في الشهر الثالث أصبح وجود بابلو في المصنع شيئاً مختلفاً.

لم يكن يحمل لقباً رسمياً.

لكن حين غاب توم يوماً كاملاً بسبب اجتماع مع أصحاب المصنع، التفت العمال لبابلو بشكل طبيعي.

"الخط الثاني تعطل."

"أبلغ الصيانة."

"الصناديق الزرقاء وصلت في وقت الذروة."

"حركوها للخط الأول وأبطئوا الحزام عشر دقائق."

لا أحد سأل من أعطاه الصلاحية.

الأوامر منطقية وتعمل.

هذا يكفي.

---

لكن في نهاية ذلك اليوم حين كان العمال يغادرون سمع بابلو همهمات من مجموعة بجانبه.

"في شهرين أصبح يعطينا أوامر."

"طفل."

"نعمل منذ سنوات ولم نصل لما وصل إليه."

لم يلتفت بابلو.

لم يرد.

الكلام لا يغير شيئاً.

والنتائج تتكلم وحدها.

---

في نهاية الشهر جاء يوم الراتب.

فتح بابلو ظرفه.

سبعة وثلاثون ألفاً.

سبعة آلاف زيادة عن الشهر الماضي.

نظر للرقم بهدوء.

ثم نظر لبقية العمال يفتحون ظروفهم، نفس الرقم كالشهر الماضي.

بعضهم نظر لظرفه ثم نظر لبابلو.

لم يقل أحد شيئاً.

لكن الصمت كان يقول الكثير.

---

في المساء في الحمام المشترك وقف بابلو أمام المرآة.

ثلاثة أشهر من الطعام الجيد والعمل اليومي.

الفرق عن اليوم الأول واضح الآن.

الكتفان اللتان كانتا مجرد عظام بارزة أصبحتا أعرض، ليس بشكل مبالغ لكن بشكل حقيقي.

الذراعان لم تعودا مجرد جلد وعظم.

الرقبة أكثر استقامة.

الوجه لا يزال فيه شيء من الطفولة، الخطوط الناعمة لم تختفِ بعد، لكن شيئاً فيه بدأ يتصلب ببطء.

رجل في السابعة والثلاثين يرى جسد طفل في الرابعة عشر يبدأ يصبح شيئاً آخر.

ليس محارباً بعد.

لكن ليس الطفل النحيف الذي وصل لفيرونا قبل أشهر.

---

في استراحة الغداء في منتصف الشهر لاحظ بابلو ماركو.

كان يحمل صندوقاً من الفاكهة من مستودع التخزين إلى الخط، صندوق ثقيل يحتاج عادةً شخصين.

حمله ماركو وحده بخطوات ثابتة كأنه لا يجهد.

توقف بابلو.

نظر بعيون مختلفة.

ماركو في الشهر الأول كان جسده يتهاوى تحت صناديق السمك.

الآن يحمل هذا بخفة.

ليس لأن الصندوق خفيف.

بل لأن ماركو بطبيعته يختلف.

جسده يستجيب للتمرين بشكل أسرع مما يجب.

ليس طبيعياً تماماً.

في هذا العالم هناك من يولد بمواهب جسدية معينة.

قوة فوق المعدل، تحمل استثنائي.

لاحظ بابلو ووضع المعلومة في مكانها في رأسه.

ورقة مفيدة جداً في المستقبل.

---

في نفس المساء جلسا يأكلان.

وجه ماركو كان مختلفاً تماماً عن الشهر الأول.

لون طبيعي، عيون حيوية، وضحكته عادت بحجمها الحقيقي.

"تعرف كم وزنت حين وصلت لناراكا؟"

"لا."

"كنت أشعر أنني أسقط من التعب كل ليلة." ضحك. "الآن أنام جيداً وأصحو قبل المنبه."

أكمل بابلو أكله بصمت.

"شكراً بابلو."

"قلتها من قبل."

"أقولها مجدداً لأنني أعنيها." نظر إليه ماركو بجدية. "أنت أنقذت صحتي فعلاً. لو استمررت في مصنع السمك كنت سأمرض قبل نهاية السنة."

"أعرف."

نظر إليه ماركو.

"لماذا تفعل هذه الأشياء لي؟"

"قلت لك من قبل. أحتاج أشخاصاً يمكن الاعتماد عليهم."

"وأنا واحد منهم؟"

"إذا أردت ذلك."

صمت ماركو لثانية ثم مد يده.

"حسناً."

أمسك بابلو يده.

---

في الليل خرج بابلو كعادته.

لكن هذه المرة لم يتوجه مباشرة لحافة الجزيرة.

مشى أولاً في الشوارع الداخلية.

في الشهرين الماضيين كان يلاحظ شبكة المخدرات في ناراكا.

لكن في الأسابيع الأخيرة بدأ يلاحظ شيئاً آخر.

---

في أحد الأزقة رأى رجلاً يدفع عربة مغطاة بقماش، يتحرك بسرعة في الظلام.

تبعه بابلو من بعيد.

الرجل وصل لمستودع صغير في طرف الحي الصناعي.

قرع الباب ثلاث مرات ببطء ثم مرتين بسرعة.

فُتح الباب وأدخل العربة.

بابلو اقترب بهدوء ووقف بجانب نافذة صغيرة.

أصوات من الداخل.

"الشحنة كاملة؟"

"كلها. بضائع من السفينة القادمة من الجزيرة الشمالية."

"تم التعامل مع الضابط."

"جيد. الزبائن ينتظرون."

---

في الليلة التالية ليلة أخرى في زقاق مختلف.

رجلان يتحدثان بصوت خفيض.

"الشحنة التالية فيها مخدرات ومسحوق المطر."

"كم؟"

"ضعف الكمية المعتادة."

"الثمن؟"

رقم لم يسمعه بابلو بوضوح.

لكنه رأى الرجل يومئ برضا.

---

في ليلة ثالثة تجوّل أكثر.

بدأت الصورة تتضح.

ناراكا جزيرة صناعية يدخلها ويخرج منها مئات السفن كل شهر.

البحرية لا تستطيع تفتيش كل شيء.

وبعض الضباط لا يريدون تفتيش كل شيء.

شبكة تهريب منظمة تستغل حركة السفن التجارية.

ليست مخدرات فقط، بضائع ممنوعة أو عالية الضرائب، قماش فاخر وتوابل نادرة وأسلحة وأشياء أخرى.

شبكة لها رأس لا يظهر في الشوارع.

وأيدي تتحرك في الظلام.

---

عاد بابلو لحافة الجزيرة في نهاية الليل.

وقف أمام البحر.

المخدرات عرفها من قبل، دخلها ودفع ثمنها.

لكن التهريب مختلف.

بضائع لها قيمة حقيقية، وشبكة منظمة، وأرباح أكبر بكثير من توزيع مخدرات في الشوارع.

لكنه لا يزال يراقب.

لا يعرف من يتحكم في هذه الشبكة.

ولا يعرف كيف تعمل بالكامل.

والدخول في شيء لا تفهمه كاملاً هو أسرع طريقة للكارثة.

يحتاج وقتاً أكثر.

نظر للأفق.

ثلاثة أشهر في ناراكا.

توم في جيبه.

ماركو ورقته الأولى.

راتب يرتفع.

وشبكة تهريب بدأ يفهم ملامحها.

الأمور تسير.

أدار ظهره للبحر.

الخطوة التالية ستأتي في وقتها.

2026/05/15 · 32 مشاهدة · 739 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026