عندما كنا صغارًا، لطالما آمنا ببعض الأشياء السخيفة؛ أشياءٍ لم يُخبرنا أحد أنها صحيحة أو أنها موجودة من الأساس، وكأننا كنا أتباعًا لطائفةٍ ما.
فهناك من شاهد الأفلام بالأبيض والأسود، وظنَّ أن العالم كان بتلك الألوان وقتها.
وهناك من حاول كسر التلفاز فقط كي يُحرّر شخصياته المفضلة من سجنها.
أوه، ويوجد البعض الذي حسب أن كل العالم سواه هم أشخاص بلا عقل أو روح، فقط أجسام تسير عشوائيًا وتتكلّم كالشخصيات غير القابلة للعب.
أو أنه لو مددنا أيدينا بالقدر الكافي، حينها يمكننا الإمساك بالقمر…
قد تتسائلون وتقولون:«ماذا عنكِ؟ بماذا آمنتِ؟»
حسنًا، أعلم أن لا أحد قد سأل، لكن هيا~ أريد أن أبدأ الموضوع على أي حال…
«بالنسبة لي، لم يكن شيئًا، بل كان... شخصًا.»
في ذلك الشق الصغير بين الباب والحائط، ذلك الخط الطويل الفارغ الذي لا تكاد ترى من خلاله شيئًا، كنتُ ألمح شخصًا.
شخصًا أطول من أيٍّ مما رأيت، شخصًا أحلك من أيٍّ مما رأيت، بوجهٍ خالٍ من أي ملامح؛ فقط سواد، وسواد يعلوه من رأسه لأخمص قدميه، وكأن ظله جاء ونسي أن يجلب الجسد معه، وكل ما بإمكاني شمه منه هو... اللاشيء.
بنفس المسافة التي تفصل بيننا دائمًا، لم يحاول التقدم للأمام مرة، ولا أنا كذلك…
أو بالأحرى، لم أستطع. فكلما أشحتُ عيني عن ذلك الشق الطويل، كان يختفي وكأنه لم يكن سوى سرابًا. لقد كان... مخيفًا حقًا.
«حسنًا، بالطبع ستخاف إن كان هناك شخص طويل أسود دون ملامح يحدق بك كأنك رميت الحجارة على سيارته وهربت، خصوصًا لو كنت طفلًا غبيًا بعمر الخمس سنوات.»
لكن…
عندما كنت صغيرة، كان لدي حلم. حلمٌ كان يأتي فيه ليلعب معي دون أن ننطق بأي حرف.
فقط نواصل ونواصل اللعب دون أن نتعب، في غرفتي التي أصبحت فارغة من كل شيء؛ فقط سريري ونور طارد الحشرات الخافت هو ما يوجد.
«لكن عندما أفكر في هذا الآن، كان الأمر حقيقيًا جدًا بالنسبة لحلم.»
ومنذ أن اعتدتُ وجوده، حاولتُ فقط تحويله لنكتة.
«حتى أنني أطلقتُ عليه اسمًا؛ السيد فانتابلاك بالمناسبة.»
لكن في كل مرة أتذكره فيها، تأتيني فكرة…
«لو مدَّ يده السوداء تلك نحو السماء، فبمقدوره الإمساك بالقمر...»
حسنًا، لنترك الفلسفة لطلاب السنة الثالثة، وننتقل لشيء آخر.
«لقد قمتُ بما طلبته مني، دعني أذهب.»
«حسنًا، بالطبع~ يمكنكِ الذهاب، لكن يُستحسن أن تركضي~»
«ماذا؟ لمَ—»
أنا متأكدة من أنني كنت أكلم شخصًا أعرفه، فما هذا المسخ الذي أمامي؟…
شيء أشبه بالوحوش، ربما طوله يصل للمترين، ولا أظنني أستطيع حمله لو حاولت، بسبب كِبر حجمه.
لديه أعين بشتى الألوان في كل مكان حتى في يديه، وكل عين تبكي دمًا وتتحرك عشوائيًا.
وحتى في الفراغات الصغيرة بين كل عينٍ وأخرى، كان هناك طبقة أشبه بلحمٍ دون جلد؛ لحم تفوح منه... رائحة العفن، وكأنه جثة ماتت، وماتت عشرات، لا بل مئات المرات.
«أوه، يا إلهي...»
واصلتُ الركض، والركض، وهو واصل اللحاق بي كذلك.
دون معرفة إلى أين أتجه، كل ما يحركني هو الرغبة في عدم الموت.
لم أشعر بأي تعب، لم ألهث مرة واحدة حتى، لكن قدمي أبت زيادة سرعتها، بل وأنقصت منها كذلك.
«أوه، هيا هيا! أنا لم أتعب بعد، يمكنني المواصلة!»
«آه!»
(تبا، لقد سقطت!)
المشكلة هي أنني لم أستطع النهوض مجددًا...
ليس لأن قدمي تؤلمني، وليس بسبب أن الخوف سرق قواي مني.
إنني لا أستطيع النهوض لأنني لا أستطيع النهوض.
توقف المسخ عن الركض فجأة، ثم أصبح يمشي.
«ربما لأنه أراد أن يبدو رائعًا، أو هو فقط تعب من الجري؟»
قبل ذلك، كانت هناك سبعة عشر خطوة تفصلنا عن بعضنا.
والآن، ستة عشر.
«آه، تحركي، تحركي!»
خمسة عشر.
«أخيرًا سأحصل عليكِ~»
أربعة عشر.
«يـ-يستطيع أن يتكلم!»
ثلاثة عشر.
«لن أعاني من الجوع بعد الآن!»
اثنا عشر.
«جـ-جوع؟ عن أي جوع تتكلم!»
أحد عشر.
«فقط إن امتلكتُ ذلك الجسد، لن أضطر للبحث عن بشرٍ قذرين مرة أخرى!»
عشرة.
«أنا بشرية كذلك، لذا أنا قذرة! اتركني وشأني—»
تسعة.
(مهلًا، ما الذي يؤكد لي أنني بشرية؟ أنا، أنا لا أعرف...)
ثمانية.
قد يبدو هذا سؤالًا غبيًا، لكن في مواقف كهذه تصبح فقط كتلة حماقة تتنفس.
سبعة.
(أنا لم أرَ وجهي في المرآة حتى كي أتأكد.)
ستة.
(مهلًا، هل كنت أتنفس من قبل؟)
خمسة.
(هل أنا أكلم نفسي أم أتحدث بصوتٍ عالٍ؟)
أربعة.
(وذلك الشخص الذي كلمته قبل أن يتحول لهذا المسخ، هل كنت أعرفه حقًا؟)
ثلاثة.
(ما الذي طلبه مني لأفعله حتى، لكي أخبره أنني قمتُ به؟)
اثنان.
(مـ-ما ذلك المكان الذي كنتُ فيه، وما هذا المكان أيضًا؟...)
واحد.
(كلا، في الأساس هل أعرف من أنا حتـ—)
«؟!»
صفر.
شعرتُ بالدفء والرطوبة فجأة، وعندما فتحتُ عيني التي كانت ترمش…
دمٌ مختلط بالدموع، أجزاء جسد لا أعرف لمن تتناثر في كل مكان، وأسنان ذلك المسخ لا تزال تنهش وتنهش كل جزء من لحمي وروحي. ومع أنني حاولتُ الصراخ، لكن اللغة هربت فجأة من لساني.
(هـ-هل أكل ذلك الشيء جزءًا مني حقًا؟)
(مهلًا، لمَ لا يؤلمني هذا؟)
(إنه مخيف... توقف.)
«إنه ليس مؤلمًا، لكن توقف.»
(لمَ لا يستمع لي؟ هل لم يكن صوتي مرتفعًا كفاية؟)
(آه... بالطبع لن يفعل، ولماذا سيفعل؟)
«هل لأنني مسخ مثله، لهذا لا أشعر بالألم؟»
…
(آه، صحيح... كل هذا مجرد حلم، وأستطيع أن أستيقظ منه...)
(آه...)
(نفس الحلم مرة أخرى...)
↻ تتقلب في السرير ↺
⇜ صوت صرير ⇝
«توقفي عن التحرك أو خذي سريرك ونامي خارجًا.»
لقد كان صوت أختي الكبرى هو من تحدث.
«سرير مزعج.»
(أنا نعسةٌ جدًا، لكن لا أريد الرجوع للنوم.)
في الحقيقة، لطالما ظننتُ أنه لو عدتُ للنوم بمجرد الاستيقاظ من كابوس، فسأعود لنفس الكابوس…
لا تسألني من أخبرني بهذا، هذه استنتاجاتي الخاصة.
(سأكلم نفسي وحسب كي لا أنام…)
(ذلك الكابوس تكرر مرة أخرى اليوم. ظننتُ أنني تخلصتُ منه بما أنه لم يأتني لقرابة شهر...)
(أوه! نسيت أن أشرح لكم عن الكابوس!)
↜ لم يسألها أحد.
(على أي حال!)
منذ أن كنتُ صغيرة، ربما في سن السادسة، وبالإضافة لرؤيتي «للسيد فانتابلاك»…
كنتُ أحلم بأحلام، أو بالأحرى كوابيس لو صح
التعبير.
كابوس له نفس النمط كل مرة: شخصٌ ما يفترض أنني أعرفه، لكنني لا أستطيع تمييز وجهه.
يطلب مني شيئًا لا أعرف ما هو.
أقول له أنني أنجزتُ ما طلبه، وأسأله المغادرة.
بعدها يتحول ذاك الشخص لمسخٍ ما.
(من الجيد أن شكل الأشخاص والمسوخ يتغير، لا أستطيع تحمل رؤية نفس القرف كل مرة!)
يبدأ المسخ بملاحقتي، وأنا أبدأ بالهرب. تدريجيًا تبدأ سرعتي في التناقص، أو أفقد القدرة على الجري.
ثم أكتشف أنني لا أعرف من أنا، أو أين أنا، أو حتى كيف وصلتُ لهنا.
(حسنًا، أنتم تعرفون تلك الأنواع من الأسئلة الوجودية.)
↜ لا أحد معكِ ليعرف أنكِ تكلمين نفسك.
يبدأ ذلك المسخ بالتكلم عن مدى سعادته وحظه لأنه وجدني.
(ثم...)
يبدأ بأكلي ونهش لحمي.
الغريب أنني لا أشعر بالألم.
(حسنًا، أكون خائفة لأنه يتم أكلي أمام عيني، لكنني لا أحس بالألم.)
ليأتي بعدها صوتٌ خافت في رأسي، لستُ متأكدة من إن كنتُ أنا من نطقتُ به…
يذكرني بأنني أحلم، ثم أستيقظ…
أستيقظ في عرقي البارد، وأشعر وكأن جسمي كله يحترق.
لكن... تختلف مدة الحلم من وقتٍ لآخر.
مرة أسمع الصوت مباشرة بعد الدخول في الحلم، وأحيانًا في المنتصف، أو كما حدث اليوم، فلا يأتي الصوت إلا عندما يتم أكلي.
(أوه، وأحيانًا أبدأ بالهرب مباشرة بعد رؤية شيء لا يبدو طبيعيًا!)
تتكرر الأحلام من حينٍ لآخر؛ أحيانًا مرة شهريًا، وأحيانًا مرة أسبوعيًا، وإن كنتُ سيئة الحظ، مرتين على التوالي في نفس الليلة.
(و كقصة قصيرة محرجة، كانت هناك فترةٌ في حياتي خفتُ فيها أن أنام، لأنني لم أرد رؤية تلك الكوابيس...)
(أتذكر أنني كنتُ أدعو كل ليلة كي لا أحلم بأي شيء، وأستيقظ مباشرةً في اليوم التالي...)
(ربما لهذا لا أفضل النوم مباشرة بعد الاستيقاظ من أحد تلك الكوابيس.)
(تثاؤب آه، كلا، لا أريد العودة للنوم...)
(أوه، وجدتها! لنشرح شيئًا آخر!)
↶ لمن تشرحين بالضبط؟... ↷
(عندما كنتُ صغيرة!...)
لقد نامت... ↶
عندما كنتُ صغيرة، بالإضافة للسيد فانتابلاك، والكوابيس
غريبة الأطوار، كنتُ أرى أشخاصًا آخرين.
يشبهون السيد فانتابلاك في سواده، لكنهم مختلفون عنه في كل شيءٍ آخر.
لم أكن أراهم في كل مكان، فقط عندما أستيقظ في منتصف الليل، لأنني كنتُ أعاني من صعوبة في النوم.
كان لهم أشكال أشبه بشخصيات الكرتون؛ أحدهم لديه ظل فايكنغ، والآخر يشبه المهرج، وبالقرب منهم شيء أشبه بالقط، والكثير أيضًا.
أفكاري عنهم كانت متضاربة؛ أحيانًا أخاف وأهرع للنوم عند أمي، وأحيانًا أراهم وكأنني أشاهد كرتونًا من نوعٍ ما.
لم أحاول إخبار أي شخص عن أيٍّ مما ذكرت، فقط لأنني…
لأنها ترى أن هذا غير مهم.
*****
هنا آماي/>×<\