"كم هذا جميل..."
تمتمت امرأة وهي تتكئ على سياج الشرفة وتنظر إلى الأسفل.
كانت المصابيح السحرية الخافتة تنتشر في شتى أنحاء حديقة القصر الإمبراطوري التي خيم عليها الظلام، صانعةً أجواءً خيالية ساحرة.
وفي اللحظة التي كانت ترتشف فيها من كأس النبيذ الذي تحمله، ألقى ظلٌّ ضخم بظلاله فوق كتفيها.
"أهنا أنتِ، آيليسيا؟"
تردد صدى صوتٍ رخيم وعميق يداعب أذنيها بنعومة. التفتت آيليسيا ببطء لتنظر إلى الرجل الذي خطى داخل الشرفة.
طولٌ فارع يتجاوزها برأسٍ كامل، وبنية عضلية صلبة يكسوها بدقة زيٌّ عسكري أنيق.
لقد غدا "تيرميون" الذي كبر الآن يفيض برجولة طاغية.
وعلى الرغم من أنها رأته بهذا المظهر مرارًا وتكرارًا، إلا أن وجهها اشتعل حمرةً بمجرد أن تلاقت أعينهما.
'..هل أنا ثملة؟'
لا، لم تتجاوز حد قدرتها على الشرب بعد، لذا لا يمكن أن يكون هذا هو السبب. أعادت آيليسيا كأس النبيذ إلى شفتيها بعد أن تراجعت عن شربه قبل قليل.
"الإفراط في الشرب ليس جيدًا لصحّتكِ."
"هاه؟"
بلمسة رقيقة، انتزع تيرميون كأس النبيذ من يدها ووضعه على الطاولة.
"أنا لسـتُ ثملة."
"هذا إن كان ما في الكأس نبيذًا خالصًا."
'تشه، تباًا لشدة ملاحظته'. زمّت آيليسيا شفتيها بامتعاض بعد أن كُشف أمرها وهي تخلط النبيذ سراً بمسكرٍ قوي مقطر.
"منذ متى وأنت تشتكي وتتذمر هكذا؟"
"لقد تعلمتُ هذا من أحدهم."
'إذن، الفضل يعود لي في تعليمه جيدًا'.
وقبل أن تشعر آيليسيا بالفخر، اقترب وجه تيرميون منها بشدة.
وعلى عكس طرف شفتيه المرتفع بنبرة ماكرة، كانت عيناه الغائرتان تحدقان بها بثبات.
كانت نظرات تيرميون مستقيمة وهادئة تمامًا، في حين كان قلبها يخفق بعنف كاد يمزق صدرها.
'هـ.. هذا مؤذٍ لقلبي..!'
في الداخل، كانت الصخب يملأ قاعة المأدبة المستمرة، أما الشرفة فكانت غارقة في سكون تام.
لو كانت ثملة حقًا لكان الأمر أهون، أما مواجهته بكامل وعيها فكان أمرًا يفوق السحر، بل ويكاد يكون عبئًا لا تحتمله.
ترددت آيليسيا وتراجعت إلى الخلف وهمّت بالإمساك بالسياج، وفي تلك اللحظة بالذات، تشابكت أصابع تيرميون مع أصابعها بطريقة بارعة.
"تـ.. تيرميون؟"
"ماذا لو تحطمت الشرفة أيضًا إن فعلتِ ذلك؟"
شعرت بذراعه الصلبة وهي تطوق خصرها. حاصر تيرميون آيليسيا بالكامل بين ذراعيه، ثم خفض رأسه وتحدث:
"مستودع الفيلا في المرة السابقة كان من مالي الخاص لذا لم يهمني الأمر، ولكن..."
'..لماذا تفتح هذا الموضوع هنا الآن وفجأة؟! '
لقد كانت المشكلة في ذلك اليوم هي اكتمال القمر، مما جعل طاقتها السحرية تتدفق بشكل أقوى من المعتاد.
وصحيحٌ أيضًا أنها كانت متحمسة ومبتهجة بفضل الأجواء الهادئة على الشاطئ. ولكن!
'انهيار المستودع بضربة جدار واحدة لم يكن خطئي أنا بالكامل!'
بالطبع، كان حضنه الذي احتواها بعد ذلك دافئًا للغاية.. لا، لننسَ ذلك.
على المرء أن يركز على واقعه الحالي. بالنظر إلى بريق عيني تيرميون، يبدو أنه سيلتهمها بالكامل إن استمر الوضع هكذا.
'نحن في قاعة الحفلات هنا! وهناك حشد هائل من الناس بالداخل!'
عندما دغدغت أنفاسه الساخنة رقبتها، عضت آيليسيا شفتها الخفيفة دون وعي.
"لا يمكنني أن أتحمل ترك لمساتكِ وتأثيركِ في قصر إمبراطوري كهذا."
..ماذا يعني هذا بحق السماء؟
كيف تغير هذا الرجل هكذا؟
أين ذهب ذلك الفتى البريء الذي التقت به أول مرة؟ لم يتبقَ منه سوى ذئب كاسر.
ذئب ضارٍ ومخلص، لا يسمح لأحد بمشاركته مكانه.. سواها هي فقط.
***
"سيو هوي رين"، 26 عامًا. موظفة نجحت في الحصول على وظيفة مستقرة بعد تخرجها من الجامعة.
في حياتها السابقة، كانت واحدة من أولئك الذين يُطلق عليهم "أناس عاديون".
بالطبع، كانت تبدو عادية من الخارج فحسب، أما حياتها فقد كانت مليئة بالتقلبات والعواصف.
في يوم حفل دخول هوي رين إلى المدرسة الإعدادية، وعدها والداها بوعود قاطعة بأنهما سيحضران رغماً عن انشغالهما، لكنهما لم يتمكنا من حضور حفل ابنتهما في النهاية.
إذ غادرا هذه الحياة إثر حادث مروري مفاجئ، تاركين خلفهما هوي رين الصغيرة وحيدة في هذا العالم، ولم يكن المحيطون بها ليتركوها وشأنها.
وفي الوقت الذي انقض فيه الأقارب كالوحوش الضارية طمعًا في الميراث الذي يُقدر بمليارات الوونات، كانت عمتها هي الشخص الوحيد الذي وقف لحماية هوي رين.
"هذا المال جناه أخي وزوجته بدمائهما وحياتهما! لن يأخذ منه أحد فلسًا واحدًا غير هوي رين!"
كان فارق السن بين العمة وهوي رين اثني عشر عامًا فقط؛ لأنها كانت طفلة وُلدت في وقت متأخر بعد زواج جدها الثاني.
وبعد وفاة الجد، كان والدا هوي رين هما من توليا تربية العمة فعليًا، لذا كانت هوي رين تتبعها وتطيعها كأخت كبرى، رغماً عن أنها تناديها بـ "عمتي".
تخلت عمتها حتى عن دراستها العليا التي كانت تسير فيها بشكل جيد، وسخرت حياتها لرعاية هوي رين. وفي ذلك الوقت، كان هناك شاب تجمعها به مشاريع زواج، ولكن ما إن لمحت عمتها طمع عائلته المستقبلي في ميراث هوي رين، حتى أعلنت فسخ الخطوبة دون تردد.
وبفضل تضحيات عمتها، تمكنت هوي رين من تجاوز أحزان فقدان والديها، وقضاء أيام دراستها كأي فتاة عادية أخرى. بل والتحقت بالجامعة وتخرجت منها دون عقبات، ونجحت في الحصول على وظيفة جيدة.
ولأنها عاشت حياتها بكل كدّ واجتهاد، اعتقدت أنه لم يعد متبقيًا لها سوى عيش حياة هانئة وسعيدة برفقة عمتها.. ولكن.
"أنا آسفة يا هوي رين.. لأن عمتك لن تستطيع البقاء معكِ لوقت طويل."
بعد أن خطف الموت عمتها هي الأخرى إثر إصابتها بالسرطان، انطفأت رغبتها في الحياة تمامًا. وكان هذا هو السبب الذي جعل هوي رين تستقيل من وظيفتها التي نالتها بشق الأنفس، وتتحول إلى عاطلة جليسة غرفتها.
'..لا أعرف ماذا عليّ أن أفعل.'
مرت أيام هوي رين وهي تشعر بالخمول والوهن يثقلان جسدها بأكمله.
وفي خضم ذلك، كانت متعتها الوحيدة هي قراءة روايات الويب.
تلك المشاعر المرهفة المتبادلة بين الشخصيات، ولحظاتهم الدافئة، والقصص التي تنتهي أخيرًا بنهاية سعيدة؛ كانت ملاذها الوحيد للهروب من الواقع.
وبينما كانت تعيش حياة العزلة تلك، تقرأ قصصًا تفيض بالأحلام والآمال لمدة ناهزت العام، جاء يوم...
'ما هذا الوضع بحق السماء..؟'
عندما استيقظت من نومها وفتحت عينيها كالعادة، وقع بصرها على مشهد غريب لم تره قط في حياتها.
لم تكن جدران غرفتها ذات الألوان الهادئة، بل مساحة محاطة بجذوع خشبية سميكة تتباهى بلونها البني الداكن.
مهما نظرت إليه، كان منزلًا لا يظهر إلا في الحكايات الخرافية.
ربما كانت تحلم؟ رفعت هوي رين يدها وقرصت خدها بقوة.
"آخ!"
ربما بالغت في القوة، فخرجت من فمها صرخة متألمة حادة.
نهضت من السرير العايق، ونظرت إلى المرآة المعلقة على أحد الجدران، لتطرف عيناها بذهول.
"..من أنتِ؟"
شعر ذهبي براق ينسدل بغزارة حتى خصرها، وعينان زرقاوان كأنهما قطعتا ياقوت أزرق نُحتتا بدقة.
وحتى بشرتها البيضاء الناصعة التي تفيض رونقًا وخلوًا من الشوائب.
لو أن الإله صاغ كلمة "الجمال" بعناية على هيئة بشر، أفلن تكون النتيجة بهذا المظهر؟
الأمر المؤكد الوحيد، هو أن هذا لم يكن مظهرها الأصلي بأي حال من الأحوال.
"آه..!"
فجأة، داهمها صداع حاد كأن إبرًا تنخر في رأسها. ومن بين ذلك الصداع، بدأت ذكريات مشوشة ومتشابكة تأخذ مكانها في عقلها واحدة تلو الأخرى.
"آيليسيا ميلينوف..؟"
دون وعي منها، انساب هذا الاسم بشكل طبيعي بين شفتيها.
لم يدم ارتباكها طويلًا، إذ سرعان ما بدأت في استيعاب الموقف بسرعة.
تفحصت الغرفة بعينيها عدة مرات، ثم خرجت لتتفقد ما حولها. وبعد أن استحضرت في ذهنها الأعمال التي لا حصر لها والتي قرأتها حتى الآن، توصلت إلى استنتاج:
"..هذا هو الشيء نفسه الذي لم أكن أراه إلا في الروايات؟"
لقد تجسدت "سيو هوي رين" داخل رواية الفانتازيا الرومانسية التي كانت تقرأها قبل أن تنام الليلة الماضية.
* * *
لا أحد يعلم متى بدأ الأمر على وجه التحديد، كل ما في الأمر أن الشائعات بدأت تنتشر بين الناس شيئًا فشيئًا.
"تعيش ساحرة جميلة في بحيرة الغابة الغربية."
تتحكم في شتى أنواع الحيوانات كما تشاء، وتأمر الأشجار بالتحرك لتحول الغابة إلى متاهة.
وأحيانًا عندما تغضب، تضرب بصواعق تقلب البحيرة رأسا على عقب، بل وتطير في السماء بطلاقة في الليالي التي يكتمل فيها القمر.
ومع ذلك، كان لها جانب غريب يتمثل في لطفها الشديد مع الأطفال؛ ففي الواقع، كان الأطفال الذين يضلون طريقهم في الغابة يعودون إلى منازلهم وهم يحملون بين أيديهم أكوامًا من الخبز والكعك.
ثم يجتمعون ليقصوا القصة نفسها عن الساحرة:
"إنها جميلة مثل الجنيات! أعتقد أنها الأجمل في العالم!"
"شعرها يتلألأ، وعيناها الزرقاوان تلمعان أيضًا!"
"لوحت بالعصا التي في يدها، فتساقطت الحلوى من الهواء!"
كبر أولئك الأطفال وأصبحوا شيوخًا، واستمرت شهادات العيان التي ينقلها هؤلاء الشيوخ لأحفادهم وحفيداتهم لفترة طويلة.
والآن، ما هي الهوية الحقيقية لتلك الساحرة التي تجاوزت مجرد كونها حكاية شعبية لتصبح أسطورة؟
'إنها عابرة عوالم سقطت فجأة داخل الرواية بعد خوضها شجارًا بالتعليقات مع كاتب متمسك برأيه.'
وهذه الساحرة هي أنا.
استيقظت "آيليسيا"، ساحرة الغابة الغربية، من سريرها بوجه أشعث.
وأنهت هندامها ببساطة باستخدام السحر، ثم فتحت الباب.
"أجئتَما؟"
أمام الباب، كان هناك ذئبان بحجم الخيول يهزان ذيليهما بلطف.
"وايتي" و"بلانكي"، الزوجان الذئبان اللذان يعيشان في هذه الغابة.
"هل كان كل شيء هادئًا طوال الليل؟"
"نباح!"
وبعد أن قدمت لهما كمية وفيرة من اللحم التي أعدتها مسبقًا، خرجت وهي ترتدي رداءً فضفاضًا وسميكًا.
كانت السماء صافية وخالية من الغيوم، وكان هذا الصباح هو الأجمل منذ بداية هذا العام.
'كم مضى على مجيئي إلى هنا..؟ هل مر حوالي خمسمائة عام؟'
لقد مضى بالفعل 500 عام منذ أن تجسدتُ في شخصية ثانوية في رواية الفانتازيا الرومانسية <أنا ابنة أخ الدوق الشيطاني اللطيفة>.
ليست 5 سنوات، ولا 50 سنة، بل 500 سنة.
..500 عام كاملة! تغيرت فيها ملامح الطبيعة 50 مرة على الأقل!
يا إلهي! لقد قامت سلالة "جوسون" (في كوريا) وزالت، وأنا ما زلت هنا!
"متى بحق السماء ستبدأ أحداث الرواية الأصلية؟!"
صرخت آيليسيا بغضب باتجاه البحيرة.
غوغوغوغونغ!
وفوق سطح الماء الذي أحدثت فيه صرختها تموجات، كانت ذكرياتها القديمة تمر أمام عينيها اليوم أيضًا كشريط سينمائي متسارع.