"تناولي طعامكِ على مهل."

"حاضر!"

منذ كم من الوقت لم تجلس لتناول وجبة طعام مع شخص آخر وجهًا لوجه؟

كانت آيليسيا تسند ذقنها براحة يدها، وتتأمل دون ملل تلك الطفلة وهي تمضغ الطعام بفمها الصغير.

"هل هو لذيذ؟"

"نعم!"

ولم يمر وقت طويل حتى ظهر قاع الوعاء الذي يحتوي على الحساء. فركت الطفلة بطنها التي انتفخت قليلاً، وارتسمت على وجهها علامات الارتياح الشديد.

"اسمي آيليسيا ميلينوف. وما هو اسم آنستنا الصغيرة؟"

سألتها من باب التأكيد لعلها تكون مخطئة. ففتحت الطفلة عينيها على وسعهما، ورفعت يدها عاليًا وهي تجيب:

"إلينورا! وعمي يناديني إيلي!"

"إلينورا. إنه اسم جميل حقًا."

"اممم، ولكن..."

"نعم؟"

بدأت إلينورا تفرك أصابعها ببعضها وهي تنظر بحذر وتوجس فجأة. كان مظهرها لطيفًا جدًا لدرجة جعلت آيليسيا تبتسم باتساع دون أن تشعر.

"ماذا أناديكِ؟ هل أناديكِ أيتها الجنية؟"

"لقد أخبرتكِ للتو أنني لست جنية."

"إذن، أختي الكبيرة؟"

"…… ممممممم."

يا إلهي، لِمَ تضعني في مثل هذه الحيرة والمعاناة؟ أطلقت آيليسيا زفيرًا طويلاً ومثقلاً بالشكوى.

بالطبع، إذا حكمنا من خلال المظهر الخارجي فقط، فإن لقب "أختي الكبيرة" هو الأكثر ملاءمة.

‘لكن أين ضميري من هذا……؟’

عندما انتقلتْ إلى هذا الجسد، أخبرها معلمها أن عمرها كان 703 سنوات، والسنوات التي عاشتها بعد ذلك تجاوزت الـ 500 عام بقليل.

وفقًا لمعايير هذا العالم، يبلغ عمرها الآن 1200 عام. وحتى لو حسبت العمر الذي شعرت به وعاشته وعيًّا، فهو لا يقل عن 500 عام.

ومع فارق سن كهذا، تشعر بالذنب والآسف حتى بمجرد سماع كلمة "أختي".

‘ما هو اللقب الذي لا يجعل الطفلة تشعر بالنفور، ويكون سهلاً عليها، ومألوفاً للآخرين إذا سمعوه؟’

بينما كانت تفكر وتعاني في البحث عن إجابة لبعض الوقت، لمعت فكرة في رأسها فجأة.

"ما رأيكِ في لقب ’معلمتي‘؟"

"معلمتي؟"

ولأنها كانت تتطوع في دار للأيتام من وقت لآخر أثناء دراستها الجامعية في حياتها السابقة، كان هذا هو اللقب الأكثر ألفة لسمعها. كما أنه سيكون سهلاً على الطفلة استيعابه، ولن يسبب أي مشكلة إذا سمعه الآخرون.

"إذا كان يناسبكِ يا إلينورا فـ—"

"المعلمة آيليسيا!"

قبل أن تُكمل آيليسيا كلامها، هتفت إلينورا بوجه مشرق وسعيد.

ولا تدري ما الذي أسعدها إلى هذا الحد، حيث وضعت الطفلة قبضتيها الصغيرتين اللطيفتين على خديها وراحت تبتسم ببلاهة محببة.

"…… عذرًا، إلينورا."

"نعم!"

"هل، هل يمكن لمعلمتكِ…… أن تعانقكِ لمرة واحدة فقط؟"

سألت آيليسيا بنبرة ترتعش، بعد أن عجزت عن مقاومة لطافة إلينورا المفرطة. وعندها، ركضت إلينورا نحوها في لمحة بصر وبسطت ذراعيها على وسعهما.

"عانقيني يا معلمتي!"

هل هذا حلم أم حقيقة؟ إلينورا تلك تطوق عنقها بقوة وتمسح وجهها بها. وحتى عندما مسدت على شعرها أو ربتت على ظهرها، لم تفعل الطفلة شيئاً سوى الضحك تعبيراً عن سعادتها.

‘لم يذهب انتظاري طوال الـ 500 عام سُدىً……!’

شعرت آيليسيا وكأن دموعها ستنهمر بشكل مخزٍ، فكتمت شهقتها بصمت واستنشقت الهواء بهدوء.

***

اليوم هو اليوم الثالث لعيشها مع إلينورا تحت سقف واحد.

وبغض النظر عن نبضات قلبها المتسارعة من شدة الحماس، لم تملك آيليسيا إلا أن تشعر بالاستغراب والريبة.

‘هل كانت إلينورا في الرواية الأصلية تملك هذه الشخصية؟’

تماماً مثل صوص يتبع دجاجة، كانت إلينورا تتبع آيليسيا دائماً وتلتصق بخطواتها.

وليس من السهل أبدًا على طفلة تبلغ من العمر خمس سنوات فقط أن تفتح قلبها بسهولة لشخص بالغ تراه لأول مرة.

وعندما كانت تعيش بشخصية هوي-رين وتذهب للتطوع في دار الأيتام، كان الأمر كذلك دائماً. فمهما بلغت درجة لطفك في التعامل معهم، فإن غالبية الأطفال لم يكونوا يجرؤون حتى على تلاقي الأعين معك.

ولم يكن بإمكانها تبادل أطراف الحديث معهم إلا بعد إظهار الصبر والتعامل معهم بأسلوب ثابت ومستمر، أما اللمسات الجسدية البسيطة مثل الإمساك بأيديهم أو عانقهم، فقد كانت تستغرق وقتاً أطول من ذلك بكثير.

ومع ذلك، لم تظهر إلينورا أي نوع من الحذر أو الدفاع بشكل غريب ومثير للدهشة.

‘…… ربما تكون تعاني من نقص في العاطفة والحنان. فعمها وجدتها مشغولان للغاية دائماً.’

في الحقيقة، لم يكن هذا الأمر يهمها في شيء على الإطلاق. فمجرد النظر إليها كان يبعث على الارتياح، وسماع صوتها فقط كان كفيلاً بإدخالها في حالة من النشوة والبهجة.

"المعلمة آيليسيا!"

"ليس عليكِ مناداة اسمي بالضرورة."

"إذن، معلمتي فحسب!"

مع كل كلمة تسمعها منها، تجد صعوبة في السيطرة على دقات قلبها المتسارعة. كان منظر الطفلة وهي ترمش بعينيها ممسكة بيدها بإحكام كأنها لن تفلتها أبداً، غاية في الجمال والروعة.

ولأنها بدأت تتدلل عليها كأنهما عائلة حقيقية، لم تفارق الابتسامة وجه آيليسيا التي كانت في الأصل من أشد المعجبين بإلينورا.

ما الذي كانت تفعله الساحرة في الرواية الأصلية بحق الجحيم؟ حبس وتعذيب؟ أين يمكن لأحد أن يجد في جسد هذه الطفلة اللطيفة والآسرة مكاناً ليؤذيها وينزل به العذاب؟!

‘على أي حال، لم تكن تلك مجرد شريرة ثانوية تُستغل لمرة واحدة وتختفي؟ لا بد أنها كانت مجنونة تمامًا.’

…… آه، صحيح، تلك الساحرة هي أنا الآن. فالتوت ملامحها إحراجًا، وأخذت تلف خصلات شعرها حول إصبعها بتوتر.

"ولكن، يا إلينورا."

"إيلي!"

"…… نعم؟"

"إيلي تحب اسم إيلي!"

يا إلهي، هذا الكائن الصغير اللطيف يتحدث بنبرة واضحة ورنانة تسلب القلب!

"حـ... حسناً إذن، يا إيلي."

"نعم، يا معلمتي!"

شعرت آيليسيا بدوار مفاجئ من فرط لطافتها، فأخذت نفسًا عميقًا ثم سألتها أخيرًا:

"ألا تريدين العودة إلى المنزل؟"

"المنزل؟"

حتى دون أن تنتظر قدوم الدوق للبحث عنها، كانت آيليسيا مستعدة تمامًا لإعادة إلينورا إلى بيتها؛ فقد أصبحت خبيرة بجغرافيا هذا العالم، وتعرف بدقة إلى أين يجب أن تتجه.

"أريد العودة، لكني أريد البقاء هنا أيضًا."

"همم؟ وهل انتِ متاكدة؟"

"أحب البقاء مع معلمتي. وعلى أي حال، عمي سيأتي بالتأكيد."

أخرجت إلينورا قلادة كانت تطوق عنقها وأرتها إياها، ثم أردفت موضحة أنه بمجرد امتلاكها لهذه القلادة، سيعثر عليها عمها تلقائيًا.

‘إنها ذات القلادة التي رمتها الساحرة في البحيرة في الرواية الأصلية.’

لو كانت أداة سحرية فريدة، لكانت عرفتها على الفور.

تفحصت آيليسيا القلادة بدقة وبتعبير تعلوه الحيرة، ثم تيبست في مكانها.

‘…… إنها شبه محطمة.’

لا عجب أن تيرميون عانى كل ذلك الشقاء في الرواية الأصلية. نقرت بلسانها بأسف خفيف، ثم أخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

"قد تضيع منكِ، ما رأيكِ لو نضعها هنا؟"

"موافقة!"

سيكون من السيء أن تتدخل بنفسها وتتغير مجريات الأحداث باتجاه مغاير للرواية الأصلية.

‘لكن في الواقع، لتغيير النهاية المأساوية بشكل صحيح، لا بد لي من مقابلة تيرميون.’

وضعت الصندوق الخشبي الذي يحوي القلادة بهدوء على الرف.

"إذن، حتى ذلك الحين، يمكنكِ تناول أطعمة لذيذة مع معلمتكِ، والذهاب للعب مع الأصدقاء."

"الأصدقاء؟ هل تقصدين ذلك الذئب والدب الصغيرين من المرة الماضية؟"

"ستتمكنين من رؤية أصدقاء آخرين قريبًا. إنهم مشغولون جدًا هذه الأيام لذا لا يأتون كثيرًا."

أمالت إلينورا رأسها بسذاجة، وسألت بنبرة يملؤها العجب:

"هل تتحدثين مع الحيوانات يا معلمتي؟ وهل تعرفين أين هم وماذا يفعلون؟"

"بالتأكيد، أعرف كل شيء عنهم."

"كيف ذلك؟"

"اممم، في الحقيقة..."

كيف يمكنها شرح ذلك؟ فمهما حاولت صياغة الأمر، سيكون من الصعب على إلينورا في عمرها الحالي أن تستوعبه.

فكرت آيليسيا للحظة، ثم قدمت إجابة تناسب مستوى تفكير طفلة في الخامسة من عمرها:

"لأن معلمتكِ ساحرة طيبة وقوية جدًا."

"ساحرة طيبة وقوية…… جدًا؟"

أمالت إلينورا رأسها للحظة، ثم هتفت فجأة بذهول:

"معلمتي، هل أنتِ ساحرة؟ لستِ جنيّة؟"

"الـ... الأمر كذلك حاليًا؟"

بعد أن استخدمت تعبير "قوية جدًا"، شعرت بندم طفيف، لكن يبدو أن هذا لم يكن أمرًا ذو أهمية كبيرة للطفلة.

‘إن فهم عقلية البطلة أمر معقد حقًا.’

هل استخفت بعالم طفلة ذات خمس سنوات؟ تنهدت آيليسيا ببطء وهي تؤنب نفسها داخليًا.

***

لكي يذهبا للعب، كان عليهما إنهاء الأعمال المنزلية أولاً. ولأنها أهملت المنزل في الأيام القليلة الماضية بسبب انشغالها بإلينورا، أصبحت الفوضى تلفت انتباهها بوضوح.

‘يجب أن أبدأ بالتنظيف والغسيل.’

بدأت المكنسة تكنس الفناء بمفردها ذهابًا وإيابًا، وتطايرت الملابس المتراكمة في الحوض واحدة تلو الأخرى لتستقر على حبل الغسيل. وفي غضون ذلك، لوحت آيليسيا بيدها لتقتلع الأعشاب الضارة من الفناء تمامًا.

راقبت إلينورا هذا المشهد لبرهة، ثم شدت طرف كم آيليسيا بخفة.

"معلمتي."

"نعم؟"

"يدكِ تخرج أنواراً براقة، وتتحدثين مع الحيوانات، وأنتِ جميلة جداً جداً مثل الجنيّات."

"هذا…… صحيح، أليس كذلك؟"

شعرت أن هناك ثناءً غير ضروري أُضيف في نهاية جملتها.

ابتسمت آيليسيا بارتباك وتلاقت عيناها مع عيني إلينورا.

"هل يمكن لإيلي أن تفعل ذلك أيضًا؟"

"ذلك؟"

"إيلي تريد أيضاً أن تجعل يدها تخرج أنواراً براقة."

هل هذه الطفلة مهتمة بالسحر؟ عندما رأت آيليسيا عيني إلينورا اللامعتين، غرقت في تفكير عميق لبرهة.

‘في الرواية الأصلية، كانت بالفعل واحدة من العباقرة الثلاثة الأوائل في هذا العالم.’

ربما بفضل هبة البطلة، أظهرت إلينورا موهبة فذة ليس في فنون السيف فحسب، بل في السحر على وجه الخصوص.

حتى جدة إلينورا التي تعد أقوى ساحرة في دوقية الشمال أو سيد برج السحر الذي يظهر في منتصف الرواية، ينحنون جميعاً أمام سرعة تطورها المذهلة.

"هل ترغبين في تعلم السحر؟"

"إيلي تريد أن تصبح ساحرة قوية جداً مثل معلمتي!"

"…… ليس عليكِ بالضرورة أن تصبحي ساحرة."

فالأمر ليس شيئًا تنالينه بمجرد الرغبة فيه؛ فآيليسيا نفسها كانت تشك في هويتها وحقيقتها منذ وقت طويل.

‘في المقام الأول، أنا لا أعرف حتى كيف ألقي اللعنات.’

انحنت آيليسيا وجلست على قرفصائها لتصبح في مستواها. كانت إلينورا تحب هذه الجلسة كثيراً، حيث تكاد مؤخرتها تلامس الأرض.

"تعلم أي شيء هو أمر جيد دائمًا."

مسحت آيليسيا على رأس إلينورا بلطف بعد أن أصبحت في مستوى نظرها، وسألتها:

"عندما تصبحين قوية جداً، ماذا تريدين أن تفعلي؟"

"اممم."

فركت إلينورا أصابعها، وقالت بتردد:

"عمي……."

"عمكِ؟"

"أريد مساعدة عمي."

"يا لكِ من طفلة طيبة."

وعندما ابتسمت آيليسيا برقة، تابعت إلينورا حديثها بنبرة أعلى قليلاً:

"عمي مشغول دائماً. يقول إنه يجب أن يحمي إيلي، ويحمي سكان الدوقية، ويحمي الأتباع أيضاً."

"إنه عم رائع حقاً."

"ولكن إذا كان الأمر كذلك…… فمَن يحمي عمي إذن؟"

2026/06/07 · 4 مشاهدة · 1489 كلمة
lia
نادي الروايات - 2026