في اليوم الثامن عشر جاء فامين في الموعد المحدد.
مشى حول البيت مرة أخيرة كأنه يتأكد من قراره، ثم فتح كيسه وأخرج ثلاثة عشر ألفاً وناولها لبابلو بدون كلام كثير.
أخذها بابلو وعدّها.
"كاملة."
أومأ فامين.
"موقع جيد. سأحسّنه."
نظر بابلو للغرفة التي بناها وأصلحها لآخر مرة.
شيء بناه بيديه في هذا العالم.
ثم استدار ومشى.
---
في نفس اليوم سمع بابلو أن السفينة وصلت.
توجه نحو الميناء الصغير بخطوات ثابتة.
في جيبه سبعة وخمسون ألفاً، ستة وثلاثون ألفاً ومئة مما جمعه طوال الأشهر، وأربعة آلاف من سافيا، وثلاثة عشر ألفاً من فامين، وألفان حصل عليهما في الأيام الأخيرة.
قبل أن يصل للميناء توقف عند بسطة صغيرة في طرف السوق.
رجل يبيع أدوات بسيطة.
نظر بابلو للسكاكين المعروضة.
أخذ واحدة متوسطة الحجم، نصلها ثابت وقبضتها مريحة.
دفع ثمنها ووضعها تحت ملابسه بجانب جسده.
هذا عالم لا يحكمه القانون بل القوة.
وهو لا يملك قوة بعد.
لكن سكيناً خير من لا شيء.
---
وصل للميناء الصغير.
السفينة كانت متوسطة الحجم، تجارية واضحة من شكلها، تحمل بضائع وتقبل ركاباً.
وجد صاحبها رجلاً في الخمسينات بوجه محروق من الشمس وعيون رأت بحاراً كثيرة.
"إلى أين؟"
"ناراكا."
نظر إليه الرجل من رأسه لقدميه.
"طفل وحده؟"
"نعم."
"خمسون ألفاً. تشمل غرفة مشتركة ووجبتين في اليوم."
خمسون ألفاً فقط.
لم يتحرك وجه بابلو لكن شيئاً صغيراً تحرك في صدره.
كل هذا الوقت وكل هذا الجهد وكل تلك المخاطر، والسعر أقل مما توقع.
"حسناً."
أخرج خمسين ألفاً وناولها للرجل.
أخذها وأومأ.
"نغادر بعد ساعتين."
---
جلس بابلو على الحافة بجانب الميناء وفتح يده.
سبعة آلاف بيلي تبقت معه.
نظر إليها.
ثم نظر للسفينة.
ثم ابتسم.
لم يكن يتذكر متى ابتسم آخر مرة بهذه الطريقة.
ليس ابتسامة السعادة الكبيرة، بل ابتسامة الرجل الذي أنجز ما قرر إنجازه.
ثلاثة أشهر في جزيرة لا يعرفها أحد، بدون مساعدة ولا خطة واضحة في البداية، ووصل لهنا.
سبعة آلاف في جيبه وسكين تحت ملابسه وسفينة تنتظره.
ليست نهاية، لكنها بداية حقيقية.
---
بعد ساعة صعد للسفينة وأودع أمتعته البسيطة في الغرفة المشتركة.
كانت الغرفة صغيرة وفيها أربعة أسرّة، بسيطة لكنها نظيفة نسبياً.
أفضل بكثير من غرفته بين الأشجار في البداية.
جلس على سريره ونظر حوله.
ركاب آخرون يدخلون ويرتبون أمتعتهم.
---
لاحظ بابلو شاباً في السابعة عشر أو الثامنة عشر من عمره، ضخم الجسم بوجه بسيط وحقيبة كبيرة على ظهره.
يبدو متحمساً ومتوتراً في نفس الوقت.
حين وضع حقيبته على السرير المجاور نظر لبابلو.
"أنت أيضاً لناراكا؟"
"نعم."
جلس الشاب وأخرج نفساً طويلاً.
"أول مرة أسافر بعيداً."
"وأنا."
نظر إليه الشاب.
"كم عمرك؟"
"أربعة عشر."
فتح عينيه أكثر.
"وحدك؟"
"نعم."
"جريء." قالها بإعجاب حقيقي. "أنا ماركو. ثمانية عشر وأيضاً وحدي."
"بابلو."
---
في الليل حين هدأت الحركة على السفينة وبدأت تمشي ببطء خارجة من الميناء، فتح بابلو الحديث الذي يريده.
"تعرف ناراكا؟"
"قليلاً." قال ماركو وهو مستلقٍ ينظر للسقف. "سمعت أن المصانع تحتاج عمالاً دائماً. الراتب بين ثلاثين وخمسين ألفاً شهرياً حسب العمل."
ثلاثون إلى خمسون ألفاً شهرياً.
أكثر مما كان يجمعه في فيرونا في ثلاثة أشهر.
"وطبيعة العمل؟"
"مصانع سمك في الغالب. تعليب وتجفيف وتحضير. عمل شاق لكن منتظم." توقف لحظة. "سمعت أيضاً أن المشرفين قساة أحياناً."
"يعني؟"
"يعني لا تتأخر ولا تخطئ كثيراً." نظر لبابلو. "ليست جزيرة هادئة مثل القرى الصغيرة. ناس كثيرون من كل مكان، بعضهم ليس لطيفاً."
أومأ بابلو.
"والسكن؟"
"مقدّم من المصنع عادةً. يخصمونه من الراتب." ثم أضاف. "لكن سمعت أن السكن المقدم سيء. من يجمع مالاً يستأجر خارجاً."
---
في اليوم الثالث من الرحلة لاحت جزيرة في الأفق.
أخبرهم أحد البحارة أنها جزيرة صغيرة يتوقفون فيها لساعات لتفريغ بعض البضائع وتحميل أخرى.
نزل بابلو مع بعض الركاب لتمديد ساعات على أرض ثابتة.
الجزيرة كانت أصغر من فيرونا، ميناء صغير وبعض البيوت والدكاكين.
تجوّل بابلو ببطء وعيونه تلتقط كل شيء.
عالم أكبر من فيرونا بكثير ولو بقليل.
بعد ثلاث ساعات عادت السفينة لمسيرها.
---
في اليوم الحادي عشر لاحت ناراكا في الأفق.
وقف بابلو على سطح السفينة ونظر إليها.
جزيرة أكبر بكثير من فيرونا، دخان يخرج من مبانٍ ضخمة، وميناء كبير تتحرك فيه سفن عديدة.
ضجيج وحركة تصله حتى من هذه المسافة.
نظر لفيرونا في ذاكرته.
جزيرة صغيرة نائية بألفي شخص وبيوت خشبية بسيطة.
ثلاثة أشهر كانت كل حياته فيها.
تعلّم فيها كيف يعمل في جسد جديد، كيف يسرق دون أن يُمسك، كيف يبيع ويفاوض ويبني.
لن يعود إليها أبداً.
ثم نظر لناراكا التي تقترب ببطء.
لا يعرف ما ينتظره هناك بالتفصيل، لكنه يعرف شيئاً واحداً.
سيبدأ من الصفر مجدداً.
لكن هذه المرة ليس من صفر حقيقي.
أغمض عينيه لثانية وفتحهما مجدداً.
ناراكا تقترب.