خطوة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة أسرع من سابقتيها.
تتابعت ضربات الأحذية الصغيرة فوق الحجارة الملساء التي رُصفت على امتداد الطريق، ثم انقطعت فجأة حين انحرف صاحب الخطوات الأولى إلى زقاق ضيق، فاصطدم كتفه بحبل غسيل منخفض، وانحنى تحته في اللحظة الأخيرة.
مرّت فوق رأسه قطعة قماش بيضاء، واهتز الحبل بعنف.
أما صاحب الخطوات الثانية فلم يكن محظوظًا بالقدر نفسه.
اصطدمت قطعة القماش بوجهه كاملًا.
توقف الفتى مكانه، وسحبها عن رأسه، ثم رفعها أمام عينيه في صمت.
على بعد عدة أمتار، كان الفتى الآخر قد توقف هو أيضًا.
استدار إليه.
ثم بدأ يضحك.
كان ضحكًا واضحًا، مرتفعًا، خاليًا من أي محاولة لإخفائه.
ساي: <لا تضحك.>
لم يتوقف الآخر.
ساي: <هايجي، أقسم إنني سأرميها عليك.>
رفع هايجي يديه مستسلمًا، إلا أن ضحكته بقيت عالقة في صوته.
كان في العاشرة من عمره تقريبًا، بشعر أبيض قصير غير منتظم تمامًا، تتحرك خصلاته بسهولة مع الهواء، وعينين بنفسجيتين واضحتين تزدادان لمعانًا كلما حاول كتم ضحكته. ارتدى قميصًا فاتحًا بأكمام طويلة رفع طرفيها إلى ما دون مرفقيه، وفوقه سترة خفيفة داكنة، وسروالًا عمليًا واسعًا قليلًا يصل إلى كاحليه.
أما ساي، فكان في العمر نفسه تقريبًا. شعره بني مائل إلى الدفء، كثيف عند مقدمته، بعثره الركض حتى انحدرت بعض خصلاته فوق عينيه الذهبيتين. كان يرتدي ثيابًا شبيهة بثياب هايجي في بساطتها، إلا أن سترته كانت مفتوحة من الأعلى، ورباطها الجانبي قد انفك أثناء المطاردة.
ظل ساي ممسكًا بقطعة القماش.
هايجي: <أعدها قبل أن تخرج صاحبتها.>
ساي: <أنت الذي جعلني أصطدم بها.>
هايجي: <كنت أمامك. كيف أصبحت أنا السبب؟>
ساي: <لأنك انحنيت.>
هايجي: <كان يفترض بك أن تنحني أيضًا.>
ساي: <كان يفترض بك أن تحذرني.>
هايجي: <لو حذرتك لما كان الأمر مضحكًا.>
نظر ساي إليه.
وساد الصمت بينهما لحظة.
ثم انعطفت زاوية فمه رغمًا عنه.
ساي: <حسنًا... كانت مضحكة قليلًا.>
ضحك هايجي من جديد.
وقبل أن يعيد ساي قطعة القماش إلى الحبل، فُتحت نافذة في الطابق العلوي من المنزل القريب.
مجهول: <من الذي أخذ غطاء الوسادة؟>
رفع ساي رأسه بسرعة.
ساي: <لم نأخذه!>
مجهول: <إنه في يدك!>
نظر ساي إلى القطعة.
ثم نظر إلى هايجي.
كان الأخير قد بدأ يبتعد ببطء.
ساي: <لا تتركني وحدي.>
هايجي: <لا علاقة لي بالأمر.>
ساي: <كنت شريكًا منذ البداية!>
هايجي: <في ماذا؟ الركض؟>
ساي: <هايجي!>
انطلق هايجي هاربًا.
ألقى ساي القطعة فوق الحبل كيفما اتفق، ثم ركض خلفه.
مجهول: <لا تركضا بين البيوت!>
لكن الفتيين كانا قد اختفيا عند نهاية الزقاق.
---
كانت ميلورا قد استيقظت بالكامل حين خرجا إلى الطريق الرئيسي.
امتدت القرية فوق مساحة واسعة بين سهول خصبة وتلال منخفضة، ولم تكن من القرى المعزولة التي لا يمر بها أحد. كانت طرقها الحجرية أوسع في وسطها، تضيق كلما اتجهت نحو الأحياء القديمة، وتنتشر على جانبيها متاجر صغيرة، وورش حدادة، وأفران خبز، ومخازن للحبوب، ومنازل تختلف في حجمها باختلاف أصحابها.
في الجهة الشرقية ارتفع برج ساعة قديم يمكن رؤيته من معظم الأزقة.
وفي الجهة الغربية امتدت أسوار منخفضة لا تمنع الخروج أو الدخول، بل تحدد أين تنتهي المباني المنتظمة وتبدأ الطرق البرية التي تشق الحقول والغابات.
كان الصباح مزدحمًا.
رجال يفتحون واجهات المتاجر.
نساء يحملن سلال الفاكهة.
عربات تدخل محملة بالأخشاب.
وفتيان أكبر سنًا يتدربون بالعصي في ساحة صغيرة قرب مبنى قديم.
مر هايجي وساي بمحاذاة الساحة.
توقف ساي.
هايجي: <ألم تكن في عجلة؟>
لم يجبه.
كان ينظر إلى فتى أكبر منهما بقليل، يحمل سيفًا خشبيًا بكلتا يديه. أمامه مدرب طويل يوجه ضرباته بعصا رفيعة.
اندفع الفتى إلى الأمام.
خفض جسده.
دار السيف الخشبي من جانبه الأيمن، ثم ارتفع قطريًا نحو كتف المدرب.
تراجع المدرب نصف خطوة فقط.
مرت الضربة أمامه.
وفي اللحظة التي فقد فيها الفتى توازنه، حرك المدرب عصاه وضرب بها الجانب الخارجي من ركبة الفتى ضربة خفيفة.
سقط الفتى على ركبة واحدة.
ساي: <لو ثبّت قدمه الخلفية لما سقط.>
نظر هايجي إلى ساقي المتدرب.
هايجي: <ولو لم يرفع كتفه قبل الضربة لما عرف المدرب اتجاهها.>
نظر ساي إليه.
ساي: <لاحظت ذلك؟>
هايجي: <أنت لاحظت القدم، وأنا لاحظت الكتف.>
ابتسم ساي.
ساي: <إذن لو قاتلناه معًا، سأهاجم ساقيه وأنت تراقب كتفيه.>
هايجي: <وسيسقطنا كلينا في أقل من دقيقة.>
ساي: <أنت دائمًا تفسد الصورة الأخيرة.>
هايجي: <أجعلها واقعية فقط.>
استدار ساي نحو الساحة مرة أخرى.
ساي: <بعد عامين، سأهزمه.>
هايجي: <قبل لحظة قلت إنه سيسقطك الآن.>
ساي: <قلت بعد عامين، لا الآن.>
هايجي: <وهل ستتدرب عامين؟>
ساي: <كل يوم.>
نظر هايجي إلى رباط سترته المفكوك.
هايجي: <ابدأ بربط ثيابك أولًا.>
خفض ساي نظره.
ساد الصمت.
ثم جلس على حافة الطريق وربطها.
ساي: <كنت أعرف أنها مفكوكة.>
هايجي: <بالتأكيد.>
ساي: <كنت أختبر متى ستلاحظها.>
هايجي: <منذ الزقاق الأول.>
رفع ساي رأسه.
ساي: <ولم تخبرني؟>
ابتسم هايجي.
هايجي: <كان يفترض بك أن تلاحظ.>
حدق ساي فيه ثانيتين.
ثم ضحك.
ساي: <هذه عقوبة قطعة القماش، أليس كذلك؟>
هايجي: <ربما.>
نهض ساي.
ساي: <سأتذكرها.>
---
لم يكن اهتمامهما بالمقاتلين أمرًا جديدًا.
ففي ميلورا، لم تكن رؤية السيوف أو الرماح أو الأقواس أمرًا غريبًا.
كان المسافرون يمرون بالقرية باستمرار، وبعضهم لا يحمل شيئًا سوى حقيبة وماء، وبعضهم يعود بملابس ممزقة، وأحذية مغطاة بالوحل، وأسلحة أثقل من أن يحملها فتى في العاشرة.
وكان هناك نوع آخر من العائدين.
أولئك الذين كانت العيون تلتفت إليهم من تلقاء نفسها.
كانت تعلق على صدورهم شارات مختلفة.
ألوان.
معادن.
نقوش.
لم يكن هايجي وساي يعرفان كل ما تعنيه، لكنهما عرفا منذ وقت مبكر أن بعض الشارات تجعل أصحاب المتاجر يخفضون أصواتهم، وتجعل الحراس يفسحون الطريق، وتجعل الأطفال يتوقفون عن اللعب ليراقبوا أصحابها.
وكان والداهما من أولئك الذين يتحدث أهل الحي عنهم كثيرًا.
لم يكن أي منهما موجودًا في ميلورا في ذلك الوقت.
والد هايجي خرج منذ عدة أشهر ضمن رحلة طويلة، ووصلت منه رسالتان فقط.
أما والد ساي...
فلم يعد منذ مدة أطول.
في البداية كانت غياباته عادية.
أسبوعان.
شهر.
ثم يعود.
وفي كل مرة كان ساي يهرع إلى طرف الطريق قبل الجميع، وكأنه يخشى أن يدخل والده القرية من دون أن يراه.
ثم أصبحت الرحلات أطول.
شهرين.
ثلاثة.
وبعدها جاءت رحلة لم يعد منها حتى الآن.
لم يخبر أحد ساي أن والده مات.
ولم يخبره أحد أنه بخير.
كانت الإجابة دائمًا واحدة:
لا نعرف بعد.
---
تابع الفتيان طريقهما حتى وصلا إلى جسر حجري صغير يعبر مجرى ماء ضحلًا.
توقف ساي في منتصفه.
نظر إلى المياه.
ثم التفت إلى هايجي.
ساي: <سباق.>
هايجي: <إلى أين؟>
أشار ساي إلى طاحونة قديمة على بعد عشرات الأمتار.
ساي: <إلى الباب.>
هايجي: <قلت إنك ستتدرب بالسيف.>
ساي: <والركض تدريب.>
هايجي: <قلت ذلك الآن فقط.>
ساي: <لأنني فكرت فيه الآن فقط.>
تقدم هايجي إلى الحافة الأولى للجسر.
هايجي: <من هنا؟>
وقف ساي إلى جواره.
ساي: <من هنا.>
هايجي: <ومن يبدأ؟>
ساي: <أنا سأعد.>
هايجي: <لن أثق بك.>
ساي: <لماذا؟>
هايجي: <في المرة السابقة قلت ثلاثة، ثم بدأت عند اثنين.>
ساي: <كنت متحمسًا.>
هايجي: <كنت تغش.>
ساي: <هناك فرق.>
هايجي: <ما هو؟>
فكر ساي.
ساي: <النية.>
ضحك هايجي.
هايجي: <سأعد أنا.>
خفضا جسديهما قليلًا.
هايجي: <واحد... اثنان...>
انطلق ساي.
رفع هايجي رأسه.
هايجي: <لم أقل ثلاثة!>
ضحك ساي وهو يركض.
ساي: <النية!>
انطلق هايجي خلفه.
كان الطريق ينحدر قليلًا بعد الجسر.
ازدادت سرعة ساي مع الانحدار، لكنه اضطر إلى رفع ذراعيه للحفاظ على توازنه.
اقترب هايجي منه تدريجيًا.
ساي: <لا تقترب!>
هايجي: <هل تطلب مني أن أبطئ؟>
ساي: <أطلب منك أن تحترم تقدمي.>
هايجي: <احترم سرعتي.>
وصل الاثنان إلى المنعطف الأخير قرب الطاحونة.
قفز ساي فوق صندوق خشبي صغير موضوع قرب الطريق.
اختار هايجي الالتفاف حوله.
تقدم ساي بخطوتين.
ثم التفت خلفه.
وهذا كان خطأه.
لم يرَ الدلو الموضوع أمام باب الطاحونة.
اصطدمت قدمه به.
تحرك الدلو.
حاول ساي القفز فوقه متأخرًا، إلا أن طرف حذائه علق بالحافة.
اندفع بجسده إلى الأمام.
مد يديه.
وقبل أن يسقط، أمسك هايجي بظهر سترته من الخلف.
اهتز الاثنان.
كاد هايجي يسقط معه.
لكن ساي تمكن من استعادة توازنه.
ظلا واقفين للحظة، يلهثان.
ثم نظر ساي إلى الدلو.
ونظر إلى هايجي.
هايجي: <كنت ستفوز.>
ساي: <فزت.>
هايجي: <لم تصل إلى الباب.>
ساي: <وصلت روحي.>
ضحك هايجي بصوت مرتفع.
ساي: <لا تضحك. لقد أنقذتني، هذا يمنعك من السخرية.>
هايجي: <لا يوجد قانون كهذا.>
ساي: <سأكتبه.>
جلس الاثنان قرب جدار الطاحونة يستعيدان أنفاسهما.
كان ساي يبتسم وهو يمرر يده على ركبته.
هايجي: <هل تؤلمك؟>
ساي: <قليلًا.>
هايجي: <دعني أراها.>
ساي: <إنها بخير.>
هايجي: <قبل قليل كنت ستكتب قانونًا جديدًا. الآن أصبحت طبيبًا أيضًا؟>
مد ساي ساقه.
تفحص هايجي الركبة.
مجرد خدش بسيط.
هايجي: <لن تموت.>
ساي: <كنت أعلم.>
هايجي: <حسنًا، سأخبر أمك أنك اصطدمت بدلو.>
سحب ساي ساقه فورًا.
ساي: <لا.>
هايجي: <لماذا؟>
ساي: <لأنها ستضحك.>
هايجي: <وأنا ماذا أفعل؟>
ساي: <أنت مختلف.>
هايجي: <كيف؟>
ساي: <أستطيع الانتقام منك.>
ابتسم هايجي.
هايجي: <حاول.>
---
عند اقتراب الظهيرة، سمعا الجرس.
لم يكن جرس الساعة.
كان صوتًا مختلفًا.
ثلاث ضربات متباعدة تأتي من الطرف الشمالي للقرية.
رفع هايجي رأسه.
هايجي: <عاد أحد.>
اختفت ابتسامة ساي.
كانت الاستجابة صغيرة.
لكن هايجي لاحظها.
توقف ساي عن تحريك قدمه.
ثم نهض.
هايجي: <ألن نذهب؟>
ساي: <إلى أين؟>
هايجي: <إلى الطريق الشمالي.>
ساي: <لماذا؟>
هايجي: <لنرى من عاد.>
التقط ساي عصاه الخشبية من الأرض.
ساي: <اذهب أنت.>
بدأ يسير في الاتجاه المعاكس.
ظل هايجي جالسًا لحظة.
ثم نهض ولحق به.
هايجي: <ساي.>
لم يلتفت.
هايجي: <ساي.>
ساي: <ماذا؟>
هايجي: <الطريق من الجهة الأخرى.>
ساي: <أعرف.>
هايجي: <إذن لماذا تذهب من هنا؟>
ساي: <أريد العودة إلى المنزل.>
هايجي: <قبل دقيقة كنت تريد التدرب.>
توقف ساي.
استدار إليه.
ساي: <غيّرت رأيي.>
كان صوته مختلفًا عن صوته أثناء السباق.
لم يكن غاضبًا بعد.
لكنه لم يكن مرحًا أيضًا.
اقترب هايجي خطوة.
هايجي: <هل بسبب المستكشفين؟>
تحرك فك ساي قليلًا.
ثم أكمل سيره.
هايجي: <كلما عاد أحد إلى القرية تفعل الشيء نفسه.>
لم يجبه.
هايجي: <لماذا تكره رؤية المستكشفين؟>
توقف ساي فجأة.
التفت بسرعة.
ساي: <أنا لا أكرههم.>
جاءت الكلمات أعلى مما توقع هايجي.
توقف هو الآخر.
ساي: <لا تقل إنني أكرههم.>
هايجي: <لم أقصد—>
ساي: <إذن لا تقلها.>
انخفض صوت الطريق من حولهما.
كانا في ممر جانبي بعيد نسبيًا عن السوق.
تحرك ساي نحو جدار حجري، ثم ضرب بطرف عصاه الأرض ضربة قصيرة.
ساي: <أنا أريد أن أصبح واحدًا منهم. كيف سأكرههم؟>
هايجي: <لهذا سألتك. كلما عادوا تهرب.>
ساي: <لا أهرب.>
نظر هايجي إلى الطريق الذي قطعه ساي في الاتجاه المعاكس.
لم يتكلم.
لاحظ ساي نظرته.
ساي: <حسنًا... أنا أبتعد.>
هايجي: <لماذا؟>
زفر ساي بقوة.
ساي: <لأنني لا أريد رؤيتهم.>
هايجي: <لماذا؟>
رفع ساي عينيه إليه، والانزعاج واضح فيهما.
ساي: <لأنني كل مرة أسمع ذلك الجرس أظن أنه عاد.>
سكت هايجي.
هب الهواء بين البيوت، وحرك أطراف شعر ساي.
ساي: <في السابق كنت أعرف تقريبًا متى يعود.>
ثبت عينيه على طرف عصاه.
ساي: <كان يغيب أسبوعين، ثم يعود. بعد ذلك صار يغيب شهرًا. ثم أكثر. كنت أكره الانتظار، لكنني كنت أعرف أنه سيعود في النهاية.>
رفع ساي رأسه نحو الطريق الشمالي، رغم أنه لا يستطيع رؤيته من مكانه.
ساي: <في آخر مرة خرج، قال إنه لن يتأخر.>
هايجي: <كم مضى؟>
لم يجب ساي مباشرة.
ساي: <وقت طويل.>
هايجي: <هل سألت أمك؟>
شد ساي قبضته حول العصا.
ساي: <بالطبع سألتها.>
هايجي: <وماذا قالت؟>
ساي: <لا تعرف.>
ثم أضاف بحدة أكبر:
ساي: <لا أحد يعرف. وهذا أكثر شيء يزعجني. كلهم يتحدثون وكأن عدم المعرفة شيء طبيعي.>
ضرب العصا بطرف حذائه.
ساي: <يقولون لي إنه مستكشف قوي. يقولون إن رحلته بعيدة. يقولون إن التأخر يحدث. ثم يعود مستكشفون آخرون. يعود رجال خرجوا بعده. يعود أشخاص لم أرهم من قبل. وكل مرة أبحث بينهم كالأحمق.>
هايجي: <أنت لست أحمق.>
ساي: <أشعر أنني كذلك.>
رفع صوته فجأة:
ساي: <وأكره أن ينظر الناس إليّ عندما لا أجده بينهم!>
توقف.
كانت عيناه غاضبتين، لكن غضبه لم يكن موجّهًا نحو هايجي وحده.
بل إلى الجرس.
إلى الطريق.
إلى الرجال العائدين.
إلى والده.
وإلى نفسه.
ساي: <لذلك لا أريد الذهاب. انتهى الأمر.>
لم يقل هايجي شيئًا.
مرّت لحظات.
خفض ساي رأسه قليلًا.
ساي: <ولا تسألني إن كنت أظن أنه مات.>
هايجي: <لم أكن سأفعل.>
رفع ساي نظره إليه.
هايجي: <لأنك لا تعرف. وأنا أيضًا لا أعرف.>
صمت ساي.
هايجي: <إذا سألتك سؤالًا لا تعرف إجابته، فلن يتغير شيء.>
ظل ساي يحدق فيه.
ثم انخفضت كتفاه قليلًا.
ساي: <أنت مزعج عندما تتكلم بهذه الطريقة.>
هايجي: <بأي طريقة؟>
ساي: <كأنك أكبر مني.>
هايجي: <نحن في العمر نفسه.>
ساي: <أعرف. وهذا ما يجعل الأمر أسوأ.>
ابتسم هايجي ابتسامة صغيرة.
وبعد ثوانٍ، ظهرت ابتسامة خافتة على وجه ساي أيضًا.
هايجي: <هل ما زلت تريد العودة إلى المنزل؟>
نظر ساي ناحية الطريق الشمالي.
ثم إلى الاتجاه الآخر.
ساي: <لا.>
هايجي: <هل تريد الذهاب لرؤيتهم؟>
تردد.
ساي: <لا.>
هايجي: <إذن؟>
فكر ساي.
ثم رفع العصا ووضعها فوق كتفه.
ساي: <أريد أن أذهب إلى التلة.>
هايجي: <حسنًا.>
بدأ هايجي يسير بجواره.
وبعد عدة خطوات، تحدث ساي من جديد.
ساي: <حين يعود أبي...>
توقف قليلًا.
هايجي لم يلتفت إليه.
ساي: <سأغضب منه.>
هايجي: <هذا حقك.>
ساي: <ثم سأجعله يخبرني بكل مكان ذهب إليه.>
هايجي: <هذا متوقع.>
ساي: <ثم سأتفوق عليه.>
التفت هايجي إليه هذه المرة.
ساي: <سأصل إلى رتبة أعلى منه. وسأعود من رحلات أطول من رحلاته. وعندما يقول لي إن الطريق خطر، سأذكره بكل مرة جعلني أنتظره فيها.>
ظهرت على وجه هايجي ابتسامة.
هايجي: <أظن أنه سيغضب منك.>
ساي: <فليغضب.>
هايجي: <وأبوك أقوى منك بكثير.>
ساي: <الآن.>
هايجي: <كلمة مهمة.>
ساي: <وأنت؟>
هايجي: <ماذا؟>
ساي: <ألن تتجاوز أباك؟>
نظر هايجي نحو الجبال البعيدة.
كان يعرف قصصًا كثيرة عن والده.
بعضها سمعها منه.
وبعضها سمعها من أشخاص آخرين.
هايجي: <سأتجاوزه.>
ابتسم ساي.
ساي: <هكذا أفضل.>
---
جلسا في ذلك المساء فوق تلة منخفضة خارج أكثر أحياء ميلورا ازدحامًا.
كانت القرية من هناك تبدو أصغر.
أسطح متجاورة.
دخان يرتفع من المداخن.
طرق تتحرك عليها عربات صغيرة.
وفي المسافة البعيدة امتدت خطوط الجبال، طبقات خلف طبقات، حتى اختلط بعضها بلون السماء.
كانت مع ساي قطعة خبز حلو أخذها من المنزل.
قسمها إلى نصفين.
نظر إلى النصفين.
ثم أعطى هايجي الأكبر.
أخذ هايجي القطعة.
هايجي: <هذه أكبر.>
ساي: <أعرف.>
هايجي: <لماذا أعطيتني إياها؟>
ساي: <لأنني أكلت واحدة قبل أن نأتي.>
هايجي: <إذن هذه الثانية؟>
ساي: <ربما.>
ضحك هايجي.
جلسا يأكلان.
مرّ بعض الوقت من دون حديث.
ثم أشار ساي إلى أبعد سلسلة جبلية يستطيعان رؤيتها.
ساي: <هل تعتقد أن أبي وصل إلى ما بعدها؟>
هايجي: <ربما.>
ساي: <أريد أن أرى المكان.>
هايجي: <وأنا.>
ساي: <وأبعد منه أيضًا.>
هايجي: <وأبعد من ذلك؟>
فكر ساي.
ساي: <نعم.>
هايجي: <إلى أين؟>
ابتسم ساي.
ساي: <لا أعرف.>
هايجي: <إجابة ممتازة.>
ساي: <هذا هو السبب. لو كنت أعرف ما هناك، لما احتجت إلى الذهاب.>
ظل هايجي ينظر إلى الجبال.
كانت الفكرة بسيطة.
أن يوجد مكان لا يعرفان عنه شيئًا.
أن يكون هناك طريق لم يمشيا فيه.
أن يكون هناك شيء لم يره أبواهما أصلًا.
كان هذا وحده كافيًا ليجعل قلبَي فتيين في العاشرة ينسجان عالمًا أكبر مما تستطيع ميلورا احتواءه.
ساي: <هايجي.>
هايجي: <ماذا؟>
مد ساي يده بينهما.
كانت راحة كفه مفتوحة.
هايجي: <ما هذا؟>
ساي: <وعد.>
نظر هايجي إلى اليد.
ساي: <سنصبح مستكشفين.>
هايجي: <هذا نعرفه.>
ساي: <لا، اسمع أولًا.>
اعتدل ساي في جلسته.
ساي: <سنخرج معًا. سنصل إلى أماكن لم يصل إليها آباؤنا. وسنصبح أفضل منهم.>
هايجي: <هذا جزء جيد.>
ساي: <لم أنتهِ.>
هايجي: <أكمل.>
نظر ساي نحو الجبال.
ساي: <وإن حصل شيء لأحدنا...>
توقفت ابتسامته قليلًا.
هايجي لم يتكلم.
ساي: <إن اضطر أحدنا إلى التوقف، يكمل الآخر.>
هايجي: <لماذا نتحدث عن التوقف ونحن لم نبدأ أصلًا؟>
ساي: <لأن الوعود توضع قبل أن تحتاج إليها.>
نظر هايجي إليه.
كانت جملة أكبر قليلًا من عمر ساي.
لكنها خرجت منه ببساطة.
مد هايجي يده.
وضعها فوق يد ساي.
هايجي: <إذن إن توقفت أنت، سأكمل.>
ساي: <وإن توقفت أنت، سأكمل.>
هايجي: <ومن يصل أولًا؟>
ابتسم ساي.
ساي: <ينتظر الآخر.>
هايجي: <وماذا لو تأخر كثيرًا؟>
ساي: <ينتظر أكثر.>
ضحك هايجي.
هايجي: <هذا وعد سيئ التنظيم.>
ساي: <المهم أنك وافقت.>
ضرب كف هايجي بكفه.
وانتهى الأمر.
لم تكن هناك أضواء في السماء.
ولا صوت غريب.
ولا شيء يخبرهما أن تلك الكلمات ستصبح يومًا أثقل من أي سلاح يحملانه.
كانا مجرد فتيين فوق تلة.
يتحدثان عن المستقبل كما لو كان مضمونًا.
---
مرت خمسة أيام.
وفي صباح اليوم السادس، كان ساي واقفًا تحت نافذة غرفة هايجي، يرمي حصيات صغيرة نحو الإطار الخشبي.
اصطدمت الأولى بالجدار.
والثانية بالنافذة.
أما الثالثة فدخلت من الفتحة المفتوحة.
هايجي: <توقف!>
ظهر وجه هايجي عند النافذة.
كان شعره الأبيض أكثر فوضى من المعتاد.
ساي: <استيقظت.>
هايجي: <بسبب حجر.>
ساي: <المهم أنك استيقظت.>
هايجي: <ماذا تريد؟>
رفع ساي كيسًا صغيرًا.
ساي: <لدي شيء.>
هايجي: <ماذا؟>
ساي: <انزل.>
هايجي: <قل لي أولًا.>
ساي: <إن قلته من هنا، ستسمع أمك.>
نظر هايجي خلفه.
ثم عاد إليه.
هايجي: <هذا يجعلني أقل رغبة في النزول.>
ابتسم ساي.
ساي: <سمعت عن مكان.>
ضاقت عينا هايجي.
ساي: <أعرف هذه النظرة.>
هايجي: <أي نظرة؟>
ساي: <النظرة التي تقول إنك ستأتي معي رغم أنك ستتظاهر بالعكس.>
هايجي: <انتظر.>
اختفى من النافذة.
ابتسم ساي بانتصار.
وبعد دقائق خرج هايجي.
كان يحمل حقيبة صغيرة وزجاجة ماء.
نظر ساي إلى الحقيبة.
ساي: <أحضرت حقيبة.>
هايجي: <لأنني لا أعرف إلى أين تأخذني.>
ساي: <إذن كنت تعرف أنك ستأتي.>
هايجي: <لم أقل إنني لن آتي.>
ساي: <قلت إنك أقل رغبة.>
هايجي: <أقل لا تعني صفرًا.>
ساي: <أنت تجعل الكلمات صعبة عمدًا.>
هايجي: <وأنت تجعل القرارات سهلة أكثر من اللازم.>
بدأا السير.
---
وصل الخبر إلى ساي من فتى أكبر سنًا يدعى ريو.
لم يكن الأمر سرًا حقيقيًا.
كان مجرد بيت قديم يقع خلف التلال الشرقية، بعيدًا عن الطرق التي يستخدمها أهل ميلورا عادة.
منزل حجري كبير يعود إلى سنوات بعيدة، هُجر بعد انهيار جزء منه.
وكانت الروايات حوله تتغير باختلاف من يتحدث.
أحدهم يقول إن صاحبه كان تاجرًا.
آخر يقول إنه مستكشف متقاعد.
وثالث يقسم أن تحت المنزل مخزنًا لم يُفتح منذ عشرات الأعوام.
ساي صدق الرواية الثالثة فورًا.
هايجي لم يصدق أيًّا منها.
لكن ذلك لم يمنعه من الذهاب.
سارا أولًا عبر الحقول.
ثم عبرا جدولًا ضحلًا فوق حجارة بارزة.
بعدها اختفت الطرق المرصوفة تمامًا.
أصبح المسار مجرد أرض مضغوطة بين أعشاب طويلة.
ساي: <هل ترى؟>
هايجي: <ماذا؟>
ساي: <لا أحد هنا.>
هايجي: <هذه ليست ميزة دائمًا.>
ساي: <بل هي ميزة الآن.>
هايجي: <إلى أي مسافة؟>
ساي: <ليست بعيدة.>
هايجي: <هذه ثالث مرة تقولها.>
ساي: <لأنها ما تزال صحيحة.>
هايجي: <متى تصبح بعيدة؟>
ساي: <حين نتعب.>
هايجي: <أنا بدأت أتعب.>
ساي: <إذن نحن قريبون.>
ضحك هايجي.
هايجي: <هذا أسوأ منطق سمعته منك هذا الأسبوع.>
ساي: <قلت هذا الأسبوع. أي أن هناك أسوأ في الأسبوع الماضي.>
هايجي: <كثير.>
ساي: <اذكر واحدًا.>
هايجي: <عندما حاولت إثبات أن القفز من سطح المخزن أسرع من استخدام السلم.>
ساي: <وكان أسرع.>
هايجي: <سقطت في كومة قش.>
ساي: <وصلت إلى الأرض قبلك.>
هايجي: <هذه ليست طريقة الفوز.>
ساي: <وصلت أولًا.>
هز هايجي رأسه وهو يضحك.
---
بعد ما يقارب الساعة، توقف ساي.
أمامهما ارتفعت أشجار كثيفة، وبين جذوعها ظهر شيء رمادي.
حائط.
تقدما.
بدأ المنزل يظهر تدريجيًا.
أولًا زاوية من السقف.
ثم نافذة بلا زجاج.
ثم واجهة كاملة نصفها مغطى بالنباتات المتسلقة.
كان المنزل أكبر مما توقعا.
يتكون من طابقين، وإن كان جزء من الطابق العلوي قد انهار. مالت إحدى الشرفات إلى الأسفل، وسقط قسم من السور الحجري المحيط بالساحة الأمامية.
توقف الفتيان عند المدخل.
اتسعت عينا ساي.
ساي: <ريو لم يقل إنه بهذا الحجم.>
هايجي: <ريو قال إنه لم يدخل أصلًا.>
ساي: <وهذا يعني أننا سنكون أول من يدخل.>
هايجي: <لا نعرف ذلك.>
ساي: <أول من نعرفه.>
هايجي: <هذه صياغة أفضل.>
اقترب ساي من الباب.
كان مفتوحًا مقدار شبر.
دفعه.
صدر صوت طويل من المفصلات.
تبادل الاثنان النظرات.
ساي: <جميل.>
هايجي: <ما الجميل؟>
ساي: <الصوت.>
هايجي: <يشبه صوت شيء يطلب منك ألا تدخل.>
ساي: <وأنا سأتجاهله.>
وضع قدمه داخل المنزل.
هايجي: <انتظر.>
توقف.
أخرج هايجي قطعة طباشير صغيرة من حقيبته.
رسم خطًا على جانب المدخل.
ساي: <ما هذا؟>
هايجي: <حتى نعرف من أين دخلنا.>
ساي: <الباب واضح.>
هايجي: <إن وجدنا ممرات في الداخل.>
ساي: <أنت مستعد أكثر مني.>
هايجي: <لأن أحدنا يجب أن يكون كذلك.>
ابتسم ساي.
ساي: <لهذا نصلح للاستكشاف معًا.>
دخلا.
---
كانت الرائحة أول ما لاحظاه.
خشب قديم.
غبار.
رطوبة.
وشيء معدني خافت لم يعرفا مصدره.
تسللت أشعة الشمس من الثقوب في السقف، فرسمت أعمدة ضوء داخل الغرفة الواسعة.
تحرك الغبار داخلها ببطء.
كانت هناك طاولة مكسورة.
خزانة مائلة.
لوحات فقدت ألوانها.
وسلم يرتفع إلى الطابق الثاني، وقد فُقد جزء من درابزينه.
تحرك ساي ببطء هذه المرة.
لم يكن يركض.
كان ينظر إلى كل شيء.
ساي: <تخيل لو كان هناك شيء لم يكتشفه أحد.>
هايجي: <كل شيء هنا مغطى بالغبار.>
ساي: <هذا جيد.>
هايجي: <لماذا؟>
ساي: <لأن أحدًا لم يلمسه منذ وقت طويل.>
أشار هايجي إلى آثار صغيرة فوق الأرض.
هايجي: <إلا هذا.>
انحنى ساي.
كانت هناك آثار حيوان صغير.
ساي: <فأر.>
هايجي: <أو شيء بحجمه.>
ساي: <فأر.>
هايجي: <كيف عرفت؟>
ساي: <لأنني أفضل أن يكون فأرًا.>
ابتسم هايجي.
فتحا غرفة جانبية.
فارغة.
ثم أخرى.
وجد فيها ساي صندوقًا صغيرًا.
جلس أمامه.
ساي: <هذا هو.>
هايجي: <ما هو؟>
ساي: <اكتشافنا العظيم.>
هايجي: <لم نفتحه بعد.>
ساي: <تفاصيل.>
رفع الغطاء.
كان الصندوق فارغًا.
حدق ساي فيه.
نظر هايجي إلى وجهه.
ساي: <لا تضحك.>
هايجي: <لم أفعل.>
ساي: <أنت على وشك ذلك.>
هايجي: <قليلًا.>
أغلق ساي الصندوق.
ساي: <سنجد شيئًا أفضل.>
هايجي: <من المؤكد. أسوأ من صندوق فارغ صعب قليلًا.>
ضحك ساي.
---
في نهاية الممر السفلي وجدا غرفة مختلفة.
كان بابها أثقل.
وبجانبه شعار معدني قديم، نصفه مكسور.
دفعاه معًا.
تحرك الباب ببطء.
في الداخل كانت هناك رفوف حجرية.
بعضها فارغ.
وبعضها يحمل قطعًا معدنية صغيرة، أجزاء أدوات قديمة، أوعية زجاجية فارغة، وسلسلة قصيرة ذات حلقات سوداء.
اقترب ساي من أحد الرفوف.
التقط قطعة دائرية من المعدن.
كانت بحجم راحة يده، وعلى سطحها خطوط متقاطعة دقيقة.
ساي: <هايجي.>
اقترب هايجي.
ساي: <انظر.>
أخذها.
كانت ثقيلة بالنسبة إلى حجمها.
هايجي: <لا أعرف ما هي.>
ساي: <وهذا يجعلها أفضل.>
هايجي: <ليس بالضرورة.>
ساي: <سنأخذها معنا.>
هايجي: <لا.>
نظر ساي إليه.
هايجي: <أولًا نعرف إن كان من الآمن تحريك الأشياء هنا.>
ساي: <إنه بيت مهجور.>
هايجي: <وهو نصف منهار.>
ساي: <حسنًا.>
أعاد القطعة إلى مكانها.
ثم نظر حوله.
ساي: <لكننا سنعود.>
هايجي: <مع شخص أكبر.>
ساي: <لم أقل ذلك.>
هايجي: <أنا قلت.>
ساي: <لو أخبرنا أحدًا سيأخذون كل شيء.>
هايجي: <ليس ملكنا.>
ساي: <نحن وجدناه.>
هايجي: <وجدناه لا تعني امتلكناه.>
ساي: <أحيانًا أشعر أنني أتحدث مع رجل في الستين.>
هايجي: <وأحيانًا أشعر أنني أتحدث مع شخص يجب ألا يدخل بيتًا مهجورًا.>
ابتسم ساي.
ساي: <لكنك دخلت معي.>
ابتسم هايجي أيضًا.
هايجي: <وهذه مشكلتي.>
ثم سمعا الصوت.
خششش...
توقف الاثنان.
نظر ساي نحو الباب.
هايجي: <هل سمعت؟>
ساي: <نعم.>
انتظرا.
صمت.
ثم جاء الصوت مرة أخرى.
هذه المرة من الأعلى.
خشش... تك...
تحرك شيء في السقف.
رفع هايجي رأسه.
ساي: <ربما حيوان.>
هايجي: <ربما.>
ساي: <أنت لا تبدو مقتنعًا.>
هايجي: <لأنني لست مقتنعًا.>
خرج الاثنان من الغرفة.
وصلا إلى الردهة.
كان السلم أمامهما.
رفع ساي قدمه نحو الدرجة الأولى.
أمسك هايجي بكمه.
هايجي: <لا.>
ساي: <ماذا؟>
هايجي: <لن نصعد.>
ساي: <لكن الصوت جاء من الأعلى.>
هايجي: <وهذا سبب إضافي لعدم الصعود.>
نظر ساي إلى الأعلى.
ثم إلى هايجي.
ساي: <دقيقتان.>
هايجي: <لا.>
ساي: <دقيقة.>
هايجي: <ساي.>
توقف.
كان في صوت هايجي شيء جاد هذه المرة.
هايجي: <يكفي اليوم. وجدنا المكان. نعرف الطريق. ويمكننا العودة.>
بقي ساي صامتًا.
ثم تنهد.
ساي: <حسنًا.>
استدارا نحو الباب الخارجي.
خطا عدة خطوات.
طَق.
توقفا.
سقطت قطعة صغيرة من السقف أمامهما.
نظر ساي إليها.
ثم رفع رأسه.
تبعها صوت أعمق.
ليس خربشة.
بل صوت حجر يتحرك فوق حجر.
هايجي: <اخرج.>
لم ينتظر هذه المرة.
أمسك ساي من ذراعه واندفعا نحو الباب.
خطوة.
خطوتان.
ثم اهتزت الأرضية.
انحرفت الطاولة المكسورة وحدها.
سقط جزء من الجدار الداخلي.
اندفع الغبار في الردهة.
ساي: <هايجي!>
هوى حجر من الأعلى.
رآه هايجي في اللحظة الأخيرة.
خفض جسده إلى الأمام، فمر الحجر خلف كتفه وتحطم على الأرض.
استدار.
كان ساي خلفه بثلاث خطوات.
هايجي: <ساي!>
تحرك ساي إلى اليمين.
سقط لوح خشبي أمامه.
تراجع.
ثم انشق جزء من السقف.
لم يستطع هايجي رؤية شيء لثانية كاملة.
غبار.
خشب.
حجارة.
وصوت انهيار يصم الأذنين.
وضع ذراعه أمام وجهه.
ثم عاد الصوت تدريجيًا.
هايجي: <ساي؟!>
لا إجابة.
هايجي: <ساي!>
تحرك عبر الغبار.
رآه.
كان ساي على الأرض.
جزء من عمود خشبي سقط فوق ساقيه، وحجارة كبيرة ثبتته من الجانب.
اندفع هايجي نحوه.
جلس على ركبتيه.
هايجي: <ساي!>
فتح ساي عينيه.
كان واعيًا.
لكنه يتنفس بسرعة.
ساي: <أنا بخير.>
نظر هايجي إلى العمود فوقه.
هايجي: <أنت لست بخير.>
أمسك بالخشب بكلتا يديه.
شد.
لم يتحرك.
غيّر موضع يديه.
ثبت قدميه.
شد بكل قوته.
ارتجفت ذراعاه.
لم يرتفع سوى مقدار ضئيل، ثم عاد.
ساي: <هايجي.>
هايجي: <اصمت.>
شد مرة أخرى.
ساي: <اسمعني.>
هايجي: <قلت اصمت.>
كانت أصابع هايجي تنزلق فوق الغبار.
بحث حوله.
وجد قطعة خشب مكسورة.
أدخلها أسفل العمود محاولًا استخدامها كرافعة.
ضغط.
تحرك العمود قليلًا.
اتسعت عينا هايجي.
هايجي: <تحرك!>
ضغط أكثر.
انكسر الخشب في يده.
سقط على الأرض.
هايجي: <لا...>
أمسك قطعة أخرى.
بدأت يداه ترتجفان.
ساي: <هايجي.>
هايجي: <سأخرجك.>
ساي: <اسمعني.>
هايجي: <سأخرجك!>
ارتفع صوت انهيار آخر من الطابق العلوي.
تساقط التراب من السقف.
رفع ساي رأسه.
ساي: <البيت سينهار.>
هايجي: <أعرف.>
ساي: <إذن اخرج.>
توقف هايجي.
نظر إليه.
هايجي: <ماذا؟>
ساي: <اخرج واجلب أحدًا.>
هايجي: <لن أتركك هنا.>
ساي: <لن تستطيع رفع هذا وحدك.>
هايجي: <سأستطيع.>
ساي: <أنت حاولت.>
هايجي: <سأحاول مرة أخرى.>
أمسك العمود.
ضغط.
لم يتحرك.
بدأت الدموع تتجمع في عينيه من الغبار أولًا.
ثم لسبب آخر.
هايجي: <تحرك...>
شد.
هايجي: <تحرك!>
ساي: <هايجي.>
هايجي: <لا تتكلم.>
ساي: <انظر إليّ.>
لم يفعل.
ساي: <هايجي!>
رفع هايجي رأسه.
كان ساي خائفًا.
لم يحاول إخفاء ذلك بالكامل.
لكن صوته ظل ثابتًا قدر استطاعته.
ساي: <اذهب.>
هز هايجي رأسه.
ساي: <اذهب واجلبهم.>
هايجي: <وحين أعود؟>
ابتلع ساي أنفاسه.
ساي: <ستجدني هنا.>
نظر هايجي إلى السقف.
ثم إليه.
هايجي: <أنت تكذب.>
ارتعشت ابتسامة صغيرة على وجه ساي.
ساي: <ربما قليلًا.>
اختنق نفس هايجي.
هايجي: <لا تفعل هذا.>
ساي: <أتذكر وعدنا؟>
تغير وجه هايجي فورًا.
هايجي: <هذا ليس ما قصدناه.>
ساي: <أعرف.>
هايجي: <قلنا إن أحدنا إذا توقف... لم نقل—>
ساي: <وأنا لم أقل إنني سأتوقف. قلت اذهب واجلب المساعدة.>
ارتفع صوت تشقق مرعب من الجهة اليسرى.
سقط حجر قربهما.
صرخ ساي:
ساي: <اخرج!>
لم يتحرك هايجي.
ساي: <هايجي، أرجوك.>
كانت تلك أول مرة يقولها بهذه الطريقة.
نظر هايجي إلى الباب.
لم يكن بعيدًا.
ثم إلى ساي.
هايجي: <سأعود.>
ساي: <أعرف.>
هايجي: <لا تغلق عينيك.>
ساي: <لن أفعل.>
هايجي: <لا تتحرك.>
نظر ساي إلى العمود فوق ساقيه.
ساي: <هذه سهلة.>
خرجت من هايجي ضحكة قصيرة مكسورة رغم دموعه.
هايجي: <غبي.>
ابتسم ساي.
ساي: <أسرع.>
نهض هايجي.
ركض.
وصل إلى الردهة.
سقطت خلفه قطعة من السقف.
لم يلتفت.
عبر الباب.
تعثرت قدمه عند الدرجة الخارجية، فسقط على يديه، ثم نهض مباشرة.
ركض نحو الساحة.
خمس خطوات.
عشر.
ثم سمع الصوت.
توقف.
كان أضخم من كل ما سبقه.
التفت.
انهار الجانب الأيسر من المنزل أولًا.
ثم هبط السقف.
تبعته الشرفة.
انهارت الجدران إلى الداخل، وارتفعت سحابة هائلة من الغبار حتى أخفت البناء كاملًا.
ظل هايجي واقفًا.
لا يتحرك.
لا يتنفس تقريبًا.
ثم اندفع راكضًا نحو المنزل.
هايجي: <ساي!>
سقط حجر آخر أمامه.
قفز فوقه.
هايجي: <ساي!>
وصل إلى موضع الباب.
لم يعد هناك باب.
مجرد حجارة وأخشاب متداخلة.
بدأ يزيح القطع الصغيرة بيديه.
هايجي: <ساي!>
لا شيء.
حفر.
رفع.
سحب.
جرحت حافة حجر أصابعه.
لم يتوقف.
هايجي: <أجبني!>
الصمت.
أمسك حجرًا أكبر.
حاول تحريكه.
لم يستطع.
هايجي: <ساي!>
ضربه بيده.
هايجي: <قلت إنني سأعود!>
لا إجابة.
جلس فوق ركبتيه.
ظل ينظر إلى الأنقاض.
ثم انخفض رأسه.
قبل أيام فقط، كانا فوق تلة يضحكان على وعد أكبر من عمرهما.
إن توقف أحدنا، يكمل الآخر.
لكن هايجي لم يفكر في الاستكشاف.
ولا في الرتب.
ولا في آبائهما.
ولا في الجبال.
لم يفكر إلا في جملة واحدة.
جملة كررها ساي قبل أن يركض خارج المنزل.
ستجدني هنا.
رفع هايجي رأسه نحو الأنقاض.
ثم صاح باسمه مرة أخرى.
بصوت أعلى.
أعلى مما صاح في حياته كلها.
هايجي: <سااااي!>
ولم يجبه أحد.
شكرا لوقتك💙