استيقظ بابلو مع أول ضوء.
لم يكن في عجلة من أمره. وقف من سريره، خلع ملابس التدريب، وتوجه إلى الحمام.
الماء كان دافئاً. وقف تحته لدقائق، يغسل عن نفسه تعب الأيام الماضية. ليس لأن جسده كان متعباً. لأنه أراد أن يكون منتعشاً لهذا اليوم.
خرج من الحمام. جفف شعره. وقف أمام المرآة الصغيرة.
ارتدى سروالاً أسود، قميصاً أبيض ناصعاً، وسترة سوداء أنيقة. ثم حذاء أسود لامعاً. مشط شعره الأسود إلى الخلف.
لم يعد الطفل النحيف من فيرونا. ولا العامل المتعب من مصنع الفاكهة.
وقف شاب في الخامسة عشر، طوله متر واثنين وثمانين سنتيمتراً. كتفاه عريضتان. عضلاته ترسم تحت القميص الأبيض. وجهه وسيم، هادئ، وعيناه سوداوان لا تكشفان شيئاً.
كان يعرف أنه سيُحكم عليه من مظهره قبل كلامه.
لهذا ارتدى هذا الثوب.
نظر إلى نفسه في المرآة. كان جاهزاً.
أخذ نفساً عميقاً وخرج.
---
كان مبنى البحرية في وسط ناراكا. ليس كبيراً مثل تلك الموجودة في الجزر الكبرى، لكنه كان مهيباً بما يكفي. جدران بيضاء، أعمدة حجرية، وعلم البحرية العالمي يرفرف في أعلاه.
دخل بابلو من الباب الرئيسي.
توقف الجنود عند البوابة. نظروا إليه. لم يكونوا معتادين على رؤية شاب في مثل هذا السن بهذه الهندام.
"من أنت؟ وماذا تحتاج؟"
"بابلو. الرائد فينسون طلب رؤيتي."
تغيرت نظراتهم قليلاً. كانوا قد سمعوا الاسم.
"انتظر هنا."
بعد دقائق، جاء جندي وأخذ بابلو إلى الطابق العلوي.
الممر طويل. على الجدران، لوحات لشخصيات بحرية مهمة. في نهاية الممر، باب كبير.
فتح الجندي الباب. دخل بابلو لغرفة الرائد.
الغرفة واسعة. نوافذها تطل على الشارع الرئيسي. طاولة خشبية ثقيلة. كراسي جلدية داكنة. خلف الطاولة، كرسي كبير يجلس عليه الرائد.
على الجدران، خرائط لناراكا والجزر المجاورة. سيف طويل معلق خلف الكرسي. مقبضه من الفضة، ونصله لامع.
الرائد فينسون كان جالساً خلف مكتبه. لم يقف عندما دخل بابلو. فقط نظر إليه.
كان في الأربعينات. شعره بني فاتح، ممشط إلى الخلف بعناية. عيناه زرقاوان، نصف مغمضتين دائماً، كأنه لا يريد أن يرى كل شيء. لكن من يعرفه يعلم أنه يرى كل شيء.
كان طويل القامة، نحيل البنية، لكن عضلات ذراعيه كانت قوية بشكل غير متناسب مع بقية جسده.
"اجلس."
جلس بابلو على الكرسي المقابل.
فينسون نظر إليه طويلاً. ثم بدأ.
"عمرك خمسة عشر عاماً؟"
"نعم."
"وأنت تدير عائلة بابلو."
"أدير مجموعة من الأشخاص يحاولون كسب عيشهم."
ابتسم فينسون ابتسامة صغيرة. لم تكن دافئة.
"جميل. من أين أتيت؟"
"من جزيرة فيرونا. لا تعرفها."
"وكيف بدأت كل هذا؟"
"بدأت بالعمل في مصنع فاكهة. ترقيت. ثم توسعت."
أجوبة قصيرة. لا تكذب، لكنها لا تقدم شيئاً.
فينسون غير اتجاهه.
"ما هي أهداف عائلتك؟"
نظر بابلو إليه مباشرة.
"هدفنا هو تنقية جزيرة ناراكا من البلطجية وتجار المخدرات. جعل حياة المدنيين أفضل."
صمت فينسون لثانية. ثم قال:
"هل تعتقد أنني أصدق هذا؟"
بابلو لم يتراجع.
"لست بحاجة إلى أن تصدقني. أنا أخبرك الحقيقة."
كان فينسون يعرف أن بابلو يكذب. كليهما كان يعرف. لكن لم يكن لدى فينسون دليل.
"حرب العصابات التي تشنها... تجعل الحياة في الجزيرة أصعب. ستة مدنيين أصيبوا في معاركك الأخيرة. بعضهم لا يزال في المستشفى."
لم يتغير وجه بابلو.
"تلك المعارك كانت ضد تجار مخدرات. لم نستهدف مدنيين أبداً. وإذا أصيبوا... فسأتولى علاجهم. سأرسل من يدفع فواتيرهم."
هذا فاجأ فينسون قليلاً.
"ستفعل؟"
"سأفعل."
صمت فينسون. ثم قال:
"لدينا شكوى من صاحب مصنع. يتهم عائلتك بالترهيب وإجباره على البيع."
"إنه خلاف بسيط ولقد تم حله نحن نعمل مع بعضنا الأن."
لم يجد فينسون مكاناً يمسك منه بابلو. الرجل يعمل لديه طواعية. الظروف كلها كانت ضد أي تحقيق جاد.
نظر فينسون إلى بابلو طويلاً. ثم قال:
"سأحذرك، بابلو. لا تتمادى. البحرية تغض أحياناً... لكنها لا تنام. إذا خرجت الأمور عن السيطرة، سأتخذ إجراءات حاسمة."
"أفهم."
"يمكنك الرحيل الآن."
وقف بابلو. لم يقل شيئاً. سار نحو الباب.
قبل أن يخرج، سمع صوت فينسون خلفه.
"سأراقبك."
بعد أن أغلق الباب، نظر فينسون إلى ضباطه الذين كانوا يستمعون من الغرفة المجاورة.
"هذا الطفل ليس غبياً. راقبوا كل تحركات عائلته. ولا تفوتوا أي شيء."
أومأ الضباط.
"سيتم."
---
في نفس اليوم، كان موريس واقفاً في مصنعه الذي لم يعد يملكه. كان يشرف على التغييرات.
بابلو أرسل معه رينالد. الرجل الصامت الضخم وقف في الزاوية. لم يتكلم. فقط راقب.
موريس كان يتألم من وجوده. لكنه لم يجرؤ على الاعتراض.
بعد ساعات، توقف موريس عن العمل. جلس على كرسي قديم. نظر إلى رينالد.
"هل تعرف شيئاً عن السيوف؟"
هز رينالد رأسه. لا.
"أنا أعرف. عملت في مصنع مراسي طوال حياتي، لكن السيوف... السيوف مختلفة. الحديد الذي نحتاجه ليس عادياً. نحتاج حديد التماس. قوي، مرن، ولا ينكسر بسهولة."
توقف. ثم أضاف:
"والحدادين الذين أعرفهم لا يجيدون هذا النوع من العمل. نحتاج إلى حدادين خبرة. موجودين في ناراكا. لكنهم يعملون لدى مصانع أخرى. لن يأتوا إلا إذا دفعنا لهم أكثر مما يتقاضونه حالياً."
دوّن رينالد كل شيء في باله. في المساء، ذهب إلى بابلو وأخبره.
بابلو استدعى أحد رجاله الموثوقين.
"سأعطيك مهمتين. الأولى: اذهب إلى تجار الحديد في الميناء. اشتري لي هذا المعدن. كميات كبيرة. الثانية: ابحث عن حدادين ماهرين في ناراكا. قم بإغرائهم بأكثر مما يتقاضونه حالياً. أحضرهم إلى مصنع موريس."
الرجل أومأ وخرج.
---
في المساء، بعد أن عاد بابلو من مقر البحرية، جلس مع ماركو وآرثر في غرفته في الطابق العلوي.
آرثر كان جالساً على الكرسي المقابل. لم يعد عضو العصابة الضعيف الذي كان يتبع جون. أصبح مسؤولاً مهماً في عائلة بابلو.
كان فخوراً بهذا. فخوراً بالهوية الجديدة التي أعطته إياها العائلة.
كان يعجب بماركو. قوته، شجاعته، قدرته على القيادة.
وكان يعجب ببابلو أكثر. ذكاؤه، هدوئه، قدرته على تنظيم الأمور.
في هذه الغرفة، مع هذين الرجلين، شعر آرثر أنه في المكان الصحيح.
بابلو فتح دفتره الصغير.
"الآن، بعد أن تعاملنا مع البحرية مؤقتاً... حان وقت التفكير في الخطوة التالية."
فتح خريطة ناراكا المرسومة على الورق.
"نحن نسيطر على عشرين بالمئة من الجزيرة. من يسيطر على الجزء الأكبر؟"
أشار آرثر إلى منطقة كبيرة في وسط الجزيرة.
"شيغو."
"أخبرني عنه."
آرثر بدأ يشرح.
"شيغو. رجل في الأربعينات. طويل القامة، أصلع، يقاتل بالسيف. وهو ماهر فيه. ليس مقاتلاً عادياً."
"كم عدد رجاله؟"
"حوالي مئة وعشرين. ليسوا عصابة رسمية. مجرد مجموعة من الرجال الذين اجتمعوا حوله. يسيطرون على ثلاثين بالمئة من الجزيرة."
"لماذا لم نتصادم معه من قبل؟"
"لأنه يحافظ على منطقته. لا يتوسع كثيراً. لكنه لا يسمح لأحد بالتعدي عليه."
أغلق بابلو دفتره.
"إذا أردنا السيطرة على نصف الجزيرة... يجب أن نتخلص منه."
نظر ماركو إليه. "كيف؟"
"لن نذهب إلى معركة مع رجاله... سنهاجمه حين يكون وحيدا او مع القليل من الرجال."
آرثر سأل: "وماذا عن البحرية؟"
"البحرية ستتدخل إذا حدثت حرب كبيرة في الشوارع. لهذا يجب أن نتخلص منه بدون ضجة."
صمت الثلاثة للحظة.
ثم قال بابلو:
"اجمع لي كل ما تستطيع عن شيغو. تحركاته. عاداته. أين ينام. من هم أقرب رجاله. كل شيء."
أومأ آرثر. "سأبدأ غداً."
"ماركو... استمر في تدريب الرجال."
"حسناً."
جلس بابلو خلف مكتبه.
نظر من النافذة. السماء بدأت تغرب.
ثلاثون بالمئة من الجزيرة كانت تحت سيطرة شيغو.
عشرون بالمئة تحت سيطرته.
نصف الجزيرة كان هدفاً قريباً.
فتح دفتره. كتب:
"شيغو. الأولوية القادمة."