الفصل الثمانمئة وعشرة: ملاحقة عبر النجوم
____________________________________________
انتاب الشاب شعورٌ بالضيق تحت وطأة نظرات غو شانغ، غير أنه لم يبدِ أي أثرٍ للخوف على ملامحه، بل اكتفى بالتربيت على بزّته الواقية وقال بصلابة: "أتدرك من أكون؟ يبدو من هيئتك أنك قد حُقنت بأحدث العقاقير الجينية".
واصل حديثه بنبرة متهكمة: "لا تظنن أن ثمة سبلًا خفية يمكنها مجاراة مجرة تيان نيو خاصتنا، فإن أقدمت على إيذائي، ستكون مجرة الفرس الأعظم بأسرها هدفًا لنا، ولن يكون حتفك وحدك هو الثمن".
"مثير للاهتمام حقًا." همس غو شانغ وهو يتقدم خطوة، ثم أحكم قبضته على عنق الشاب، وأخذ يضغط بقوة متزايدة، مردفًا: "يبدو أنك لم تدرك مدى إصراري بعد، فأخبرني الآن، هل ستقبل باصطحابي للبحث عن ذلك الفرس؟"
أخذ وجه الشاب يحمرُّ شيئًا فشيئًا، وقد أمسى جسده بالكامل تحت رحمة غو شانغ، يكابد ألمًا لا يطاق. وتفتحت في جسده جراحٌ خفية لا تعد ولا تحصى، مطلقًة عنان آلامها المكبوتة. وبعد ثوانٍ معدودة، وبينما كانت أصوات التحذير الصادرة من نظام التشغيل تدوي في أذنيه، سارع الفتى بالإيماء بيده، طالبًا منه التوقف.
عندئذٍ فقط، أرخى غو شانغ قبضته عنه.
هتف الشاب والهلع يرتسم على محياه: "من أنت بحق السماء؟ لا أحد في مجرات الفرس الأعظم، وتيان نيو، والنجوم يمتلك مثل هذه القوة!".
قال غو شانغ ببرود، ونبرته تحمل تهديدًا مبطنًا: "لا يهم من أكون، بل ما يهم هو إن كنت ترغب في الموت أم لا". فكّر في نفسه قائلًا: 'جسد هذا الفتى غريبٌ جدًا، تمامًا كجسد ذلك الفرس. لقد أردتُ تحويله إلى تابعٍ لي بالعدوى، ولكن لسببٍ مجهول، ثمة قوة خفية في جسده تحول دون ذلك'.
"ما دمت تملك كل هذه الشجاعة، فسآخذك إذن إلى مجرة تيان نيو!" قال الشاب بمرارة، ثم ألقى عليه نظرة وأدار معصمه بحركة خفيفة، فما كان من حطام الآليين المتناثر حولهما إلا أن تجمع على الفور، ليعيد تشكيل نفسه في سفينة حربية في لمح البصر.
ورغم أنها كانت تفتقر إلى القوة الهجومية الهائلة التي تميز الآليين، إلا أنها كانت أكثر من كافية لغرض السفر والتنقل. ففي نهاية المطاف، إن أجهزة الانتقال عبر الأنفاق الدودية متينة للغاية ولا تتلف بسهولة، بيد أن جهاز الإرسال الوحيد قد استُخدم بالفعل، ولم يعد أمامهم للعودة سوى قيادة هذه السفينة الحربية.
قال الشاب: "بسرعتنا الحالية، سنتمكن من العودة إلى مجرة تيان نيو في غضون نصف شهر تقريبًا". لم يعره غو شانغ أي اهتمام، بل أخرج لفافة تبغ وأشعلها، ثم أخذ يدخن في صمت وهو ينتظر.
وخلال تلك الفترة، أتيحت له الفرصة ليتعرف على خارطة توزيع القوى الرئيسية في هذا الكون. وبمنظورٍ شامل، تنقسم المناطق المعروفة إلى ثلاثة أقاليم رئيسية، تقع كل منها تحت هيمنة منظمة مجرية ضخمة، وهي مجرات الفرس الأعظم، وبي ليو، وتيان لونغ. وتُعد مجرة تيان نيو الأقوى بينهم، والأسرع في تطورها التقني، تليها مجرة بي ليو، بينما تتذيل مجرة الفرس الأعظم القائمة.
على مر عصور لا تحصى، ومع تعاظم قوة البشر، ندر أن شنوا حروبًا واسعة النطاق ضد الأعراق الأخرى، فقد انحصرت معظم صراعاتهم في معارك داخلية بين التكتلات النجمية المختلفة. وكان الصراع الأبرز يدور بين مجرتي الفرس الأعظم وتيان نيو، فالنزاعات والاحتكاكات بين الجانبين كانت متكررة إلى أبعد حد، حتى إن الحروب، كبيرها وصغيرها، لا تكاد تنقطع بينهما في كل لحظة.
غير أن هذه الصراعات كانت تقتصر على الطبقتين الوسطى والدنيا، أما على مستوى الأسر الحاكمة، فقد ساد سلامٌ نسبي. جلس غو شانغ على متن السفينة الحربية التي يقودها الشاب، وأغمض عينيه في صمت عميق، فقد كان يعلم أنه بعد وصوله إلى مجرة تيان نيو، سيواجه أعداءً أكثر، وستعترض طريقه كل أنواع الآليين، لكن الخوف لم يجد إلى قلبه سبيلًا.
'فبناءً على ما حدث للتو،' فكر غو شانغ، 'أنا على يقين أن لياقتي البدنية الهائلة، مقرونة بمرونة قوة الأحلام، كفيلة بهزيمة آلي من هذا الطراز. صحيح أنني قد لا أتمكن من القضاء على جميع الأعداء، لكن التحرك بحرية والعثور على أهدافي لن يشكل مشكلة كبيرة. زد على ذلك، ما زلت أملك قدرة العدوى، ففي النهاية، قلةٌ قليلةٌ فقط هي التي لا يمكن تحويلها'.
وهكذا مضى نصف شهر. وفي نهايته، شقت سفينة حربية معتمة طريقها عبر الفضاء، قادمة من الأفق البعيد لتقترب من كوكب عملاق. أخرج الفتى لوحة التحكم وأجرى عليها سلسلة من العمليات السريعة، كان من الواضح أنه يرسل معلومات إلى وجهته. راقبه غو شانغ في هدوء تام دون أن يتدخل.
وما هي إلا لحظات حتى أقبلت أسرابٌ كثيفة من الآليين من كل حدب وصوب، لتطوق سفينتهم الحربية بإحكام في عرض السماء المرصعة بالنجوم. وبمجرد أن بلغ أرضه، استعاد الشاب ثقته بنفسه بالكامل، وتلاشت تلك القيود التي كبلته طوال الرحلة.
ثم قال له بلهجة ملؤها التحدي: "ألم تكن واثقًا من نفسك إلى هذا الحد؟ أرني إذن أي قوة تملكها لتجاري بها أقوياء مجرة تيان نيو!". نظر الشاب إلى غو شانغ الجالس بجانبه والإثارة تملؤه، لكن ما أثار دهشته هو أن الآخر ظل صامتًا، جالسًا على مقعده في سكون تام، فلم يجد أي إجابة لتساؤلاته.
"علامَ تتظاهر بالهدوء؟" سأل الفتى مرة أخرى. وفي اللحظة التالية، أدرك شيئًا ما، فمد يده ليلمسه على عجل. وعلى الفور، أرسل النظام الذكي تنبيهًا دقيقًا: "الهدف قد فارق الحياة!".
'كيف يعقل هذا؟' تقلبت ملامح الشاب بين الذهول وعدم التصديق، وتساءل في نفسه: 'هل هذه تقنية جديدة أخرى من مجرة الفرس الأعظم؟ هل كان هذا مجرد مستنسخ، أم أنها إحدى تقنياتهم الحديثة؟' وبعد تفكير عميق، واتته فكرة بدت مستحيلة في بادئ الأمر.
'لقد أسر أختي على مرأى من الجميع، لكنه لم يقتلها على الفور، بل استمر في تعذيبها... وبفعله هذا، أتاح لي فرصة لتفعيل الآلي وتعقبه. لقد بذل كل هذا الجهد... هل يعقل أنه كان يهدف إلى أن أقوده بنفسي إلى قلب مجرة تيان نيو، ليستخدم بعدها تقنيته تلك لتدمير المجرة بأكملها!'.
فعلى السطح، لطالما بدت العلاقات بين الأسرتين الحاكمتين في مجرتي تيان نيو والفرس الأعظم ودية، لكنه كان يدرك جيدًا حجم التناقضات الكامنة بينهما، والتي لا يبوح بها أحد. ففي الخفاء، كان كل طرف يتربص بالآخر، راغبًا في القضاء عليه نهائيًا. ولو امتلكوا هم أيضًا مثل هذه الوسائل الخفية، لما ترددوا في البحث عن فرصة سانحة لإبادة كل أفراد الأسرة الحاكمة للعدو!
"يا للهول!!" صرخ الفتى بعد أن استوعب الأمر، ثم سارع إلى تشغيل أجهزة الاتصال في الآلي وتواصل مع القوات البعيدة: "أبلغوا والدي على الفور! لدي أخبار بالغة الأهمية!! إنها مسألة تتعلق بمصير مجرة تيان نيو بأكملها. أشك بشدة في أن مجرتي تيان لونغ والفرس الأعظم قد تحالفتا، وهما تستعدان هذه المرة لتدميرنا بالكامل!!!".
وفي ذات الوقت الذي كان فيه الفتى وكبار قادة مجرة تيان نيو يخوضون نقاشات محتدمة، كان غو شانغ قد استهلك جزءًا من قوة أحلامه ليجد نفسه قد تسلل بالفعل إلى داخل الكوكب بالأسفل. راح يتأمل كل شيء من حوله في هدوء، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة ماكرة، وهمس لنفسه: 'حتى لو هربت إلى أقاصي الكون، فلن تفلت من قبضتي'.
تلاعب طيفه للحظة قبل أن يندمج مع أحد المباني الغريبة المجاورة، ثم مضى بخطى ثابتة حتى ولج غرفة صغيرة. وفي أعماق تلك الغرفة، كان ذلك الفرس الضخم جالسًا على مقعد، يحدق في هدوء إلى شاشة افتراضية أمامه، بدا وكأنه يتابع فيلمًا أو برنامجًا تلفزيونيًا.
وفي لمح البصر، تجسد غو شانغ أمامه، وقد تسمرت إحدى عينيه على ساقٍ من سيقان ذلك الفرس