأنظار بقيت مسلطةً عليها، فإنها لم تكترث. كانت تخطط للبقاء قليلًا فقط اداء لامر والدها، ثم تختفي كالعادة .

صدام الكؤوس

وبعد بضع دقائق...

تحدثت الملكة الولى إلفيرا وهي تقطع قطعة اللحم أمامها بأناقة:

«لقد كانت السنوات الماضية مثمرة بالنسبة لإيسكارد وجلالة الملك. سبعةٌ من أبنائنا وبناتنا دخلوا بالفعل في تحالفاتٍ زوجية، وأصبح كل زواجٍ حجرًا جديدًا في جدار نفوذنا. لقد أحكم جلالته قبضته على الممالك على الممالك المجاورة بالدم والمصاهرة.»

أومأت الملكة الثانية ميلاني ببطء وهي تمسح شفتيها بمنديلٍ حريري.

«بالفعل يا ملكة إلفيرا. والآن تتجه جميع الأنظار إلى ابنتك، سيلينا. إن ملك أوكلاند لم يتوقف عن إرسال الهدايا والرسائل طالبًا يدها لولي عهده. لقد أصبحت الجائزة الكبرى التي تحلم بها جميع الممالك.»

ولم تدع الملكة الثالثة لورين الفرصة تمر دون أن تتباهى بابنتها.

«ولا تنسي يا ملكة ميلاني أن ابنتي أديلين هي التي لفتت أنظار الإمبراطورية الروملية العظمى منذ أول ظهورٍ لها ايضا.»

ضحكت بخفة، ثم تابعت:

«أعني، لقد تزوج أبناؤنا بالفعل، أما الآن فالممالك تتنافس لمجرد فرصة التقدم لخطبة سيلينا وأديلين، فقط لتحمل اسم إيسكارد داخل عائلاتها.»

تردد ضحكٌ مفعم بالفخر في أرجاء القاعة، وبدأ الورثة الشرعيون الحاضرون يتبادلون نظرات الانتصار

وفي خضم ذلك الابتهاج، مالت الملكة ميلاني برأسها قليلًا، واستقرت عيناها صدفتا على أيرين.

كانت تتناول طعامها بصمتٍ تام في اخر طاولة، كتمثالٍ وسط الضجيج.

امعنت النظر فيها للحظات

ثم قالت بصوتٍ حاد كحد السيف، وكأنها تذكّر الجميع بشيءٍ غير مرغوبٍ فيه:

«لكنني أتساءل...»

ثم تغيرت نظرتها الى بابتسامةٍ ساخرة واكملت:

«بينما يتنافس الجميع على سيلينا وأديلين، أي دورٍ ستلعبه ابنة الخادمة في نسيج نفوذ جلالته؟ هل فكرت يا صاحب الجلالة، في تزويجها لحارس السجن الشمالي؟ أم لأحد قادة الحدود المنسيين؟ من المؤسف و غير العادل أن يبقى ذلك الجمال الذي تدّعي امتلاكه مختبئًا في الأروقة دون فائدة تذكر، بينما يستمر فقط في جلب العار إلى اسمك...»

تعالت ضحكاتٌ مكتومة من بنات الملكات.

وفجأة دون سابق إنذار...

ضرب الملك أركسون الطاولة بقبضته الحديدية.

اهتزت الضربة حتى ارتجفت معها الثريات الألماسية، وارتعشت الكؤوس البلورية فوق المائدة بعنف.

انتفضت ميلاني في مكانها، وأدركت في اللحظة نفسها الخطأ الفادح الذي ارتكبته دون ان تشعر .

ساد القاعة بصمتٌ مرعب.

تجمدت الملاعق في الأيدي، وشحبَت وجوه الأميرات.

وضع الملك أركسون كأسه على الطاولة ببطءٍ مؤلم، ثم رفع بصره نحو الملكة ميلاني.

كانت نظرته خالية من أي مشاعر...

باردةً كالجليد الأبدي مخيف.

قال اخيرا بصوتٍ عميق، هادئٍ إلى حدٍ يبعث الرعب في العظام:

« ميلاني... رغم سنك ومكانتك كالملكة الثانية لم تتعلمي بعد كيف تضبطين ذلك اللسان الحاد. والان غرورك ذلك يقودك إلى الإساءة لاسمي في حضوري، ووضع كلمة "العار" إلى جانبه ! كيف تجرؤين على تقرير ما الذي ينبغي عليّ فعله بالنيابة عني ؟»

ارتجفت يد ميلاني وهي تقبض على حافة الطاولة، وخفضت رأسها خوفًا.

لكن الملك تابع دون أن يرمش:

«حتى وإن كانت ابنة تلك الخادمة الخائنة، فلا تنسي أنني أنا من أبقيتها على قيد الحياة وأنا من سمح لها بحمل اسمي، والجلوس إلى مائدتي ! ما قلته للتو، فهو تحدٍ لقراري ولحكمتي....»

وخيم ثقلٌ خانق على القاعة.

ثم تابع، بنبرةٍ تعامل البشر كما لو كانوا مجرد ممتلكات:

«تلك الفتاة، وكل من يجلس إلى هذه المائدة، هم ملكٌ لعرش إيسكارد.»

«وإذا قررت يومًا أن أزوجها، فسأزوجها لمن أشاء، ومتى أشاء، دون ان يكون لاحد رفاهية الاعتراض امامي »

زادت صوته ونبرته اكثرة حدة

«لا أنتِ، ولا شيء ك"الدم النقي" ستملي عليّ كيف أدير قراراتي، أو تمس اسمي وإرثي بشيء قذر كالعار .»

ازداد التوتر في القاعة اكثر بين الحضور

أما إيرين..

فبقي وجهها ساكنًا بلا أي تعبير، وهي تراقب المشهد بعينيها الحادتين

يتبع...

2026/07/02 · 9 مشاهدة · 1212 كلمة
Matochka
نادي الروايات - 2026