الفصل الثمانمئة وأربعة: مواجهة الذروة
____________________________________________
يمتد المحيط الشاسع في هذا العالم على مساحة تفوق اليابسة بأشواط، ولعل هذا هو السر وراء كثرة الوحوش البرية التي تعج بها أعماقه، والتي تفوق نظيراتها على البر قوةً بعشرة أضعاف.
وما إن غاص غو شانغ في جوف المحيط حتى استهل عهدًا من القتل الذي لا يعرف كابحًا. سقطت وحوش المحيط التي لا تُحصى صرعى تحت قبضته، وكانت قوته تتنامى مع كل دقيقة وثانية تمضي، في صعودٍ لا يعرف له نهاية.
وبينما كان يراكم قوته، دأب على استهلاك طاقة الأحلام لتحديد موقعي سيد الأحلام وروح الأحلام. وخلال الأشهر الثلاثة التي قضاها في المحيط، لم يبرح الاثنان مكانهما قيد أنملة، وكأنهما خُلقا ليكون مصيرهما واحدًا لا ينفصل.
في اليوم الثاني من نزوله إلى أعماق المحيط، تجلّت في ذهن غو شانغ حقيقة واضحة، أدرك فيها أن غو بي تشنغ لم يكن سوى نسخة من تلك الجثة التي عاينها عند الجرف الصخري من قبل، وإن بدت تلك الجثة أقدم عهدًا وأكثر شحوبًا.
كانت الصلة بينهما أشبه ما تكون بالصلة التي تربط النسخة بجسدها الأصلي، وهو ما يفسر امتلاك كليهما لقوة الأحلام. لقد استغرق صقل قوته في هذا العالم زمنًا أطول من أي عالم آخر، فالسقف الأعلى للقوة هنا كان عاليًا بشكل لا يصدق. أما غو بي تشنغ، بصفته سيد الأحلام، فقد كان يتربع على قمة القوة دون أن يدري.
مضت ثلاثون سنةً وغو شانغ يمارس القتل في المحيط دون هوادة، حتى اصطبغت مياه القارة بأكملها برائحة الدم الزكية، شاهدة على بطشه الذي لا يلين. لقد ارتقى به هذا القتل الذي لا ينتهي إلى ذروة قوة لم يبلغها من قبل، ورغم أنها لم تضاهِ حالته القصوى في العوالم السابقة، إلا أنها كانت كفيلة بتحريك الجبال والبحار وتدمير العالم بأسره.
قبض على راحتيه بإحكام، مستشعرًا القوة الهائلة التي تنمو في جسده. قفز من سطح البحر محلقًا في الهواء، وقد بلغ جسده ذروة الكمال، فصارت لكمة واحدة منه قادرة على تمزيق هذا العالم. إن هذا المستوى من القوة، مدعومًا بينبوع طاقة لا ينضب، كان كافيًا لمواجهة أي عدو، بمن فيهم سيد الأحلام الذي أخفى قوته، وروح الأحلام التي تسكن جسده.
على الجانب الآخر، كان غو بي تشنغ لا يزال واقفًا على أسوار مدينة باي دي الشاهقة، يشد قوسه ويوجه سهمه نحو أرنب رمادي يقف على مسافة بعيدة. لم يكن هذا الأرنب كغيره من الأرانب، فقد غطت جسده خطوط بيضاء تبعث ضوءًا شفافًا، وكانت أذناه قصيرتين، تنبت على حوافهما قطعة لحم مسننة.
كانت عيناه حمراوين، تذرفان دمًا ودموعًا باستمرار، كما كان حجمه يفوق أقرانه بكثير، إذ بلغ ارتفاعه عشرة أمتار وطوله عشرين مترًا. وما إن تأكد من وجهته حتى أفلت غو بي تشنغ وتر قوسه فجأة. لم يلتفت ليرى نتيجة رميته، فقد كانت محتومة سلفًا، بل أمسك بقوسه وسهمه ليتحولا في يده إلى سيف معقوف، ثم رفع بصره نحو السماء.
شق ضوء أسود كبد السماء الزرقاء، وظل يومض ويتراقص حتى استقر بجانبه، متجسدًا في هيئة شاب يرتدي رداءً أزرقًا، ذي وجه وسيم ومحيا أنيق.
وقف غو شانغ أمام غو بي تشنغ ورفع قبضته في صمت، ثم قال: "كيف الحال؟ أما زلت تذكرني؟"
رد غو بي تشنغ وهو يتقدم خطوة واحدة، حتى صار قبالته مباشرة، وقد لمعت في عينيه نظرة ترقب: "بالطبع لن أنساك بهذه السهولة. وكيف هي الأمور؟ هل بلغت أخيرًا أقصى حدود قوتك بعد ثلاثين عامًا؟"
قال غو شانغ: "بالتأكيد. تعالَ وقاتلني مباشرة."
وما إن انقضت كلماته حتى اندفع غو شانغ نحوه، ليبدأ الاثنان قتالًا عنيفًا عن قرب. تلاحمت قبضاتهما وأقدامهما مع السيف المعقوف في صراع محموم. كانت سرعتهما تفوق الوصف، فلا تكاد العين المجردة تلمح حركاتهما، بل ترى مجرد خيالين ضبابيين يتشابكان ويصدران أصواتًا حادة، ثم يتصادمان وينفصلان الواحد تلو الآخر.
انفجرت من حولهما قوة هائلة وموجات ارتدادية دمرت مدينة باي دي في الأسفل، فانهارت مبانٍ كثيرة وسقط عدد كبير من الضحايا. نظر أهل المدينة إلى المشهد في الأعلى بقلق بالغ، يخشون أن يلحق الأذى بغو بي تشنغ.
ألقى غو بي تشنغ نظرة على المشهد المأساوي تحت قدميه، وقال فجأة: "لنغير ساحة القتال."
ثم تحول إلى وميض من نور أبيض وانطلق نحو عنان السماء. لم يرد غو شانغ بكلمة، بل تبعه في صمت، لتبدأ جولة جديدة من المعركة. وبعد قتال دام لبعض الوقت، أطاحت لكمة من غو شانغ بغو بي تشنغ بعيدًا، فسقط جاثيًا على ركبة واحدة في الهواء، وقال بنبرة مرتبكة: "كيف لك أن تمتلك كل هذه الخبرة القتالية؟ لقد توقعت كل تحركاتي بالكامل."
قال غو شانغ: "بالطبع، فقد قضيت في القتال زمنًا أطول منك بكثير. لمَ لا تطلق العنان لقوتك الكاملة بعد؟"
أردف قائلًا: "إن لم تفعل، فسوف أمحقك عن بكرة أبيك."
خلال هذه الجولة من القتال، أدرك غو شانغ أن قوة خصمه كانت في نفس مستواه بالفعل. لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق، ربما بسبب سيد الأحلام أو روح الأحلام، هو أن قوته كانت تزداد فجأة كلما بلغ حده الأقصى، وكأنه أحد أبناء الحظ الذين ينقذهم قدرهم في اللحظات الحرجة، فينجو من الكوارث بأعجوبة.
نهض غو بي تشنغ وزفر بعمق، ثم تواصل مع روح الأحلام في عقله قائلًا: "أيها الوغد، أزل عني كل القيود فورًا. أريد أن أخوض معه نزالًا حقيقيًا."
عندما رأت روح الأحلام أنه أخيرًا قد استجمع جديته، تنفست الصعداء وتحركت دون تردد، قائلة: "عليك أن تكون حذرًا من هذا الرجل!"
أومأ غو بي تشنغ برأسه. وفي اللحظة التالية، تدفقت إلى ذهنه سيول من الذكريات، غطت تمامًا على سنوات حياته الست عشرة. امتلأ عقله بتجارب ومهارات قتالية لا حصر لها، فألقى سيفه المعقوف جانبًا.
مزق ثيابه، كاشفًا عن جسده القوي، وقال بابتسامة مجنونة: "يا مسخ الأحلام الصغير، لقد أبليت بلاءً حسنًا ببلوغك هذا الحد معي، فلتفخر بنفسك."
أكمل قائلًا: "ونظرًا لجهدك الدؤوب، سأبقي على حياتك وأمنحك فرصة للعودة من جديد."
ثم أحرق كل الطاقة في جسده واندفع نحو غو شانغ بسرعة خاطفة. قابله غو شانغ ببرود قائلًا: "لا تبالغ في تقدير قوتك."
لقد أحصى غو شانغ كل بيانات خصمه، وصارت لديه ثقة كبيرة في نتيجة المعركة القادمة. في تلك اللحظة، كان على يقين تام بأن النصر سيكون حليفه مهما كلف الأمر.