الفصل الخامس والستون – خطط داخل خطط
كان هناك خطر حقيقي ولا يمكن الاستهانة به في عدم قتل ماكسيم. لكن إيزولد كانت مدركة تماماً في الوقت نفسه أن قتله سينزل بهم الهلاك على المدى الطويل.
فلم يكن قسطنطين جديداً على العالم السفلي؛ و كان سيجد الوضع مريباً للغاية إذا قتلت ماكسيم، بغض النظر عن مدى تبرير السبب.
و عندما ينمو ارتيابه بشأن شيء واحد، فإن هذا الارتياب يملك طريقة للانتشار و يمكن أن يصل إلى الخطة برمتها المحيطة بحورس و أنيستازيا.
و كان هذا شيئاً لا يمكن لإيزولد السماح به.
لقد كانت بحاجة إلى تصديق كل شيء؛ ليس بشكل كامل، و لكن بدرجة كافية تجعل أي شكوك تطفو على السطح تذهب سدى.
كان هذا هو المنطق الكامن وراء الإبقاء على حياة ماكسيم و ضمه تحت إمرتها.
’هذا شيء لن يتوقعه قسطنطين أبداً.‘ فكرت بارتياح مظلم و صامت. ’السبب بسيط: إنه يعرفني.‘
نعم، كان قائدها يعرف هويتها؛ كان يعرف ما هي: امرأة متحفظة تعمل في ظل شقيقتها، و تتولى مهام الاغتيال لصالح طائفة.
امرأة قررت منذ فترة طويلة أنها لا تستحق الرفقة، ورفضتها بدافع السخرية بدلاً من الاختيار.
لقد كان ذلك صحيحاً، لكنه لم يعد كذلك الآن.
فثلاثة أيام مع كاسيوس قلبت حياتها و تصورها لها رأساً على عقب.
و لن يخمن قسطنطين أبداً أن ماكسيم قد أقسم بالولاء لها مباشرة، مما يجعله تابعاً خاصاً بها.
’وهذا أفضل بهذه الطريقة؛ يجب ألا يعلم. سأعيد توجيه انتباهه إلى حورس. سوف يعجبه العجوز.‘
لقد كان قسطنطين دائماً منجذباً إلى الأشخاص البائسين.
و مع تأكيد الخطة مرة أخرى داخل رأسها، التقطت إيزولد هاتف الأنياب وأرسلت التقرير الذي أعدته عن الوضع برمته.
و قبل القيام بذلك، تأكدت من تقييد حورس بالسلاسل، وطلبت من ايساتو أن تلحق به بعض الجروح و علامات الحروق المقنعة.
و بعد ثلاث دقائق من إرسال التقرير، كان قسطنطين يتصل بالفعل.
التقطت إيزولد نفساً بطيئاً، و كان توترها هادئاً و مكبوتاً؛ فكل شيء يعتمد على هذا. و أجابت.
"هل أنتِ متأكدة من هذا التقرير يا أوليمبيا؟" قال مباشرة، و كانت نبرته جافة، مما يوضح أنه ليس لديه وقت للمجاملات.
"أنا متأكدة يا لورد قسطنطين." قالت إيزولد وهي تقف على قدميها، و تذرع الغرفة الواسعة جيئة و ذهاباً، و كانت خطواتها هادئة على الحجر. "هذا ما قاله لي الجاني — حورس سكاغيزر، الجندي السابق في الثورة — بعد أن استجوبته. و يمكنك التحقق من هذا الادعاء من خلال معرفة ما إذا كانت أنيستازيا قد سحبت هذا المبلغ بالفعل من حسابها."
"لماذا لا أعتقد أن هذا مجرد محاولة منكِ لتلفيق تهمة لأختكِ؟" رد قائلاً: "لديكِ كل الأسباب للرغبة في سقوطها يا أوليمبيا."
ارتجف جسد إيزولد رعدة صغيرة، لكنها تمالكت نفسها على الفور، و كزت على فكها.
"أنت تراقب معظم أنشطتي؛ فكيف يمكنني التواصل مع جندي سابق في جيش الثورة؟ و كيف لي أن أحصل على رموز بنك أختي؟ ولماذا يرغب في عقد صفقة معي؟ أنت تعرف جيداً الآثار الجانبية لقوتي."
كان كل سؤال سليماً ومنطقياً، مما جعل قسطنطين يصمت مفكراً.
لقد كان يعرف مدى العجز التام الذي كانت تشعر به أوليمبيا دائماً في حضور أختها.
و مع معرفة التاريخ الدفين بين جيش الثورة و ملك الطاعون من عائلة هود، كان بإمكانه بالفعل البدء في تخمين ما قد يريده حورس من أنيستازيا بخلاف علاج ورمه.
"هل قتلتِ الرجل؟"
"لا." هزت رأسها، وهي تقاوم لمنع الراحة من الظهور في صوتها. "لقد تمكن من النجاة من الانفجار بفضل مظهر قوته: السماء. إنه محروق ومصاب. لقد أسرته وحقنته بالسم لكبح جوهره. واعتقدت أنه يمكن أن يكون اضافة مفيدة."
"للمرة الأولى، أتفق معكِ تماماً." دفأ صوت قسطنطين بشيء من الرضا. "ليس لديكِ أدنى فكرة عن مدى صحة كلامكِ يا أوليمبيا. رجل مثل هذا سيفعل أي شيء من أجل العلاج. و إذا قدمناه له، فسيكون ولاؤه مطلقاً. نحن بحاجة إلى رجال مثله: رجال لديهم مظالم عميقة و جذرية ضد عائلة هود. إنهم مرحب بهم دائماً."
"هل أقوم بتجنيده؟"
"و تفسدين كل شيء؟" "سأتولى أمره شخصياً. اتركيه حيث هو؛ سأرسل شخصاً لإحضاره."
"و أنيستازيا؟"
"هل تعرف الموقع؟"
صمت قصير.
"أنا... لا أظن ذلك." قالت إيزولد، وصوتها مشدود بانزعاج واضح.
ابتسم قسطنطين بشكل مسموع: "إذن هذا أكثر من كافٍ يا أوليمبيا. العجوز وحده من يعلم. سأتعامل معه. ستخسر أختكِ أموالها وكل ما كانت تسعى إليه. هذا عقاب كافٍ."
"لا أظن—!"
"لا يهمني ما تظنينه." قاطعها ببرود، فتوقفت إيزولد في منتصف خطواتها. "السبب الرئيسي لوجودكِ في هذه الطائفة يتعلق بأختكِ. هل تظنين أنني سأقضي عليها... من أجلكِ؟ لا تكوني حمقاء. إذا كنتِ ترغبين في قتل أختكِ، فافعلي ذلك بنفسكِ."
ضحك ضحكة حادة وخالية من الفكاهة: "ولكن هل أنتِ قادرة على ذلك؟"
و دون أن يمنحها فرصة للرد، تابع قائلاً: "ماذا عن عميل الناب الثالث؟"
خرج صوت إيزولد أبرد من الجليد: "لقد بترت ذراعه اليسرى بسبب إخفاقاته. إنه لا يزال على قيد الحياة."
"اقتلي هذا الشيء عديم الفائدة."
"أعتقد أنه لا يزال بإمكانه تقديم الفائدة. ليس لدينا العديد من العملاء في هذه المملكة."
"افعلي ما تشائين؛ فالفاشل ينتمي إلى الفاشلين." قال: "هل هذا كل شيء؟"
"نعـ—!"
طوط.
أنهى المكالمة قبل أن تكمل الكلمة.
وقفت إيزولد هناك، ممسكة بالهاتف بإحكام بكلتا يديها، وغضبها يتدفق بارداً و بطيئاً داخل صدرها مثل غلاية تغلي تحت غطاء محكم الإغلاق.
التقطت نفساً بطيئاً، فخرج بخار أبيض من فمها. و التفتت نحو حورس.
"من الأفضل لك أن تؤدي دورك." قالت بصوت صلب كالحجر. "إذا فعلت أي شيء يعرض كاسيوس أو يعرضني للخطر، فسأقتلك حتى لو كان هذا آخر شيء لعين أفعله في حياتي."
توهجت عيناها: "مفهوم؟"
أومأ حورس برأسه ببساطة؛ فقد كان أكبر سناً من أن يستفزه شخص يفرغ غضبه في أقرب هدف متاح أمامه، و عرف الأمر بوضوح على حقيقته.
شخرت إيزولد والتفتت نحو ماكسيم.
"انهض، أيها الوغد عديم الفائدة. عد إلى مقر الطائفة، وأبلغ عن إخفاقاتك، وتحمل العواقب." قالت بحدة، و هي تخرج بالفعل من المخبأ و خلفها ايساتو عن قرب. "و بمجرد انتهائك من ذلك، تعال و ابحث عني؛ لدي مهام لك."
أومأ ماكسيم برأسه على مضض و هو يشعر بالارتياح لكونه على قيد الحياة و لكنه يخشى ما ينتظره في المقر، و تبعها بقدميه المحروقتين: "مفهوم يا سيدتي."
اختفوا جميعاً، تاركين حورس وحيداً في الصمت، يلعن آلام الورم و الجروح الطرية التي تُرِكت عمداً على جسده.
’آه، حورس سكاغيزر. ها نحن ذا نعود مجدداً؛ جولة جامحة أخرى.‘
و مرة أخرى، تحت قبضة شيطان.
’أنا ألعنهم. لكني لا أستطيع إنكار الأمر بعد الآن، أليس كذلك؟‘
ابتسم.
’أنا أحب هؤلاء الشياطين.‘
فمعهم وحدهم يمكنه أن يكون على طبيعته حقاً. و اتسعت الابتسابة، ليكون وجهه المجعد مشهداً صُنع ليصيب الأطفال بالكوابيس.
أغمض عينيه و انتظر؛ انتظر فتح فصل جديد من حياته.
أو ربما...
’مجلد جديد بالكامل؟‘
و تعمقت ابتسامته الساخرة.
...
كان المكان واسعاً، ومحاطاً بضباب رمادي كثيف و لا حدود له يتدفق بلا نهاية فوق بعضه البعض، و يدور و يدور مثل عجلة نسيت كيف تتوقف.
و قد جلس رجل بداخله، على كرسي حجرى مرتفع منقوش خلفه علامة غريبة، غارقاً عمداً في الضباب، و كأن الرجل نفسه يفهم قيمة العيون الحذرة، حتى في ملكوته الخاص.
و لم يكن يظهر منه شيء سوى شكل غامض و متموج مع تحرك الضباب من حوله. و لكن كان هناك شيء واحد لا يمكن تخطئه حتى من خلال ذلك الغموض: عينه اليسرى تتوهج باللون الأصفر اللامع.
رفع يده اليسرى ببطء و أغلقها حول كتلة من الضباب، ضاغطاً إياها في قبضة يده.
تلوى الضباب.
و بعد لحظة، فتح يده: فإذا بطائر صغير رمادي اللون يجلس على راحة يده.
"أخبر عمر بن هاكو أن يذهب إلى الضواحي." قال قسطنطين: "مهمته هي استخدام قوة الوقت لديه للتحقق من صدق كلمات أوليمبيا بشأن القاعدة المدمرة، و أن يحضر لي الرجل المدعو حورس سكاغيزر."
توقف، ثم أضاف بابتسامة باهتة.
"وأخبره أن يتحقق من الأدلة الواردة في هذا التقرير المتعلق بأنيستازيا. وإذا كانت صحيحة، فاقتل شخصاً مقرباً منها كتحذير. الجميع باستثناء إمريس ستورمبليسد ؛ فمن غير الجدوى لمسه و آلهته عديدة، و ليس لدي أي اهتمام بجذب انتباههم."
"اقتل... من؟" سأل الطائر الرمادي بصوت غريب، رتيب ومشرخ.
"العب لعبة أوراق." تمتم قسطنطين و هو يستقر براحة أكبر في مقعده. "استخدم الأشخاص المقربين منها كالأوراق؛ اسحب واحدة، و اقتل أي ورقة يستقر عليها القدر."
أومأ الطائر الرمادي برأسه بصلابة و تلاشى في نفثة من الضباب.
"الآن، حورس سكاغيزر..." تنفس قسطنطين بهدوء في الصمت الرمادي المحيط به: "ماذا عساي أن أفعل بك؟"
وبدأ عقله في الدوران؛ لتزهر خطط فوق خطط فوق خطط بداخلة، وتنتشر مثل الجذور عبر الأرض المظلمة.
— نهاية الفصل 65 —