لم تكن السماء فوق هامبورغ في ذلك الصباح سوى كتلة رمادية ممتدة بلا نهاية.
تسللت خيوط ضوء شاحبة بين الغيوم الكثيفة، وانعكست فوق مياه نهر الإلبه التي بدت داكنة كأنها تحمل في أعماقها أسرارًا أقدم من المدينة نفسها.
على بعد أميال قليلة من آخر المنازل المأهولة، وسط أرض موحلة تحيط بها الأشجار العارية، وقف كوخ خشبي صغير منعزل عن العالم.
كان المكان هادئًا بشكل مزعج.
هادئًا أكثر مما ينبغي.
تجمع عدد من رجال الشرطة أمام الباب المخلوع بينما وقف بعض الجنود المحليين في الخارج يحاولون إبعاد الفضوليين الذين بدأوا يتوافدون بعد انتشار الشائعات.
لكن أغلب من اقتربوا لم يجرؤوا على الدخول.
حتى أولئك الذين اعتادوا رؤية الجثث.
داخل الكوخ كانت الرائحة خانقة.
مزيج من الدم والرطوبة والخشب المتعفن.
وقف المفتش فريدريك ليمان قرب الجثة واضعًا منديلًا على أنفه.
ورغم خبرته الطويلة، شعر بمعدته تنقبض كلما وقعت عيناه على الجسد.
كان الرجل مستلقيًا على ظهره في وسط الغرفة.
عيناه مفتوحتان إلى أقصى حد.
ملامحه متجمدة على تعبير رعب أخير.
أما صدره...
فلم يعد موجودًا تقريبًا.
انشق القفص الصدري بالكامل إلى الخارج.
لم يكن الأمر أشبه بطعنة أو ضربة فأس.
بل بدا كما لو أن قوة هائلة دفعت العظام من الداخل.
كانت الأضلاع مفتوحة كبتلات زهرة بيضاء قبيحة.
قال أحد الجنود بصوت مرتجف:
"أقسم أنني لم أر شيئًا كهذا في حياتي."
لم يرد أحد.
لأن الجميع كانوا يفكرون بالأمر نفسه.
ركع طبيب الشرطة قرب الجثة ثم هز رأسه ببطء.
"لا أجد أي آثار لسلاح."
نظر إليه المفتش ليمان بحدة.
"ماذا تقصد؟"
تنهد الطبيب.
"أقصد ما سمعته."
رفع إحدى الأضلاع المكسورة بحذر.
"لو استُخدم فأس لوجدنا آثار القطع."
ثم أشار إلى الحواف المتشققة.
"لكن هذه العظام اندفعت إلى الخارج."
ساد الصمت.
صمت ثقيل جعل صوت الريح خلف الجدران الخشبية يبدو كهمسات بعيدة.
بعد دقائق عاد الرجال إلى مركز الشرطة الرئيسي في المدينة.
كان المطر قد بدأ يهطل عندما اجتمع عدد من الضباط داخل غرفة الاجتماعات.
ألسنة اللهب الضعيفة داخل الموقد ألقت ظلالًا متراقصة على الجدران الحجرية.
قال المفتش ليمان وهو يضرب الطاولة بقبضته:
"لا شهود."
"لا آثار أقدام."
"لا سلاح."
"ولا دافع."
ألقى نظرة على الحاضرين.
"هل لدى أحدكم تفسير؟"
لم يجبه أحد.
حتى الضباط الأكثر خبرة بدوا عاجزين.
قطع الصمت ضابط شاب يجلس في الطرف الآخر من الطاولة.
"ربما يجب أن نستدعي الآنسة هوفمان."
وفور سماع الاسم تبدلت ملامح ليمان.
تجعد جبينه.
وضاقت عيناه.
"لا."
قالها فورًا.
وبنبرة حادة.
"لن أفعل."
تبادل الحاضرون النظرات.
تابع ليمان بازدراء واضح:
"تلك الفتاة المجنونة سرقت ما يكفي من الأضواء بالفعل."
"منذ وصولها إلى هامبورغ والناس يتحدثون عنها أكثر مما يتحدثون عن الشرطة نفسها."
أشار بإصبعه إلى صدره.
"نحن من نقضي الأيام والليالي في الشوارع."
"نحن من نلاحق المجرمين."
"لكن عندما تُحل قضية واحدة ينسبون الفضل لها."
ارتفعت همهمات خافتة.
وقال أحد الضباط الأكبر سنًا:
"وماذا في ذلك إن كانت تستحقه؟"
التفت ليمان نحوه.
"لأنها امرأة."
خرجت الكلمة منه كأنها حقيقة لا تقبل النقاش.
"والمدينة بدأت تظن أننا عاجزون إلى درجة أننا نحتاج امرأة لحل قضايا رجال الشرطة."
هز الضابط الآخر رأسه بضيق.
"هذا كلام فارغ."
اعتدل في جلسته.
"لو لم تكن تستحق لما طلبها القضاة أنفسهم."
ثم أضاف:
"هل نسيت قضية براين سوروسلاف؟"
ساد الصمت.
حتى ليمان لم يرد فورًا.
تابع الرجل:
"عشرون عامًا."
"عشرون عامًا كاملة والقضية دون حل."
"اختفاءات."
"شهادات متناقضة."
"وثلاثة محققين فشلوا في الوصول إلى شيء."
توقف للحظة.
ثم قال بثقة:
"صوفيا هوفمان حلتها خلال أربعة أسابيع."
ارتسم انزعاج واضح على وجه ليمان.
لكنه لم يجد ردًا.
قال الضابط:
"سواء أعجبك الأمر أم لا، فهي أفضل فرصة لدينا."
مرت ثوانٍ طويلة.
وأخيرًا زفر ليمان باستسلام.
"حسنًا."
نهض من مقعده.
"استدعوها."
---
في الجهة الشرقية من المدينة، فوق متجر قديم للساعات، كان هناك مكتب صغير يحمل لافتة خشبية باهتة.
كُتب عليها:
"صوفيا هوفمان"
صعد شاب الدرج الخشبي بخطوات سريعة.
كان في الثامنة عشرة تقريبًا.
شعره الأسود الكثيف غير مرتب قليلًا.
وعيناه الخضراوان تلمعان بفضول دائم.
وصل إلى الباب.
ثم دفعه دون استئذان.
دخل الغرفة.
وتوقف.
رمش مرة.
ثم مرتين.
وأطلق تنهيدة طويلة.
كانت صوفيا هوفمان نائمة فوق مكتبها.
بل بطريقة لا تليق إطلاقًا بمحققة مشهورة.
ولا بسيدة من ذلك العصر.
كانت إحدى قدميها فوق الكرسي.
والأخرى متدلية نحو الأرض.
شعرها البني الطويل يغطي نصف وجهها.
أما ذراعها فكانت تحت رأسها كوسادة مرتجلة.
بينما تناثرت عشرات الأوراق والكتب حولها.
اقترب الشاب بحذر.
ثم قال:
"آنسة هوفمان."
لا رد.
"صوفيا."
لا شيء.
تنهد مجددًا.
ثم طرق سطح المكتب بأصابعه.
"استيقظي."
تحركت المرأة قليلًا.
تمتمت بشيء غير مفهوم.
ثم عادت للنوم.
أغلق الشاب عينيه للحظة كأنه يجمع صبره.
قبل أن يقول:
"اسمي إلياس مولر."
"وأعتقد أن الشرطة على وشك طرق الباب خلال الدقائق القادمة."
في تلك اللحظة فقط...
بدأت إحدى عيني صوفيا تنفتح ببطء.
حدقت في الشاب الواقف أمام مكتبها لثوانٍ طويلة.
ثم أغلقتها مجددًا.
ساد الصمت.
ثلاث ثوانٍ.
أربع.
خمس.
وفجأة جلست صوفيا دفعة واحدة حتى كادت بعض الأوراق تتطاير من فوق المكتب.
حدقت فيه مجددًا.
"من أنت؟"
رمش الشاب.
"أنا..."
"لا، انتظر."
رفعت يدها.
"دعني أخمن."
مالت بجسدها إلى الأمام.
"لص؟"
"...ماذا؟"
"لا تبدو كلص."
أمالت رأسها قليلًا.
"أنت أنيق أكثر من اللازم."
توقفت للحظة.
"إذن ربما ابن تاجر."
تنهد الشاب.
"اسمي إلياس مولر."
"إلياس مولر."
كررت الاسم وكأنها تختبر وقعه.
"من..."
بدأ يقول اسم المنطقة التي جاء منها.
لكنها فقدت اهتمامها قبل أن ينهي الجملة.
واكتفت بالتلويح بيدها.
"حسنًا."
وقف إلياس مستقيمًا.
ثم انحنى باحترام.
"تشرفت بلقائك آنسة هوفمان."
لكن صوفيا لم تبد أي اهتمام بالمجاملة.
بل سألت فورًا:
"ماذا تريد؟"
رفع رأسه.
"أنا..."
"هل لديك قضية؟"
تجمد للحظة.
"لا."
"هل سُرق منزلك؟"
"لا."
"هل اختُطف أحد أفراد عائلتك؟"
"لا."
ضيقت عينيها.
ثم بدأت تتأمله من الأعلى إلى الأسفل.
بدقة مزعجة.
كأنها تفحص قطعة أثاث تنوي شراءها.
"لا تبدو مذعورًا."
قالت ذلك وكأنها تحدث نفسها.
"ولا تبدو غاضبًا."
"ولم تأتِ راكضًا."
"ونبضك طبيعي تقريبًا."
رمش إلياس.
كيف عرفت ذلك؟
تابعت صوفيا:
"إذن لا توجد جريمة."
"ولا مشكلة عائلية."
"ولا دين يطاردك."
ثم أضافت بعد لحظة تفكير قصيرة:
"آه."
"تبدو وسيمًا أيضًا."
ساد الصمت.
صمت طويل ومؤلم.
حدق إليها إلياس.
حدقت إليه صوفيا.
لم يعرف أيهما أكثر ارتباكًا.
هو؟
أم هي؟
في النهاية قالت:
"لماذا تنظر إلي هكذا؟"
فتح فمه.
ثم أغلقه.
ثم فتحه مجددًا.
وللمرة الأولى منذ دخوله المكتب لم يجد ما يقوله.
لأن الحوار خرج عن مساره تمامًا.
بل إنه لم يكن متأكدًا أصلًا إن كان للحوار مسار منذ البداية.
استجمع أفكاره أخيرًا.
ثم قال:
"في الحقيقة..."
"أنا هنا بسبب إعلان الوظيفة."
توقفت صوفيا.
رمشت مرة.
ثم مرتين.
وفجأة انفجرت ضاحكة.
ضحكة عالية لدرجة أن إلياس ظن للحظة أنها فقدت عقلها.
وضعت يدها على بطنها وهي تحاول التقاط أنفاسها.
"آه..."
"الوظيفة..."
ثم انفجرت بالضحك مجددًا.
تجمد إلياس في مكانه.
وبدأ يشعر بعدم الارتياح.
"هل هناك مشكلة؟"
لم تستطع الرد فورًا.
استغرق الأمر منها عدة ثوانٍ حتى هدأت قليلًا.
"لا."
"إطلاقًا."
"إذن لماذا تضحكين؟"
رفع حاجبًا.
"هل لأنني صغير السن؟"
توقفت عن الضحك فورًا.
"ماذا؟"
بدت مصدومة من الفكرة.
"لا."
ثم لوحت بيدها.
"أنا أصغر من نصف رجال الشرطة الذين يعملون معي."
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم ابتسمت.
"أنا أضحك لأنني نسيت الإعلان أصلًا."
"..."
"نشرته منذ شهرين."
"..."
"ولم يتقدم أحد."
"..."
"حتى إنني نسيت أنه موجود."
حدق بها إلياس.
غير مصدق.
بينما كانت هي تبدو صادقة تمامًا.
بعد لحظات استطاعت أخيرًا السيطرة على ضحكها.
جلس إلياس أمامها.
وحاول إعادة الحوار إلى شيء يشبه الجدية.
"حسنًا."
"ما نوع الاختبارات التي يجب أن أخضع لها؟"
حدقت فيه.
ثم انفجرت ضاحكة مرة أخرى.
أغمض إلياس عينيه.
هذه المرة لم يحاول حتى إخفاء انزعاجه.
وبعد جهد واضح تمكنت صوفيا من التوقف.
مسحت دمعة صغيرة من زاوية عينها.
ثم قالت:
"لا يوجد اختبار."
"ماذا؟"
"أنت مقبول."
ساد الصمت.
حدق بها إلياس.
غير متأكد إن كانت تمزح أم لا.
"مقبول؟"
"نعم."
"لكن..."
"لم أسأل عن خبرتي."
"صحيح."
"ولم تسأل عن دراستي."
"صحيح."
"ولم تختبريني."
"صحيح."
ازداد ارتباكه.
"إذن لماذا قبلتِني؟"
فتحت صوفيا فمها لتجيب.
لكن قبل أن تنطق بكلمة واحدة دوى طرق قوي على الباب.
توقف الاثنان.
التفتت صوفيا نحو المدخل.
واختفت الابتسامة من وجهها تدريجيًا.
هذه المرة كان الطرق مختلفًا.
ثقيلًا.
مستعجلًا.
ومشحونًا بالتوتر.
ثم جاء صوت رجل من الخارج:
"الآنسة هوفمان."
"لدينا قضية."
رفعت صوفيا حاجبًا.
ثم التفتت نحو إلياس.
وابتسمت ابتسامة صغيرة.
"أعتقد أنك ستبدأ العمل اليوم."