في صباح اليوم التالي لاحتراق المستودع، جلس بابلو في غرفته في المقر. أمامه، كان حلزون الدن دن موشي ينظر إليه بعينيه الزجاجيتين. اتصل بأحد قادته الأربعين في الجنوب.
رد الرجل بعد الرنة الثانية. صوته كان متعباً، لكنه كان حاداً.
"بابلو."
"لدي أخبار يجب عليك نشرها. مستودع الأسلحة الرئيسي في الشمال احترق الليلة الماضية."
صمت الرجل للحظة. "ماذا؟"
"احترق بالكامل. كل شيء. البنادق، المدافع، البارود، الرصاص. نصف ترسانة الملك تحولت إلى رماد."
"كيف... من فعل هذا؟"
"حلفاؤنا." قال بابلو ببساطة. لن يخبر كل شخص عن أفعاله وقدراته "انشر الخبر في كل قرية. في كل مدينة. في كل حقل. أريد أن يعرف الجنوب أن النصر بات وشيكاً."
"سأفعل."
أغلق بابلو الخط.
---
في قرية نائية على أطراف الجنوب، كان الفلاحون يعملون في الحقول كالمعتاد. كانت الشمس حارقة، والعرق يتصبب على وجوههم. فجأة، ركض أحد الشباب نحو الحقول، كان يصرخ بأعلى صوته.
"المستودع احترق! مستودع الأسلحة في الشمال احترق!"
توقف الفلاحون عن العمل. نظروا إلى بعضهم. لم يفهموا.
"ماذا تقول؟"
"السلاح! أسلحة الملك! نصفها احترق! الليلة الماضية! حلفاؤنا في الشمال فعلوها!"
بدأت الوجوه تتغير. أولاً، ذهول. ثم ابتسامات صغيرة. ثم صرخات فرح.
"عاشت الثورة!" صرخ أحدهم. "عاشت سوربيت الحرة!"
في قرية أخرى، كان رجال بابلو الأربعون قد جمعوا الشباب في الساحة العامة. كانوا يخبرونهم الخبر. الوجوه كانت مشعة. البعض كان يبكي. البعض كان يضحك. البعض كان يمسك بندقيته ويقبلها.
"هذا هو وقتنا!" صرخ أحد القادة. "الملك فقد نصف أسلحته. جنوده يفرون. وهذا هو وقتنا!"
في قرية ثالثة، كانت العجائز تبكي. لم يكونوا يبكون حزناً. كانوا يبكون فرحاً. لأول مرة منذ سنوات، شعروا أن هناك أملاً. أن الظلم قد ينتهي. أن أحفادهم قد يعيشون في سلام.
الخبر انتشر كالنار في الهشيم. في أقل من يوم، كان كل رجل وامرأة وطفل في الجنوب يعرف أن نصف أسلحة الملك قد احترقت. وأن النصر بات قريباً.
المعنويات ارتفعت إلى عنان السماء. الشباب الذين كانوا يخافون بدأوا يتطوعون. الفلاحون الذين كانوا يترددون بدأوا يحملون السلاح. الجميع كان يريد أن يكون جزءاً من النصر.
---
بعد أن انتهى بابلو من مكالماته، نهض من على سريره. خرج من غرفته. مشى عبر الممر. توقف أمام باب غرفة جيني.
لم يطرق. دفع الباب.
كانت جيني جالسة على سريرها، ترتدي ملابسها البسيطة. شعرها الوردي كان منسدلاً على كتفيها. تمسك جريدة تقرأ اخبارها.
نظرت إليه بعيون تتسائل عن سبب قدومه لها.
"لدي مهمة لكِ."
"أنا أسمع."
"اذهبي إلى كوما. أخبريه أن الوقت قد حان. أحتاجه في المعركة."
لم تتفاجأ. كانت تعلم أن هذا اليوم سيأتي. منذ أن اخبرها أنه سيحتاج كوما في حالات طوارئ كانت تعلم أنه سينادي عليه، لكن لم تعرف أنه سيأتي بهذه السرعة، لكن ما باليد حيلة الثورة بنفسها تحركت بسرعة كبيرة.
"في المعركة الأولى، كوما عالج الجرحى. كان في الخط الخلفي. لكن الآن... الوضع مختلف. إذا فزنا في هذه المعركة فإن فرصة نجاح الثورة سترتفع إلى تسعين بالمئة، لذلك لا خيار سوى استخدام كل قوة ممكنة."
صمتت جيني للحظة. كانت تفكر.
"سأذهب."
وقفت. مشت نحو الباب. قبل أن تغادر، نظرت إلى بابلو.
"هل تثق به؟"
"أثق به. وأثق بكِ."
خرجت.
---
في قصور النبلاء في الشمال، كان الجو مختلفاً تماماً.
النبلاء كانوا يجتمعون في غرف مغلقة، يتحدثون بهمس. وجوههم كانت شاحبة، عيونهم خائفة.
النبيل كروس كان جالساً في قصره الفاخر، يشرب كأساً من النبيذ بيد مرتجفة. أمامه، كان ابن أخيه واقفاً.
"العم، الجنود يفرون. المستودع احترق. حتى الملكة بدأت تخطط للهروب."
"أعرف." همس كروس. "أعرف."
"ماذا سنفعل إذا انتصر الثوار؟ سيقتلوننا جميعاً. سيحرقون قصورنا. سيأخذون كل شيء."
صمت كروس للحظة. ثم قال:
"جهزوا السفينة. وجهزوا بعض المال والمجوهرات. إذا خسر الجيش... نرحل."
"إلى أين؟"
"إلى أي مكان. فقط بعيداً عن هؤلاء الفلاحين."
في قصر آخر، كان نبلاء آخرون يخططون لشيء مماثل. بعضهم كان يخطط لإرسال أمواله إلى جزر مجاورة. بعضهم كان يجهز السفن. بعضهم كان يشتري ولاء جنود لحمايتهم في حال الانهيار.
الخوف كان يلتهم الشمال. النبلاء الذين كانوا يظنون أنفسهم في قمة الأمان أدركوا فجأة أن عرشهم قد ينهار.
---
بعد مدة من السفر، وصلت جيني إلى الكنيسة الجنوبية.
الكنيسة كانت كما تركها. بسيطة، متواضعة، رائحة الشموع لا تزال تملأ المكان. كوما كان جالساً على كرسيه الضخم.
"كوما."
تفاجأ كوما بزيارتها "جيني."
جلست على مقعد خشبي قريب. نظرت إليه. كان وجهه هادئاً كالعادة.
"بابلو يطلب منك المشاركة في المعركة. ليس في الخط الخلفي. في الخط الأمامي."
صمت كوما للحظة. ثم قال:
"كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي."
"أنا أيضاً."
صمت آخر. ثم قالت جيني، وصوتها كان مختلفاً. كان فيه دفء لم يكن موجوداً من قبل.
"كوما... لقد كنا مخطئين بشأنه."
نظر إليها كوما. "ماذا تقصدين؟"
"ظننا في البداية أنه رجل يريد استغلال الفقراء. ظننا أنه مثل النبلاء، يبحث عن مصلحته فقط. لكنني رأيته... رأيته يخاطر بحياته من أجلنا. أحرق مستودعاً بأكمله وحده. تحت حراسة أكثر من أربعمائة جندي. وخاطر بأن يموت في أي لحظة."
توقفت. كانت عيناها تلمعان.
"هو ليس قديساً. هو لا يفعل هذا من أجل الخير فقط. لكنه أيضاً لا يتخلى عن الفقراء. لقد كان مخلصاً. أكثر مما كنا نتوقع."
كوما كان صامتاً. كان يفكر.
"أنا لا أثق به تماماً بعد." قال أخيراً. "لكنني أثق في أن الفقراء بحاجة إلى من يحميهم. وهو يبدو الشخص الوحيد القادر على فعل ذلك."
وقف كوما من على كرسيه. كان ضخماً. كان طوله يقترب من سبعة أمتار. جسده كان كتلة من العضلات. وجهه كان صارماً.
"سأذهب. سأقاتل. من أجل الجنوب. ومن أجل الحرية."
ابتسمت جيني. "هذا يكفي."
---
في أكبر قرية في الجنوب، كان معسكر الثوار يحتشد.
المكان كان حقلاً واسعاً على أطراف القرية. كانت الخيام منتشرة في كل مكان.
عدد الثوار كان يقترب من ثلاثة آلاف. لم يكونوا جنوداً نظاميين، لكنهم كانوا متحمسين. كانوا مدربين. كانوا مستعدين للموت من أجل حريتهم. بفضل غسيل الدماغ الذي أجراه رجال بابلو لهم.
رجال بابلو الأربعون كانوا منتشرين بينهم. بعضهم يدربهم على استخدام البنادق، بعضهم يعلمهم تكتيكات القتال، بعضهم يخططون للمعركة القادمة. بعضهم يزرعون أفكار انتحارية.
كان المكان يعج بالحركة. رجال يحملون صناديق الذخيرة. جنود يتدربون على إطلاق النار. الجميع كان يعرف أن المعركة قريبة.
ثم... سمعوا ضجة عند مدخل المعسكر.
التفت الجميع.
كان كوما قادماً.
كان يمشي ببطء، لكن خطواته كانت تزلزل الأرض. كان طوله يقترب من سبعة أمتار، وجسده كان عريضاً كجدار. كان يرتدي عباءة سوداء بسيطة، وقبعته ذات الأذنين كانت مرفوعة عالياً.
الثوار نظروا إليه بعيون مذهولة. بعضهم فتح فمه. بعضهم توقف عن الكلام. بعضهم سقطت أسلحتهم من أيديهم من الدهشة.
لم يروا إنساناً بهذا الحجم من قبل.
"من... من هذا؟" همس أحدهم فليس كل الجنوب يعرف كوما.
"إنه كوما." قال أحد الشباب الذي تعرف عليه. "القس الذي يعالج الفقراء. وهو الآن... سيقاتل معنا."
صمت للحظة. ثم انفجر المعسكر بالهتافات.
"كوما! كوما! كوما!"
كانوا يصرخون باسمه. كانوا يرفعون أسلحتهم في الهواء. كانوا يبكون من الفرحة.
كوما وقف في وسط المعسكر. نظر إلى الثوار من حوله. لم يقل شيئاً. فقط أومأ برأسه.
لكن هذه الإيماءة كانت كافية.
الثوار شعروا فجأة أن النصر أصب
ح قريباً. أن الموت لم يعد مخيفاً. أن لديهم الآن قوة كبيرة إلى جانبهم.
رجل بحجم البيت بجانبهم جعل المعنويات ترتفع إلى عنان السماء.
كوما كان جاهزاً للمعركة.
والجنوب كان جاهزاً أيضاً.