الفصل الحادي والسبعون – القَسَم

كانت أنيستازيا قد استقرت في منزلها بمدينة العواصف منذ ما يقرب من أسبوع الآن. و لقد استمتعت بوقتها هنا، بعيداً عن القصر الملكي الخانق حيث ينظر إليها كل فرد من تلك العائلة البغيضة و كأنها ليست سوى أداة للاستخدام.

لقد كانت منهكة — ليس جسدياً، بل عقلياً و عاطفياً — من الجهد المستمر للبقاء متيقظة في جميع الأوقات وخوض ألعاب العقل التي لا تنتهي.

( محدش مهتم الصراحه بقرفك . المهمة هنا هي ايزولد بس )

و لذا فقد تاقت بشدة إلى العودة للمنزل، لقضاء أيامها مع عائلتها و مع حبيبها.

كانت الأيام الماضية منعشة، و مهدئة لنفسيتها، بل و مسلية للغاية مع وجود إمريس بجانبها دائماً.

( من زي بيحس ان العلاقة دى مقرفة . مش عارف ليه بس حاسسها علاقة يعععع )

و حتى لو كان الحادث الذي وقع مع شقيقتها و ذلك الوغد الذي لا يطاق كاسيوس ديزديمونا قد عكّر مزاجها لفترة وجيزة، فقد تجاوزته بسرعة، و هي تعلم أنه في المرة القادمة التي يلتقون فيها، سيندم هذان الاثنان على كل ثانية من حياتهما.

و مع وضع ذلك في الاعتبار، تمكنت — إن لم يكن نسيان الحادث بالكامل — فعلى الأقل من التوقف عن استرجاعه في ذهنها بلا نهاية.

و هكذا استمتعت أنيستازيا أماريس بوقتها مع إمريس.

’آه! أنا أحبه كثيراً!‘

كانت هذه الفكرة تتردد في ذهنها في كل دقيقة تقضيها معه. فقد كان إمريس وسيماً للغاية ( والله كاسيوس اوسم ألف مره منه و كاريزما و بيعرف يحب و يغازل و نسبة الكاريزما بتاعته ضعف الكلب بتاعك ) ، و محباً، و طيباً، و فوق كل شيء مراعياً لها. و إلى جانب حقيقة أن موهبته كانت عند مستوى لا يمكن لأحد حتى أن يبدأ في استيعابه، كانت أنيستازيا سعيدة لكونها حبه الأول.

و في هذا الحب بالذات الذي كانت تحمله له — و هو حب غير أناني و مهتم — ساعدت إمريس على الانغماس في الرذيلة الوحيدة التي كانت تعرفها عنه: جمع المزيد من النساء. و لكن بشرط واحد فقط؛ وهو أن تراهم مفيدين و جديرين به.

و لم يكن إمريس يمانع ذلك.

تلك كانت علاقتهما؛ علاقة يعتز بها كلاهما، و يتمنيان الحفاظ عليها بأي ثمن.

و أخيراً، و بعد أيام قضياها في مدينة العواصف، حان الوقت لتسلك أنيستازيا طريق العودة إلى العاصمة.

لم تحدث أي مشكلة، و كان كل شيء جاهزاً مع عربتها الخاصة التي تنتظر خارج القصر.

آه. على الأقل، هذا ما كانت تعتقده قبل أن تتلقى زيارة غاضبة وساحقة أمام جناحها الخاص مباشرة.

"إنه خطؤكِ أنتِ!" قال الرجل الطويل ذو الشعر البرتقالي و العينين البرتقاليتين بتعبير محتقن و غاضب، و إصبعه المرتعش موجه نحو أنيستازيا. و كان خادمه يقف خلفه بوجه ملتوٍ من القلق: "إنه خطؤكِ في أن أخي قد مات!"

عقدت أنيستازيا حاجبيها على الفور. و إلى جانبها، كان إمريس — المتردد بالفعل في رؤية حبيبته تغادر — يراقب الرجل الصارخ في وجهها بتعبير بارد و ممتعض.

( انا بسأل بجد من زي بيكره الشخصيات الى عندها شعر أشقر اوى )

"ماذا تقصد؟" سألت أنيستازيا، و هي تتساءل داخلياً من الذي سمح لهذا الرجل بالدخول: "من الذي مات؟"

"أخي!" سخر جو جوريش : "أخي نيك قد قُتِل. ألا تعلمين؟ لقد قُتِل في برد الليل، بينما كان في الخارج يشتري مواد خيميائية من أجلكِ!"

اتسعت عينا أنيستازيا و إمريس، و بدت المفاجأة و الإنكار و اضحتين على وجهيهما.

"كيف يمكن هذا؟" أفلتت الكلمات من بين شفتيها، و كان صوتها يحمل الفضول والحيرة أكثر من الحزن على الأخبار: "كيف يمكن أن يكون قد قُتِل؟ و من قتله؟"

"كيف و من قتله؟" ضحك جو بسخرية، محولاً عينيه نحو إمريس: "لماذا لا تسألين حبيبكِ؟"

"ماذا؟" قال إمريس و عيناه تضيقان: "و لماذا تسألني أنا؟"

"لأن الجميع يعلم بمدى نفورك من أخي، أليس كذلك؟" قال بنبرة مسرحية غاضبة، و هو ينظر حوله إلى الخدم و الحراس المتجمعين: "كنت تكره أنه يجلب لحبيبتك المواد الخيميائية لأنك اعتقدت أنه يتجاوز حده، و لم تفوت فرصة واحدة لإظهار ذلك له. كم مرة جاءني أخي نيك و وصف لي كيف كنت تنظر إليه و كأنك تريد قتله؟ و دعنا لا ننسى المرة التي أصبته فيها لمجرد أنه اقترب كثيراً من أنيستازيا أثناء ممارسة الخيمياء!"

"هذا هراء مطلق." قال إمريس بهدوء: "أنا لا أؤذي من هم أضعف مني."

"نعم." تدخلت أنيستازيا، و عيناها تصبحان باردتين: "ولن أتسامح مع أي افتراء ضد إمريس، حبيبي. أنا آسفة بشأن موت نيك، و لكن—!"

"هل أنتِ كذلك حقاً؟" قاطعها جو، و عيناه حمراوان من الدموع، يبتسم على الرغم من الألم الذي يمزق صدره: "انظري في عينيّ يا أنيستازيا."

فحّ بها و تقدم نحوها مهدداً. و بدأ إمريس في التحرك، لكن أنيستازيا أوقفته بذراع ممدودة و نظرة حازمة.

توقف جو على بعد بضعة أمتار منها، و انفتحت شفتاه الشاحبتان المرتعشتان مجدداً.

"انظري في عينيّ. انظري بعمق في عينيّ اللعينتين. و الآن أخبريني يا أنيستازيا، ماذا ترين؟"

لم ينتظر إجابة، وكأنّه يعلم بالفعل أنها لن ترى أبداً الألم الواضح الذي يحمله.

"الألم. الفجيعة. الحزن." نفث كل كلمة بسمّ قاتل: "و كل شيء لعين مفقود من عينيكِ الآن. أنتِ لا تشعرين بشيء، أليس كذلك؟ أوه! آه! أنا أرى ذلك الآن!"

أطلق ضحكة عالية — باردة، خالية من المرح، وقاسية — و هو يهز رأسه للخلف.

"لم يكن أخي سوى فتى لتقضية الخدمات بالنسبة لكِ، أليس كذلك؟" تشقق صوته: "شخص استخدمتِهِ للحصول على ما تحتاجينه و ما تريدينه، ثم ألقيتِ به جانباً. شخص لم تفكري فيه حقاً و لو لمرة واحدة؛ شخص رأيتِهِ كغرض صُنِع لإرضائكِ، أيتها الملكة!"

"أنت تعلم أن هذا غير صحيح." ردت أنيستازيا، و هي تقاتل للحفاظ على هدوئها: "أنت تعلم أنني كنت أهتم—!"

"لم تكوني كذلك اللعنة عليكِ." سخر جو: "لقد أخبرتكِ... يمكنني رؤية ذلك الآن." و ابتسم من بين دموعه: "أتساءل حقاً كم كنت أعمى؛ كم كان أخي أعمى؛ كم نحن جميعاً عميان! هذا هو حقيقتكِ يا أنيستازيا؛ عاهرة باردة، تلاعبـ—!"

"إياك وأن تجرؤ على نطق هذه الكلمة." قاطعه إمريس، ( انا اتبيضت من الولد ده ) و انخفض صوته إلى نبرة أكثر عمقاً و رعباً ( يا مامى ) ، بينما كانت عيناه الزرقاوان تتوهجان ببرق ذهبي: "نحن لم نفعل شيئاً لأخيك، و أنت تعلم ذلك. كل ما تفعله الآن هو تفريغ غضبك على أقرب هدف لك. لكنك ترتكب خطأً فادحاً يا ابن جوريش؛ فبدلاً من محاولة اتهامنا، سيكون من الحكمة أن تبحث عن الجاني الحقيقي."

كان حضور إمريس، في تلك اللحظة، ساحقاً. و جعل استقرار عينيه الزرقاوين على جو الرجل يشعر و كأن وزن محيط بأكمله قد ضُغِط فوق ظهره، مهدداً بثني ركبتيه و إغراقه بلا رحمة في أعماق سحيقة.

و مع ذلك، و على الرغم من الألم و الضغط الساحق، ضحك جو مرة أخرى، و أخرى، و أخرى؛ و كأنه يحاول خداع عقله لتصديق أي شيء آخر غير هذا الألم الثقيل و الناهش الذي يمزق قلبه.

قد يكون شقيقه الصغير نيك ابناً غير شرعي، وُلِد لأم من عامة الناس، لكنه كان عذباً، لطيفاً، و مهتماً بهم جميعاً. لم يشتكِ قط، و بذل دائماً قصارى جهده لجعل والدته فخورة به و كسب مكانه في العائلة.

و كانت موهبته في الخيمياء عظيمة، بل أعظم من موهبة جو نفسه على الرغم من دمه الأقل مرتبة. و كان مستقبله مشرقاً؛ أوه! مشرقاً بحق!

و مع ذلك، فإن هذا الشقيق الصغير نفسه قد جاء إليه ذات يوم، و وجهه محمر خجلاً، و عيناه شاردتان، و هو يصف كيف وقع في الحب من النظرة الأولى مع امرأة تستحق العالم بأسره.

مع أنيستازيا أماريس.

كان ينبغي على جو أن يرى ذلك؛ كان ينبغي أن يرى طريق الخراب الذي بدأ شقيقه يسير فيه. فالجميع يعرف أنيستازيا و حضورها الفريد، ذلك النوع الذي يجذب الناس مثل الفراشات إلى اللهب.

كان يجب عليه أن يوقفه في البداية، قبل أن فوات الأوان.

و الآن، فات الأوان؛ و مثل الفراشات إلى اللهب، احترق شقيقه تماماً، و لم يحصد شيئاً سوى اتباع قلبه.

و هناك، في مكان ما داخله، تردد صدى كلمات "الأحمق" من "حكايات الأحمق" بوضوح حاد:

’الندم خالد.‘

آه. لقد كان الندم خالداً بالفعل. و عرف جو، في تلك اللحظة، أنه سيعيش بقية حياته مع هذا الندم الناهش، الندم الذي قد يحطمه بالكامل.

و لكن...

"أنا، جو جوريش من عائلة جوريش، أقسم قَسَماً..."

"سيدي الشاب!" صرخ خادمه من خلفه، و ارتفع صوته برعب خالص.

و ومضت نفس الصدمة عبر وجوه أنيستازيا، و إمريس، و كل من كان يراقب.

و لكن الأوان كان قد فات بالفعل.

لقد تعرّف "النظام" على النية، و هبطت قوة غريبة على جو.

كان هناك قَسَم يُصاغ الآن.

"أقسم قَسَماً يربط روحي، إن لم أجعلكما تدفعان ثمن موت أخي..." ابتسم جو ابتسامة عريضة مكسورة: "... فسوف أتخلى عن حياتي، و عن ذاتي، و عن وجودي بالكامل."

"أوه، ليتوجّه "فورن" ليرحم روحي!" انهار خادمه على ركبتيه، و وجهه مصدوم و خالٍ من الألوان.

انقبضت حدقتا أنيستازيا و إمريس، و اشتدت فكوكهما.

"هل تتحدانا؟" زأرت أنيستازيا، و هي غاضبة ليس فقط لاتهامها زوراً، بل لشعورها بالاشمئزاز و الضيق لأن شخصاً بهذا الضعف يجرؤ على الوقوف ضدها.

نظر إليها جو للحظة طويلة، و كأنه هو نفسه لا يصدق كيف فشل في رؤية هذا الجانب منها من قبل، ثم بصق باحتقار: "فقط انتظري و راقبي؛ و سوف ترين إن كنت أتحدّاكِ أم لا. أيتها العاهرة."

التوى وجه أنيستازيا من الغضب الشديد. و لكن قبل أن تتمكن من قول أي شيء...

"تهديدها يعني تهديدي أنا." قاطعها إمريس، و لا يزال صوته هادئاً: "أنا؛ إمريس ستورمبليسد، وريث عائلة ستورمبليسد من المرتبة الأولى."

و ابتسم دون أي مرح، ويده اليمنى تشتد إحكاماً حول المقبض المكسو بالقماش الأسود لسيفه: "هل تفهم ما فعلته للتو؟ ما هو الموقف الذي وضعت فيه عائلتك للتو؟"

لم تتزعزع ابتسامة جو جوريش؛ فقد كان واضحاً لكل الحاضرين أنه لم يعد لديه ما يخسره.

و استدار على عقبه قائلاً في النهاية: "سأكون في انتظاركما في الأكاديمية." و الدموع لا تزال تنساب على وجهه و هو يبتعد سائراً.

راقب أنيستازيا و إمريس ظهره؛ و كانت تعبيراتهما الخارجية مختلفة، و لكن داخلياً، كانت أفكارهما متطابقة تماماً.

فلم يكن أي منهما ليسمح لشخص أقسم قَسَماً ضدهما بالعيش لفترة طويلة تكفي لتحقيقه.

و كان الخيار الوحيد واضحاً، و مروعاً.

و مع ذلك، و في وسط الغضب والإحباط، لم يستطع الثنائي المختار من السماء إلا أن يطرحا سؤالاً واحداً محدداً:

’من الذي قتل نيك جوريش؟‘

— نهاية الفصل 71 —

2026/06/09 · 7 مشاهدة · 1616 كلمة
mo7amed sa3d
نادي الروايات - 2026