بسم الله الرحمن الرحيم
افتتاحية المجلد الأول: [البعث]
بداية الارك الأول: [قرية الفرسان]
--------------------------------------
كنتُ فارسًا… أو هكذا كانوا يسمّونني.
درعي كان لامعًا بما يكفي ليعكس وجوههم، وسيفي مصقولًا بما يكفي ليخيف من لم أُؤمَر بقتله، لكن داخلي... كان صدئًا، مهجورًا، كزنزانة نُسيت مفاتيحها.
كنت أحرس قصرًا لا أعرف إن كان قصرًا أم قفصًا كبيرًا مذهبًا.
جدرانه عالية، نظيفة، باردة، تشبه العدالة في هذا العالم؛ مرتفعة… لكن لا أحد يصلها.
"لا تبتسم" كانت تلك أول وصية تعلّمتها.
ليس لأن الابتسامة ضعف، بل لأنها امتياز.
النبلاء يبتسمون، يضحكون، يعبسون، يغضبون، يخطئون، أما أنا… فكنتُ يجب أن أكون شيئًا ثابتًا.
تمثالًا من لحم، سيفًا له قدمان، عينين بلا روح.
حتى إن مرّ أحدهم بجانبي وسخر من اسمي، حتى إن ركل طفلهم خوذتي ضاحكًا، حتى إن بصق أحدهم قرب قدمي... كان عليّ أن أبقى ساكنًا.
ليس احترامًا لهم، بل احترامًا لـ المكانة.
كنت يتيمًا، هذه الكلمة كانت تسبق اسمي في كل سجل، كأنها لقب نبالة معكوس.
لم أعرف أمًا أشتاق إليها، ولا أبًا أكرهه أو أفتقده.
لم أعرف سوى يدٍ خشنة أمسكت بياقة ثوبي يومًا وقالت: "سيربيه القصر."
لم يُسأل رأيي، لم أُمنح خيار الرفض.
القصر تبنّاني… لكن الحقيقة؟
القصر امتلكني.
أحيانًا، وأنا واقف في نوبتي الليلية، كنت أحدّق في السماء وأتساءل:
هل الحرية شيء يولد مع الإنسان؟ أم شيء يُسمح له بامتلاكه؟
إن كانت تولد معنا، فمن سرقها مني؟
وإن كانت تُمنح… فلماذا لم أُعتَبَر إنسانًا بما يكفي؟
كنت أسمعهم يتحدثون عن العدالة.
كلمة ثقيلة، مزخرفة، تخرج من أفواه نظيفة لم تعرف الجوع.
العدالة… تُناقش في القاعات، وتُنسى في الساحات.
حين يُجلد فلاح لأنه تأخر في دفع الضريبة، تُسمّى عدالة.
وحين يُعفى نبيل لأنه "ابن فلان"، تُسمّى حكمة.
أما أنا؟
فكنت السيف الذي ينفذ، لا العقل الذي يسأل.
كنت أكره نفسي أكثر حين أفهم، لأن الجهل أحيانًا رحمة، أما الوعي… فهو عقوبة بلا زنزانة.
كنت أفكر:
هل كرامتي أقل لأنني وُلدت بلا اسم؟
هل إنسانيتي ناقصة لأنني لا أملك أرضًا؟
هل حقي في الغضب يُلغى لأن درعي يحمل شعار القصر؟
إن كنت إنسانًا، فلماذا لا يُسمح لي حتى بأن أبتسم؟
في ليالٍ كثيرة… تمنّيت لو أنني متُّ طفلًا.
ليس لأن الحياة كانت مؤلمة فقط، بل لأنها فارغة.
لو لم يتبنّني أحد، لو تُركت للجوع أو البرد، ربما كنت سأموت… لكنني كنت سأموت حرًّا.
حرًا في اختياري الأخير على الأقل.
كنت فارسًا في عالم بلا عدالة، أحرس قصرًا لا يحرس أحد كرامتي فيه، أقاتل من أجل نظام لم يسألني يومًا إن كنت أؤمن به.
واليوم… وأنا ما زلت واقفًا، مستقيم الظهر، أخفي وجهي خلف خوذتي، أدركت شيئًا واحدًا فقط.
العبد الذي يفهم عبوديته أخطر من العبد الذي لا يراها.
ومنذ تلك الليلة… لم أعد أتساءل هل أستحق الحرية؟
بل بدأت أسأل سؤالًا أخطر:
ماذا سيحدث إن قررتُ أن أستحقها؟
وقفتُ كما أقف دائمًا، الدرع يضغط على صدري، والليل يضغط على أفكاري.
وفي لحظة هدوء نادرة، تسلّل إلى ذهني تَمنٍّ خجول… تمنٍّ لم أجرؤ يومًا على الاعتراف به.
ماذا لو متُّ؟
ليس الموت نفسه ما جذبني، بل ما بعده.
تخيّلتُ أنني أُولد من جديد، ليس فارسًا، ليس حارس قصر، ليس ظلًا على بابٍ لا يُفتح لي.
فقط… إنسان في عالم عادل؟
لا، أنا لست ساذجًا إلى هذا الحد.
أعرف أن العدالة الكاملة كذبة جميلة.
لكن عالمًا أقل ظلمًا… عالمًا لا يُقاس فيه الإنسان بمكان ولادته، ولا يُسكت فيه لأن صوته "لا يليق بمقامه".
حتى هذا… كان يبدو حلمًا مبالغًا فيه.
ثم فكّرت بشيء أصغر، شيء أكثر تواضعًا، شيء يُخجلني أن أطلبه:
أن يكون هناك شخص… واحد فقط، يجلس بجانبي.
لا فارسًا آخر، ولا نبيلًا، بل إنسانًا لا يحتاج مني شيئًا.
شخص لا يطلب أن أقف مستقيمًا، ولا أن أكون صامتًا، ولا أن أبتلع كرامتي بابتسامة ممنوعة.
فقط شخص يسمعني حين أتكلم… أو يصمت معي دون سبب.
وهنا… بدأت الأسئلة، كأنها محكمة داخل رأسي.
هل يحق لي أن أتمنى؟
نعم، لأن التمنّي لا يسرق من أحد، ولا يكسر قانونًا، ولا يطلب إذنًا من الأقوى.
لكن أليس التمنّي ضعفًا؟
لا، الضعف هو أن أُقنع نفسي أنني لا أستحق شيئًا أفضل.
أليس هذا جحودًا لمن تبنّاني؟
لا، الامتنان لا يعني الصمت على الإذلال، ولا تحويل القيد إلى نعمة.
وهل كنت سأكون أفضل في عالم آخر؟
ربما لا، ربما سأظل مكسورًا، أو فاشلًا، أو عاديًا حد الألم.
لكن على الأقل… سيكون الكسر لي، لا مفروضًا عليّ باسم النظام.
سألت نفسي السؤال الأصعب:
إن مُنحت حياة جديدة، هل سأطلب القوة؟
لا، القوة دون كرامة مجرد طريقة أخرى للعبودية.
هل سأطلب العدالة؟
لا، لأن العدالة تُبنى، لا تُمنح.
فماذا أريد إذًا؟
أريد أن أُولد وأُعامل كإنسان قبل أن يُقرَّر ماذا سيكون.
أريد أن أضحك إن أردت، أن أغضب إن لزم، أن أختار طريقي… حتى لو كان خاطئًا.
عدتُ إلى واقعي، إلى السيف، إلى القصر، إلى الوقوف الأبدي.
لكن شيئًا تغيّر، لم يعد التمنّي هروبًا، أصبح وعدًا مؤجلًا.
وإن لم أُولد من جديد بعد الموت… فربما، فقط ربما، سأحاول أن أُولد قبل أن أموت.
لم أكن متعجّلًا في الموت، ذلك ما أدركته أخيرًا.
التسرّع في الموت… هو أن تموت وأنت ما زلت تُقنع نفسك أن الذلَّ ضرورة، أن الصمت حكمة، أن الانحناء نجاة.
سألت نفسي مئات الأسئلة تلك الليلة، أسئلة لا يطرحها إلا من بقي له شيء يخسره.
هل الموت خلاص؟
لا، الموت بلا كرامة مجرّد اختفاء.
هل الصبر فضيلة؟
نعم… لكن فقط حين يكون اختيارًا، لا حين يكون قيدًا يُسمّى أدبًا.
هل الثورة جنون؟
أحيانًا، لكن الجنون الوحيد هو أن تموت ببطء وتسمّي ذلك حياة.
وهل أنا جبان إن خفت؟
لا، الجبن ليس الخوف، الجبن هو أن أترك الخوف يقرر بدلًا عني.
وهل يحق لي أن أضحّي بحياتي؟
لا، لكن يحق لي أن أرفض إهدارها.
حين وصلت إلى هذه الإجابة، لم أشعر بالشجاعة، بل بشيء أبرد…
الوضوح.
إن كان لا بدَّ من موتي، فليكن موتًا لا يُستخدم ضدي.
موتًا لا يُعلَّق فوق رأسي كتحذير لغيري.
موتًا يُربكهم… لا يريحهم.
تحرّكتُ، دخلتُ القصر، رأيت الاشمئزاز في عيونهم قبل أن أسمعه في همساتهم، كأن وجودي وحده كان يلطّخ الرخام، نبيل يشدّ معطفه بعيدًا عني، آخر يشيح بوجهه كأن رائحتي فكرة محرّمة، امرأة تنظر إليّ كما يُنظر إلى حيوانٍ شذّ عن مكانه.
لم أغضب، لم أعد أملك رفاهية الغضب.
ناداني صاحب القصر "انت! جريم، كيف تجرؤ على الدخول الى هنا بلا إذن؟!" كان الغضب والدهشة واضحين في صوته.
ذلك الاسم، الاسمُ الذي أعطاني إيّاه، كما تُعطى الأدواتُ أسماءً لتُفرَّقَ بينها.
اسمُ لم أفتخر به يومًا... ولن أفعل.
تقدّمتُ، اقترب منّي، وجهه ممتلئ بالسلطة، صوته ممتلئ بالملكية.
وبّخني، عن وقوفي، عن توقيتي، عن جرأتي على التنفّس في غير موضعها.
كان يتكلّم… وأنا أسمعه من بعيد، كأن كلماته لم تعد تخصّني.
ثم… فعلتُها.
رفعتُ سيفي، ليس بقوة فارس، بل بقوة إنسان قرر أن لا يعود أقل، رأيت الذعر في عينيه للحظة، لحظة صغيرة… لكنها كانت كافية.
قطعتُ رأسه.
لم يكن المشهد بطوليًا، كان قبيحًا، دمويًا، نهائيًا.
الدم لم يكن أحمر فقط، كان ثقيلاً، كأنه يحمل كل ما كُبت.
اندفعوا بقية الفرسان نحوي.
السيوف اخترقتني، الرماح مزّقتني، الجسد خانني سريعًا.
الألم كان حادًا… لكن قصيرًا.
ما كان أقسى هو نظراتهم؛ ليس خوفًا، ولا صدمةً.
بل الاشمئزاز.
كأنهم ينظرون إلى خطأ، إلى شيء كان يجب أن يبقى مطيعًا، ومات لأنه نسي مكانه.
تلك النظرة… كانت أوجع من كل سيف.
سقطتُ والدم يملأ فمي، فكّرت آخر فكرة لي:
لم أستعد عدالة هذا العالم… لكنني استعدت نفسي.
وإن كان هذا هو الثمن، فأنا… دفعته راضيًا.
لم يحدث شيء بعد موتي، وهذا كان أكثر ما أرعبني.
لا ضوء، لا ظلام بالمعنى الذي عرفته، لا صخب، ولا صمت حتى… لأن الصمت نفسه يحتاج أذنًا تسمعه، وأنا لم أعد أملك أذنًا.
مرّ الوقت، أو ربما لم يمر، في مكان لا يتغيّر فيه شيء، يفقد الزمن معناه كما تفقد الكرامة في القصور.
كنتُ موجودًا… لكن بلا جسد.
بلا وزن، بلا أي اتجاه.
لم أكن عالقًا، العالق يشعر بالمكان، وأنا لم أشعر بشيء.
حاولت أن أتنفّس… فضحكت من نفسي.
التنفّس فعل الأحياء، وأنا كنت فكرة بلا صدر، حاولت أن أتكلم، لكن الكلمات تحتاج فمًا، والفم يحتاج رغبة، والرغبة تحتاج حياة.
إذًا… ما الذي بقي؟
الفكر.
سألت نفسي:
هل هذا هو الموت؟
إن كان كذلك، فهو ليس نهاية، بل تجريد.
الموت لا يقتلنا… بل يزيل ما كنّا نعتقد أنه نحن.
أكنتُ جسدًا؟
لا، الجسد خذلني بسرعة.
أكنتُ اسمًا؟
لا، الاسم مات قبلي.
أكنتُ دورًا؟
لا، الدور سقط حين رفضته.
إذًا ما الذي بقي هنا يفكّر؟
ربما… الحياة لم تكن الجسد، بل القدرة على أن تقول لا.
والموت؟
هو أن ترى نتيجة تلك الـ"لا" دون أن تستطيع التراجع.
فكّرت في العدالة.
في الحياة، العدالة وعد لا يُوفى به.
في الموت، لا يوجد وعد أصلًا.
ربما العدالة ليست نظامًا، بل لحظة، لحظة تختار فيها أن لا تكون أقل، حتى لو خسرت كل شيء.
إن كان هذا صحيحًا، فأنا كنت عادلًا لثانية واحدة على الأقل.
سألت نفسي:
هل ندمت؟
لا، الندم يحتاج خيارًا بديلًا، وأنا لم أعد أرى أي طريق لم يؤدِّ إلى نفس الهاوية.
هل كنتُ شجاعًا؟
لا، الشجاعة وصف يطلقه الأحياء، ما فعلته كان ضرورة، والضرورة لا تحتاج اسمًا جميلًا.
ثم جاء السؤال الأثقل:
هل كنتُ حيًا حقًا قبل موتي؟
لو كانت الحياة هي أن تأكل وتطيع وتنتظر، فربما كنت حيًا.
لكن لو كانت الحياة هي أن تكون…
فأنا بدأت حياتي عندما قررت أن أموت.
الظلام لم يكن قاسيًا، كان محايدًا، لا يحاكم، لا يواسي، لا يكذب، وفي حياده، كان أكثر صدقًا من أي نبيل قابلته في حياتي.
ربما الحياة والموت ليسَا نقيضين.
ربما الحياة سؤال، والموت… هو الجواب الذي لا نستطيع تغييره.
وإن كان الأمر كذلك، فأنا راضٍ بإجابتي.
بقيت أفكّر، بلا جسد، بلا اسم، بلا صوت.
لكن للمرة الأولى…
بلا قيود.