في عمق غابة الجنوب، كانت المعركة لا تشبه أي شيء خاضه الجنود من قبل.

لم يكن العدو جيشاً منظماً. لم تكن هناك صفوف. لم تكن هناك رايات. كان العدو يظهر من بين الأشجار، يطلق النار، ثم يختفي كأنه لم يكن. كان يطلق رصاصة من جهة، فيتجه الجنود إليها، ليجدوا لا شيء. ثم تطلق النيران من الجهة المعاكسة.

الشباب كانوا يعرفون كل شجرة، كل صخرة، كل مستنقع في هذه الغابة. عاشوا فيها منذ طفولتهم. كان عددهم أقل بقليل من خمسمائة. لم يكونوا جيشاً، لكنهم كانوا يائسين وغاضبين. والغضب كان سلاحا فتاكا اذا أحسن استخدامه.

الجنود كانوا غرباء. كانت ملابسهم الثقيلة تعيق حركتهم.

الشباب كانوا يهاجمون من خلف الأشجار، يطلقون رصاصاتهم، ثم يركضون إلى موقع آخر. كانوا يتراجعون أحياناً ليجرّوا الجنود إلى فخ. كانوا يتفرقون ثم يعودون للتجمع من جديد.

الجنرال فولكان كان يصيح بأوامره، لكن صوته كان يضيع بين دوي الرصاص وصرخات الجرحى.

"تقدموا! لا تتراجعوا! هم مجرد فلاحين!"

لكن الفلاحين كانوا يقتلون جنوده.

رصاصة من خلف شجرة. جندي يسقط. رصاصة من فوق تل صغير. جندي آخر يصرخ. كمين في وادٍ ضيق. ثلاثة جنود يموتون قبل أن يفهموا ما حدث.

الشباب كانوا أيضاً يموتون. كثيرون. رصاصات الجنود كانت تصيبهم وهم يركضون بين الأشجار. بعضهم كان يموت فوراً. بعضهم كان يصرخ لساعات قبل أن يموت. لكن كل شاب يموت كان يعني أن جندي آخر سيموت.

استمرت المعركة لقرابة الساعة. الغابة تحولت إلى جحيم. الرصاص كان يتطاير في كل اتجاه. الجرحى كانوا يتخبطون على الأرض المبللة بالدماء.

عندما سمع فولكان أن خسائره تجاوزت المئة، أدرك أنه يخسر المعركة.

"انسحاب! انسحاب!"

لكن الانسحاب لم يكن سهلاً. الشباب كانوا يطاردونهم. يطلقون النار على ظهورهم. الجنود كانوا يركضون في الوحل، يسقطون، ينهضون، يسقطون مجدداً.

فولكان ركب حصانه. نظر حوله. رأى رجاله يتساقطون. رأى الفلاحين بأعينهم المحترقة. عرف أنه إذا بقي، سيموت.

لم يكن لديه خيار. ترك جزؤا من رجاله ليغطوا انسحابه، ليموتوا ليسمحوا له بالهروب. أولئك الرجال لم يكونوا يعرفون أن قائدهم تخلى عنهم. ظلوا يقاتلون، يموتون، بدون أن يعرفوا أنهم كانوا مجرد درع بشري.

عند بوابة الجنوب، حيث كان فولكان يعتقد أنه في أمان، ظهر ماركو وشيغو.

لم يكونوا بمفردهم. معهم خمسون رجلاً من عائلة بابلو. لم يكونوا فلاحين خائفين. كانوا محترفين. كانوا ينتظرون.

"هذا هو طريق هروبهم." قال شيغو.

"أعرف." رد ماركو.

بدأت المعركة الجديدة. لم تدم طويلاً. ماركو كان كالإعصار، شيغو كان كالموت الهادئ، ورجال بابلو كانوا كالسيل. لم يكن الجنود المتعبون والمرعوبون قادرين على الصمود.

لم يفهم فولكان مايحدث لكنه قرر الانسحاب.

سقط ثمانون جندياً آخرين قبل أن يتمكن فولكان من الهرب مع من تبقى من رجاله.

عندما وصل إلى مشارف الشمال، التفت ليرى عدد من بقي معه. أحصاهم في صمت. مئة وتسعة جنود فقط. جاء بثلاثمائة، وعاد بثلثهم تقريباً.

---

عندما علم الجنوب أن الجيش هزم، أن ثلاثمائة جندي فروا ولم يتبق منهم سوى مئة، أن الجنرال فولكان هارب، انفجرت القرى فرحاً.

لم يكن هناك احتفالات كبيرة. لم تكن هناك ألعاب نارية. لكن العجائز بكوا. والأطفال ركضوا في الشوارع وهم يصرخون. والشباب الذين قاتلوا عادوا بجروحهم، بابتساماتهم، بعيون كانت لأول مرة منذ سنوات تلمع بالأمل.

الفلاحون الذين كانوا يخافون، الذين كانوا يترددون، الذين كانوا يعتقدون أن الجيش لا يقهر، بدأوا يتدفقون إلى معسكرات الثوار.

"أريد أن أنضم." قال الأول.

"أريد أن أقاتل." قال الثاني.

"لدي أبناء، لدي أبناء إخوة، سآتي بهم جميعاً." قال الثالث.

مئات الشباب بدأوا يتوافدون. أعداد الثوار تضاعفت بين ليلة وضحاها.

رجال بابلو الأربعون كانوا ينظمونهم، يقسمونهم إلى مجموعات، يعدونهم للمعركة القادمة.

---

في المقر، وصل خبر النصر إلى بابلو عبر الاتصال.

أحد رجاله الأربعين كان على الخط، صوته كان مرتفعاً متحمساً لأول مرة منذ شهور.

"بابلو! انتصرنا! الجنود فروا! الجنوب كله معنا الآن! آلاف الشباب ينضمون إلينا كل ساعة!"

ابتسم بابلو. لم يصرخ فرحاً، لكن عينيه لمعتا.

"أحسنت."

"ماذا عن الأسلحة؟ أعداد الثوار تتضاعف، والأسلحة لدينا لا تكفي."

"سأرسل لكم ما تبقى من الدفعة الأولى. الثلاثة ألاف بندقية المتبقية، السيوف، وبعض المدافع. وزعوها على الأقوى والأكثر تدريباً. الباقي سيستخدمون ماهو متوفر حتى تأتي الدفعة الثانية."

أغلق الخط. ثم اتصل برينولد.

رد المهرب بسرعة هذه المرة.

"مرحبا بابلو."

"أحتاج إلى الدفعة الثانية من الأسلحة. وبسرعة."

"الدفعة الثانية جاهزة. لكن كان من المفترض أن أرسلها بعد أسبوعين."

"أريدها الآن هل يمكنك فعلها من فضلك."

صمت رينولد لثانية. "سأحضرها في ثلاثة أيام. لا أكثر."

"حسناً. سأنتظر."

أغلق بابلو الخط. كان يعرف أن الأيام القادمة ستكون حاسمة.

---

في قصر الشمال، دخل فولكان القاعة الكبرى بخطوات ثقيلة. وجهه كان مغبراً، ملابسه ممزقة، وعيناه خائفتان. سقط على ركبتيه أمام عرش الملك.

بيكوري كان جالساً. لم يصرخ هذه المرة. كان هادئاً. وهذا كان أكثر رعباً.

"أين جنودي؟" سأل بصوت بارد.

"جلالة الملك... لقد خسرنا. الثوار ليسوا مجرد فلاحين. إنهم منظمون. لديهم قادة. لديهم أسلحة. وخسائرنا كانت كبيرة."

"كم خسرت؟"

فولكان تردد. "جئت بثلاثمائة. لم يتبق سوى مئة وتسعة."

بيكوري وقف ببطء.

"مئة وتسعة؟ من ثلاثمائة؟ أمام فلاحين؟"

"لم يكونوا مجرد فلاحين يا جلالة الملك. كانوا—"

"اسكت!"

صرخة بيكوري جعلت القاعة ترتجف.

"أعطيتك جيشاً. أعطيتك سلاحاً. أعطيتك فرصة. وبدلاً من أن تحرق الجنوب، أتيت مهزوماً، خاسراً، وتجرؤ على الوقوف أمامي؟"

سحب بيكوري سيفه من خاصرته.

"سأعدمك الآن."

فولكان انكمش على نفسه. لم يجرؤ على الكلام.

لكن أحد النبلاء العجائز تقدم خطوة. كان هو نفسه الذي أشار على الملك في البداية.

"جلالة الملك... لا يمكنك إعدامه."

نظر إليه بيكوري بعيون حمراء. "لماذا؟"

"فولكان قائد كفؤ. له خبرة. إذا أعدمته الآن، ستحتاج إلى اسابيع لتعيين قائد جديد . والثوار لن ينتظرون."

تدخل ضابط كبير أيضاً. "جلالة الملك، النبيل محق. قتل فولكان الآن هو هدية للثوار. سنخسر قائداً من أفضل قادتنا، وسيستغلون ذلك."

صمت بيكوري. سيفه كان لا يزال في يده. كان يفكر.

ثم أعاده إلى غمده.

"سأعطيك فرصة ثانية."

تنفس فولكان الصعداء. "شكراً يا جلالة الملك."

"لا تشكرني بعد. سأجهز لك جيشاً من ألف جندي. سأعطيك ستة أيام لتجهزهم. ثم ستذهب إلى الجنوب لسحق هذه الثورة التافهة."

نظر إلى فولكان بعيون باردة.

"وإذا فشلت هذه المرة... سأعدمك. لن يتوسط لك أحد. لن يرحمك أحد. سأقتلك بيدي."

فولكان ارتجف. "لن أفشل يا جلالة الملك. أقسم لك."

"أذهب. لا تعد إلا بالنصر."

خرج فولكان وهو يرتجف. كان يعرف أن حياته أصبحت معلقة على خيط.

---

في المقر، كانت جيني جالسة في غرفتها. كانت سعيدة. انتصار الجنوب جعلها تشعر بشيء لم تشعر به منذ وقت طويل. أمل. ربما فرح. كانت تبتسم وحدها في الظلام، تتذكر وجوه الفقراء الذين عالجتهم كوما، الذين كانوا يموتون من الجوع والمرض، والآن أصبحوا يقاتلون من أجل حريتهم.

فجأة احد اجهزتها الذي تستخدمه لتصنت بدأ في الحديث، حوار بين نبيلين معروفين.

عندما سمعت محتوى حوارهم. عيناها اتسعتا. الألف جندي. الستة أيام. كانت أخباراً سيئة، لكنها ليست مفاجئة.

وقفت من على سريرها. مشت نحو المرآة.

توقفت.

كانت ترتدي ملابسها. لم تكن ملابس عادية. كانت ترتدي قميص نوم حريرياً شفافاً بالكامل تقريباً، أسود اللون، يصل إلى منتصف فخذيها فقط. كان القميص ضيقاً جداً، لدرجة أنه كان يرسم كل انحناءة في جسدها. كان يبرز صدرها، خصرها النحيل، أردافها المستديرة. وفوقه، كانت ترتدي رداءً حريرياً رقيقاً شفافاً أيضاً، لم يكن يخفي شيئاً، بل كان يزيد من إثارة المشهد. شعرها الوردي الطويل كان منسدلاً على كتفيها، بعض خصلاته كانت تختفي بين ثنايا القميص.

كانت تعلم أنها جريئة. كانت تعلم أن أي رجل يراها سيفقد صوابه. كانت تعلم أن بابلو سيتحمس.

فكرت للحظة في تغيير ملابسها. في ارتداء شيء أكثر احتشاماً.

ثم غيرت رأيها.

"ليستمتع بالنظر." همست لنفسها. "إنه مكافأة على انتصاره."

كانت تبرر لنفسها. كانت لا تعلم بعد أنها تستمتع بذلك أيضاً.

خرجت من غرفتها. مشت عبر الممر. الرجال نظروا إليها. توقفوا عن الحديث. فتحوا أفواههم. لم يصفروا هذه المرة. كانوا مندهشين للغاية.

وصلت إلى غرفة بابلو. لم تطرق. دخلت مباشرة.

بابلو كان جالساً على سريره، يقرأ كتاباً عن تاريخ الأزرق الجنوبي. عندما دخلت، رفع رأسه.

تجمد. توقف قلبه للحظة. الكتاب كاد يسقط من يده.

كانت واقفة هناك، في ضوء الشموع الخافت، ترتدي ذلك القميص الشفاف والرداء الرقيق. أشعة الضوء كانت تمر من خلالهما، لترسم ظلالاً لجسدها على الحائط خلفها. شعرها الوردي كان يلامس كتفيها، وخصلاته كانت تتمايل مع كل حركة بسيطة.

أسخن جسده. شعر بحرارة تغمر جسده. عيناه اتسعتا ثم ضاقتا بشهوة.

وضع الكتاب جانباً. نهض من على سريره واقترب منها خطوة.

"جيني..." همس. صوته كان أجش.

"جئت لأخبرك بشيء مهم."

"تفضلي. قلبي وعقلي وجسدي بين يديكِ."

"الملك سيجهز جيشاً من ألف جندي. سيهاجم الجنوب بعد ستة أيام."

تغيرت نظرات بابلو للحظة. أصبحت حادة.

"ستة أيام؟"

"نعم. فولكان هو من سيقوده. الملك أعطاه فرصة أخيرة. إذا فشل، سيعدمه."

"حسنا سنستعد لهذا."

"كيف؟"

"لدي خطتي."

اقترب منها خطوة أخرى. يستطيع أن يشم رائحة عطرها. يستطيع أن يشعر بدفء جسدها.

"بابلو، هذا ليس وقت—"

"لدي سؤال."

"ماذا؟"

"إذا أردت أن أربك الملك والجيش... أين أضرب؟"

نظرت إليه. كانت تعلم أنه يحاول تغيير الموضوع. كانت تعلم أنه يحاول التحرش بها. لكنها لم تمانع.

"هناك مستودع كبير. يقع في شمال العاصمة."

"يحتوي على ماذا؟"

"نصف مخزون الأسلحة في المملكة. بنادق، مدافع، بارود، رصاص."

"عدد حراسه؟"

"كان حوالي مئتي جندي. لكن بعد عملياتك الأخيرة، الملك ضاعف الحراسة. قد يكون هناك أربعمئة، أو أكثر."

صمت بابلو. كان يفكر. لكن عينيه كانتا لا تزالان على جسدها.

"إذا استطعت سرقته... أو حتى إحراقه... ستربك أوراق الملك والجيش بأكمله. لن يكون لديهم ذخيرة لمواجهة الثوار."

ابتسم بابلو ابتسامة بطيئة.

"شكراً يا جي

ني. هذه معلومة ذهبية."

"لا تشكرني. فقط انجح في هذه الثورة."

"سأربحها. لكن اسمحي لي أن أقول شيئاً..."

"ماذا؟"

"أنتِ بهذا الثوب... تجعلين الرجل يريد أن يربح الحروب كلها في ليلة واحدة."

هزت جيني رأسها. لكنها ابتسمت. ابتسامة صغيرة، لم يرها بابلو.

2026/05/27 · 28 مشاهدة · 1496 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026