استيقظ بابلو مع أول ضوء الفجر.
لم يكن قد نام كثيراً، ذهنه كان يعمل طوال الليل.
جلس وحدق في الأدوات البسيطة أمامه، شباك الصيد والسنانير الصغيرة التي تركها صاحب الجسد السابق.
الصيد خيار موجود، لكنه ليس ما يريده.
فكّر.
رجل في السابعة والثلاثين يعيش في حي فقير يتعلم شيئاً واحداً بالضرورة، كيف تصنع شيئاً من لا شيء.
وتذكر شيئاً بسيطاً جداً.
في حيّه القديم، كان جاره العجوز يصنع الفحم ويبيعه للمطاعم الصغيرة. كان يراقبه أحياناً وهو يشرح العملية لأي من يسأل.
الفكرة بسيطة، خشب ونار محكومة ووقت يساوي فحماً.
والفحم هنا في هذه القرية يستخدمونه يومياً للطهي، لكنهم يجمعونه بطريقة بدائية جداً، يحرقون الخشب مباشرة ويأخذون ما يتبقى.
هذا يعطيهم فحماً رديئاً يحترق بسرعة.
فحم جيد يحترق ببطء ويعطي حرارة أكثر، وهذا يعني توفير الخشب على المدى البعيد.
أي امرأة تطبخ يومياً ستفهم هذا الفرق فوراً.
قام بابلو ووضع خطة بسيطة في ذهنه.
يحتاج أولاً إلى الخشب المناسب.
---
خرج من غرفته الصغيرة والهواء الصباحي بارد وخفيف.
اتجه نحو الغابة الصغيرة في شمال الجزيرة، على مسافة مشي معقولة من القرية.
كان يبحث عن نوع محدد، خشب كثيف وجاف، ليس الأغصان الرفيعة ولا الجذوع الرطبة.
لكن بعد ساعة من البحث أدرك أن الأمر ليس بهذه البساطة.
معظم الأشجار هنا استُنزف خشبها الجاف من قبل سكان القرية الذين يجمعونه للطهي والبناء.
ما تبقى إما رطب حديث أو صغير جداً لا يصلح.
جلس على جذع قديم وتنفس ببطء.
المشكلة الأولى ظهرت بسرعة.
فكّر قليلاً.
الخشب الرطب يحتاج تجفيفاً، وهذا يعني وقتاً لا يملكه الآن.
لكن الخشب الكثيف الجاف موجود في مكان واحد لم يفكر فيه، بقايا البناء القديمة.
تذكر أنه رأى أمس كومة من الألواح المكسورة والبقايا الخشبية خلف أحد البيوت الكبيرة في القرية.
قام وعاد.
---
وصل إلى الكومة التي تذكرها، كانت خلف بيت متوسط الحجم قريب من وسط القرية.
بدأ يفرز البقايا بيديه، ألواح مكسورة وقطع متفرقة لا يبدو أن أحداً يريدها.
كان الخشب جافاً وكثيفاً، تماماً ما يحتاجه.
"ماذا تفعل؟"
رفع بابلو رأسه.
كانت امرأة تقف قرب باب البيت تنظر إليه، في الثلاثينات من عمرها، شعرها الداكن مربوط خلف رأسها بإهمال مقصود يزيدها جمالاً لا يقلله. قوامها مثير وملامحها حادة وناعمة في آنٍ واحد، النوع الذي تلتفت إليه عيون رجال القرية دون أن تستأذن.
لكن عيونها الآن لم تكن مرحبة، كانت تدرسه بطريقة التاجر الذي يقيّم البضاعة قبل أن يقرر إن كان يستحق وقته.
قال بابلو بهدوء: "هذه البقايا، هل تحتاجينها؟"
نظرت إلى الكومة ثم إلى وجهه بشكل أدق.
توقفت.
"أنت ابن ذاك القرصان."
لم يكن سؤالاً.
"نعم." قالها بابلو ببساطة.
من ذكريات صاحب الجسد السابق كان أبوه قرصان لم يكن قائد سفينة بل كان عنصر معروفا قليلا في هاته المنطقة الصغيرة من الأزرق الجنوبي، كانت مكافأته أقل من المليون بيري وتم القبض عليه وإعدامه قبل قرابة العشر سنوات.
أما أمه فتوفيت بعد ان اعدم ابوه بأربع سنوات بسبب المرض، وتركوا طفل في الثامنة من عمره لولا لطف احد كبار السن الذي اعتنى به وعلمه الصيد لمات من الجوع منذ مدة طويلة.
أخرجت نفساً خفيفاً من أنفها، نوع الصوت الذي يصدره الناس حين يذكرون شيئاً لا يستحق الاحترام.
"أبوك مرّ من هنا قبل سنوات طويلة. قرصان غبي، مكافأة رأسه لم تكن تساوي ثمن قارب محترم."
توقفت لثانية كأنها تنتظر أن يتأثر.
"أُعدم كالكلاب في النهاية. وأمك رحلت بعده بوقت قصير من المرض."
نظر إليها بابلو بعيون هادئة تماماً.
لا ألم، لا غضب، لا شيء.
هذا الرجل المجهول لم يكن أباه، ولم يتركه أثراً يستحق الحزن عليه.
رأت سافيا هذا الفراغ في عينيه فتوقفت لحظة، كأنها لم تتوقع هذا الرد، أو غيابه.
ثم تابعت بنبرة أكثر برودة:
"لماذا تفرز هذه البقايا؟"
"أصنع فحماً. فحماً أفضل مما يستخدمه الناس هنا."
نظرت إلى الكومة مجدداً، عيناها تحسبان لا تتعاطفان.
"هذه البقايا لا أحتاجها. لكن إذا كان فحمك جيداً فعلاً سأشتري منك."
أومأ بابلو برأسه.
"ما اسمك؟" سألها.
"سافيا."
---
أخذ بابلو ما يكفيه من البقايا الخشبية وعاد إلى غرفته.
العملية ليست معقدة لكنها تحتاج دقة.
حفر حفرة صغيرة في الأرض قرب غرفته، رتّب الخشب بداخلها بشكل محكم، أشعل النار ببطء ثم غطّى الحفرة بطبقة من التراب تاركاً فتحة صغيرة جداً للهواء.
النار يجب أن تخنق ببطء لا أن تحترق بحرية.
هذا هو الفرق كله.
جلس بجانبها ينتظر.
الوقت كان يمر ببطء، لكن بابلو كان صبوراً.
رجل قضى وقتاً في السجن يعرف كيف ينتظر.
---
بعد ساعات فتح التراب بحذر.
الفحم كان جاهزاً، قطع سوداء صلبة وثقيلة.
أمسك قطعة وفحصها، جيدة.
ليست مثالية لأن هذه أولى محاولاته هنا، لكنها أفضل بكثير مما يجمعه سكان القرية.
جمع ما أنتجه وحمله نحو بيت سافيا.
---
بعد طرقه للباب فتحت سافيا.
نظرت إلى الفحم في يديه ثم أخذت قطعة وفحصتها بأصابعها، قلّبتها ببطء وكسرت طرفها الصغير لترى الداخل.
لم تقل شيئاً لثوانٍ.
"كم تريد؟"
فكّر بابلو لحظة.
لم يكن يريد أن يطلب كثيراً ولا قليلاً.
"أربعمائة بيلي لهذه الكمية."
نظرت إليه بعين الخبيرة.
"مئتان وخمسون."
"ثلاثمائة وخمسون."
صمتت ثانية ثم أدخلت يدها في جيبها وأخرجت العملات.
"ثلاثمائة وخمسون."
أخذ بابلو المال بهدوء وأعطاها الفحم.
قبل أن يستدير قالت:
"إذا كانت الجودة ثابتة سأشتري منك كل أسبوع."
"حسناً."
"لكن إذا تغيرت الجودة لن أشتري مرة ثانية."
نظر إليها مباشرة.
"لن تتغير."
أغلقت الباب.
---
عاد بابلو إلى غرفته والعملات في يده.
ثلاثمائة وخمسون بيلي.
ليست كثيرة، لكنها ليست الرقم المهم.
المهم أنه وجد أول زبونة، وأول دخل ثابت محتمل، وأول شخص في هذا العالم يتعامل معه على أساس ما يقدمه.
جلس وحدق في السماء من فوقه.
خطوة واحدة.
لكن كل رحلة طويلة تبدأ بخطوة.