في أول أسبوع كمشرف فهم بابلو شيئاً لم يكن يعرفه من قبل.

السلطة ليست في الصراخ.

ولا في التهديد.

ولا في إظهار القوة.

السلطة الحقيقية في أن يعرف كل شخص بالضبط ماذا تتوقع منه، وماذا سيحدث إذا لم يفعل.

---

في صباح أول يوم وقف بابلو أمام العمال قبل بدء الوردية.

لم يكن خطاباً طويلاً.

جملتان فقط.

"أنا لا أعاقب على الأخطاء. أعاقب على تكرارها."

---

في اليوم الثالث أخطأ عامل في الخط الأول، وضع صناديق فاكهة فاسدة في مكان الجيدة بسبب عدم الانتباه.

وصل بابلو حين اكتشف العمال الخطأ.

نظر للصناديق ثم للعامل.

"افرز كل شيء من جديد."

"لكن هذا سيأخذ ساعة."

"أعرف. ابدأ."

فرز العامل كل شيء من جديد وحده بينما الخط يعمل.

لم يكرر الخطأ.

---

في الأسبوع الثاني جاء العامل الكبير، رجل في الخمسينات اسمه جوردو، يعمل في المصنع منذ سنوات طويلة.

جاء بوجه محتقن وخطوات غاضبة.

وقف أمام بابلو.

"أنا أعمل هنا منذ ثماني سنوات."

"أعرف."

"وهل تظن أني احتاج طفل كي يريني ماذا أفعل وماذا لا أفعل؟"

نظر إليه بابلو بهدوء تام.

لم يرفع صوته.

لم يتحرك خطوة للخلف.

"أنا لا أوجد هنا بسبب عمري. أنا هنا بسبب ما أقدمه. إذا كنت تعتقد أنك تستطيع تقديم أكثر مني فالباب مفتوح للمدير."

صمت جوردو.

عيناه تحسبان الموقف.

رجل في الخمسينات أمام طفل في الرابعة عشر.

لكن خلف هذا الطفل توم الجديد مدير التصدير والمدير العام الذي وقّع على تعيينه.

أدار جوردو ظهره وعاد لعمله.

لم يتكلم عن الموضوع مرة أخرى.

لم يهتم بابلو بما يفعله جوردو أو غيره ففي النهاية هو يقوم بفرز العمال وامثال جوردو ليس لهم مكان هنا مادام هو هنا.

فهو يلاحظ من اول يوم له هنا من يعمل بجدية دائماً ومن يعمل فقط حين يُرى.

من يكمل مهمته بدون أن يُطلب منه ومن يحتاج أمراً في كل خطوة.

من يشكو في السر ومن يحمل عمله بصمت.

بعد أن اصبح المسؤول هنا كان عنده صورة واضحة في رأسه.

ثلاثة أنواع من العمال.

الأول، من يعملون بجدية حقيقية بغض النظر عن وجود المشرف أو غيابه. هؤلاء يحتاجهم.

الثاني، من يعملون بشكل مقبول لكنهم يتباطؤون حين لا تكون عليهم عيون. هؤلاء يمكن التعامل معهم.

الثالث، من لا يعملون بجدية وينشرون الكسل حولهم ويتذمرون في السر. هؤلاء مشكلة.

بدأ بابلو يغربل بهدوء.

لم يطرد أحداً مباشرة.

لم يواجه أحداً بشكل علني يخلق مشاكل.

لكنه بدأ يوزع المهام بطريقة مختلفة.

من لا يعمل بجدية يجد نفسه في أصعب المواقع وأثقل المهام.

من يتذمر يجد أن ساعات استراحته تتقلص قليلاً بسبب متطلبات العمل.

ومن يخطئ مرتين في نفس الشيء يجد تقريراً مكتوباً عنه في ملفه.

ثلاثة تقارير والأمر يذهب للمدير.

في نهاية الأسبوع الأول غاب عامل متذمر يوماً كاملاً بحجة المرض.

لم يرد بابلو على غيابه بكلام.

حين عاد في اليوم التالي وجد مهامه موزعة على غيره بشكل دائم.

وأُعطي مهام أخرى أشد.

لم يتكلم العامل بعدها.

في نهاية الأسبوع الثاني طلب عاملان آخران النقل لخطوط أخرى بحجج مختلفة.

وافق بابلو.

ونقلهما لخطوط أشد وطأة في الجهة الأخرى من المصنع.

بعد ثلاثة أيام طلبا العودة.

وافق بابلو بشروط واضحة.

أداء أفضل أو لا عودة.

لم يكن يتصرف بانتقام.

كان يتصرف بحساب.

المدير ينظر للأرقام.

والأرقام ترتفع حين يعمل من يجب أن يعمل.

وكل رقم يرتفع هو حجة إضافية لترقٍّ آخر.

هذا كل ما يهمه الآن.

---

في منتصف الأسبوع الثاني وصل بابلو للمصنع في الصباح ووجد المشرف الليلي ينتظره بوجه قلق.

"عندنا مشكلة."

"تكلم."

"الخط الثاني توقف الليلة. الحزام الرئيسي تعطل وأرسلنا للصيانة لكنهم لم يصلوا حتى الآن. عندنا صناديق فاكهة واقفة منذ أربع ساعات."

أربع ساعات من الإنتاج المتوقف.

خسارة كبيرة.

مشى بابلو نحو الخط الثاني.

---

الحزام كان واقفاً والعمال يقفون بجانبه بعيون تتمنى أن لا يتم تصليحه.

تفحص بابلو الآلية بعيون هادئة.

لم يكن ميكانيكياً ولم يكن خبيراً في الآلات.

لكنه رجل في السابعة والثلاثين رأى حافلات تعطلت ومحركات توقفت.

انحنى ونظر لأسفل الحزام.

رأى شيئاً.

قطعة من الفاكهة كبيرة سقطت وعلقت بين الحزام والبكرة الرئيسية.

منعت الحركة تماماً.

قام وأمسك قضيباً معدنياً بجانبه وأدخله بعناية بين الحزام والبكرة وضغط ببطء.

القطعة تحركت قليلاً.

ضغط أكثر.

انزلقت القطعة وسقطت.

"شغلوا الحزام."

ضغط أحد العمال المفتاح.

الحزام بدأ يتحرك.

---

نظر المشرف الليلي لبابلو بعيون واسعة.

"أربع ساعات ولم نلاحظها."

"كنتم تبحثون في المكان الخطأ."

أكمل بابلو سيره.

---

في نهاية ذلك اليوم طلب منه المدير أن يكتب تقريراً عن المشكلة وكيف حُلت.

كتب بابلو التقرير في عشر دقائق.

واضح ومختصر.

المشكلة والسبب والحل والوقت المستغرق.

وفي نهايته اقتراح واحد.

تفتيش يومي لأسفل الأحزمة قبل بدء كل وردية لمنع تكرار المشكلة.

قرأ المدير التقرير ووضعه على مكتبه.

"اقتراحك مقبول."

---

في نهاية نصف الشهر جلس بابلو في مكتبه الصغير الذي أصبح له.

مكتب بسيط في زاوية المصنع لكنه مكتب.

نظر للأرقام أمامه.

الإنتاج في نصف الشهر ارتفع أربعة بالمئة إضافية.

ليس كثيراً لكنه ثابت.

ثم نظر لراتبه.

خمسة وسبعون ألفاً في الشهر.

في نصف شهر سبعة وثلاثون ألفاً وخمسمئة.

وفي كل شهر يمر يتراكم المال أكثر.

---

في آخر يوم من نصف الشهر مشى بابلو ببطء في خطوط المصنع بعد نهاية الوردية.

العمال يغادرون واحداً تلو الآخر.

بعضهم يومئ له حين يمر.

بعضهم يتجنب نظره.

وبعضهم ينظر إليه بعيون تحاول أن تفهم.

طفل في الرابعة عشر يمشي في مصنع كأنه يملكه.

بخطوات لا تستعجل ولا تتردد.

بعيون تلتقط كل شيء.

وبوجه لا يكشف ما خلفه.

وقف بابلو في منتصف المصنع ونظر لكل شيء من حوله.

الأحزمة، الخطوط، العمال المغادرون، الصناديق المرتبة، الآلات الهادئة بعد يوم عمل طويل.

شيء في صدره يشبع قليلاً.

ليس رضا الإنسان الذي وصل.

بل رضا الإنسان الذي يرى الطريق أمامه واضحاً.

لا يزال في البداية.

لكنه يسير في الاتجاه الصحيح.

أطفأ ضوء مكتبه وخرج.

2026/05/16 · 49 مشاهدة · 893 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026