الفصل 2: حديث المنام (2)

لننسى ذلك الآن. بعد أن آتوا به الى هنا ومن خلال الأصوات المنبعثة عبر أجهزة البث المثبتة في السقف، علم ببعض الأنباء التي لم تكن سارة على الإطلاق: هذا المكان اللعين هو مختبر.

وجي مينغ هوان... فأر تجارب.

أجل، فأر تجارب. لقد شددوا وذكروا مرارًا وتكرارًا على أن جي مينغ هوان يُعد حائزا على قوة خارقة من الصنف الأول، قوة على قمة التصنيفات التابعة للأمم المتحدة، قوة ذات إمكانيات مهولة لدرجة ان أحدهم تنبأ بأنه سيدمر العالم.

وكانوا يأملون أن يتعاون جي مينغ هوان مع أبحاثهم، بل وهددوا بأنه إن لم يتعاون، فإن مصيره سيكون محتومًا وواضحًا للعيان، الموت.

لكن جي مينغ هوان لم يكن لديه أدنى فكرة عما يجري. وعندما وصل إلى هنا في البداية، جادلهم بقلة حيلة: «بما أنني صاحب قوة خارقة، وحسب كلامكم، تنتمي هذه القوة إلى أكثر تصنيف خطورة، فكيف يعقل ألا أكون على علم بها بنفسي؟»

لم يكترث أحد برده.

وفضلًا عن ذلك، كلما واجه استجواباتهم، لم يكن بوسعه سوى أن يسند ذقنه، ويقلب عينيه بقلة صبر، محاولاً إخبارهم بمدى تفاهة تلك القوة المزعومة. فهو مجرد شخص عادي، مبتذل ورخيص ككلب ضال متسخ تجد منه العشرات في الشوارع. «هل أنتم متأكدون أنكم لم تلتقطوا الشخص الخطأ؟ ربما لا يوجد الكثير ممن يحملون لقب "جي" في البلد، ولكن ماذا لو كان هناك شخص آخر يحمل نفس الاسم؟»

ولسوء الحظ، لم يصدق أي من أولئك الباحثون كلماته، معتبرين إياها مجرد مراغبة ولا معنى لها، وكان موقفهم متصلبًا للغاية.

فماذا كان بوسع جي مينغ هوان أن يفعل؟

الشيء الوحيد الذي كان بإمكانه فعله هو الاستسلام للأمر، كالمومياء، يستلقي على السرير الصلب كل يوم، ممسكًا بذقنه بعد الاستيقاظ، ومحدقًا بفراغ في السقف القاسي.

هذا المكان البائس لم يكن يحتوى حتى على جهاز تلفاز. وعندما يتملك منه الضجر، لم يكن أمامه سوى رسم دوائر على الأرض بأصابعه، محاولاً إطلاق العنان لمخيلته. لكن البقاء في هذا الصندوق المعدني جعله يشعر وكأن مخيلته حبست هي الأخرى؛ بات عقله كصندوق موسيقى معطوب، يتكتك دون أن يتحرك، بينما لم يتوقف الطنين في أذنيه قط.

حتى مجرد محاولة التقاط الأنفاس هنا كانت أمرًا عسيرًا. سواء صرخ في وجه الكاميرا فوق رأسه أو تمرغ على الأرض المفرطة في نظافتها، لم يعيره احد أي اهتمام. ولكن ما إن يبدي أي سلوك ينطوي على إيذاء النفس، حتى تطلق الطوق الملتف حول عنقه شحنة كهربائية تشل حركته، ثم تحقن مهدئًا في رقبته ليعود إلى النوم سريع سريع.

وبعد أن مر بهذه التجربة مرارًا وتكرارًا، استسلم جي مينغ هوان تقريبًا وكف عن المقاومة. فالأرجح أن أي شخص يعاني من رهاب الأماكن المغلقة كان سيصاب بالجنون هنا، بل إن وضع شخص طبيعي في هذا المكان لفترة طويلة قد يجعله يصاب بالفصام.

ومنذ ذلك الحين، كانت كل زيارة يقوم بها المرشد والضابط هي الفرصة الوحيدة لـ جي مينغ هوان للتواصل مع البني آدمين أثناء وجوده في هذا الصندوق. في خضم هذا العذاب اللامتناهي، لم يكن يمانع قدومهما.

وبالحديث عن هذين الاثنين، شعر جي مينغ هوان من أعماق قلبه أنهما مثيران للاهتمام حقًا.

فالسبب في تسمية "المرشد" بهذا الاسم يعود إلى ادعائه أنه هنا ليرشد جي مينغ هوان للسيطرة على قوته. كان يبدو شخصًا لطيفًا، دمثًا ومتسامحًا، يوجهه بصبر.

أما "الضابط"، وكما يوحي اسمه، فكان يرتدي زيًا عسكريًا، صارمًا ولاذعًا، يبدو كشخص سيئ، عنيف وكئيب، وكثيرًا ما كان يتخذ إجراءات عقابية ضد جي مينغ هوان، ويوبخه بقسوة لأدنى سبب.

كان الاثنان يلعبان دور 'الشرطي الصالح والشرطي السيئ'، وتتباين شخصيتهما لتشكيل التضاد، متبعين استراتيجية 'العصا والجزرة'، وهي استراتيجية فعالة سواء أكنت تدرب كلابًا أم أطفالاً.

ولحسن الحظ، كان جي مينغ هوان مختلفًا عن الأطفال العاديين. فقد كان يعلم الحيل التي يمارسها هذان الاثنين، لذا فإن ما كان يحذر منه لم يكن الضابط العدواني والمعادي، بل المرشد الذي يبدو دافئًا ولكنه في حقيقة الأمر أشد خطورة بكثير.

كان يدرك أن هذا المرشد هو من هنا لتطويعه، بينما لم يكن الضابط سوى شخص يلعب دور الرجل السيئ. وبمجرد أن أدرك داخليًا أن الضابط ذو الزي الألماني كان صارمًا لمجرد الصرامة، فقدت قسوته بالنسبة لـ جي مينغ هوان فاعليتها المرجوة.

وعندما كان الضابط يوبخه، كان المرشد يتصنع غالبًا تعبيرًا محرجًا من خلفه. وفي بعض الأحيان، كان يهز رأسه قليلًا، ويدفع نظارته إلى الأعلى على أنفه في إشارة واضحة إلى عدم موافقته.

بالطبع، كان جي مينغ هوان يرى هذا المشهد، ففي النهاية، كان هذا هو بالضبط ما أراده الطرف الآخر أن يراه.

كان يسخر من ذلك في سره، لكنه حافظ على وجه سطحي خالٍ من التعبير.

ومن المثير للاهتمام أن المرشد لم يكن يقلل من شأن الضابط مباشرة أو يشجب أفعاله عند لقائه بـ جي مينغ هوان، ربما لأنه ظن أن ذلك سيبدو زائفًا أو متعمدًا بعض الشيء.

لدرجة أنه عند لقائه بـ جي مينغ هوان بمفرده، كان المرشد يدافع عن الضابط قائلاً: «هذه هي طباعه فحسب. لا أحد منا يحب طريقته في تسيير الأمور، و جميعنا نعلم أنه فظ وعجول، فلا تأخذ الأمر على محمل الجد. نحن في الواقع نفعل كل هذا لمصلحتك. إذا تمكنت من فهم مدى خطورة قوتك سريعًا وتعاونت مع عملنا، فستقل المشاكل بشكل كبير.»

في ذلك الوقت، كان جي مينغ هوان يكتفي بإسناد ذقنه، ويهز رأسه بشرود، دون أن يولي الأمر أهمية. لأنه كان يعي تمامًا في عقله أنه سواء أكانوا يلعبون دور الشرطي الصالح أم السيئ، فلا يوجد فرق جوهري بينهما: كلاهما مجرد أناس منحطون حبسوا طفلاً في مختبر لأكثر من نصف شهر دون التفوه بأيةِ سبب.

على أي حال، وسواء أكان الوقت نهارًا أم ليلاً في هذا اليوم، فقد حان موعد زيارة المرشد مجددًا.

سحب الرجل الطويل النحيف ذو المعطف الأبيض كرسيًا، وجلس أمام الطاولة القريبة من السرير، وعدّل نظارته، ثم رفع رأسه لينظر إلى جي مينغ هوان.

2026/08/03 · 6 مشاهدة · 892 كلمة
ORANOS
نادي الروايات - 2026