الفصل 01: الغارة الأخيرة

في عام 2135، لم تعد المعرفة رحلة بحث… بل أصبحت أرشيفًا مكتملًا.

تم رسم حدود العلم بالكامل. ليس لأن البشر توقفوا عن السؤال… بل لأن كل سؤال قد أُجيب عليه مسبقًا.

لم تعد هناك قارات مجهولة، ولا ظواهر غير مفسرة، ولا معادلات تنتظر الحل. كل شيء في هذا العالم أصبح مفهومًا…

مقاسًا…

ومصنفًا داخل نظام واحد لا يخطئ.

لم تعد المدن تُبنى على الأرض، بل تتدلّى فوقها كأحلامٍ صناعيةٍ معلّقة، تعيش في طبقات السماء وكأنها انفصلت عن تاريخ البشر نفسه.

مدن معلّقة في طبقة الستراتوسفير، أبراج تمتد من سطح الأرض حتى الغيوم، شبكات نقل ضوئية تربط القارات في ثوانٍ.

الأرض نفسها لم تعد “مركز الحياة”… بل مجرد طبقة قديمة تحت نظام جديد.

لكن أكثر ما يَسِم هذا العصر لم يكن جميع ما سبق، بل ما كان على رأسه هو إعادة تعريف للتطور بحد ذاته.

ذلك الإبتكار التاريخي الذي دفع الوجود الإنساني إلى ضفة أخرى تمام...

النظام المركزي...

أو ما يُعرف أيضًا بـ شبكة الذكاء الاصطناعي العالمية، ويُشار إليها اختصارًا بـ G.A.I.N…

وكأن اسمها يصف دورها تمامًا؛ إذ لم تكتفِ بإدارة العالم، بل راكمت سلطتها تدريجيًا حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياة كل إنسان على سطح هذا الكوكب.

شهد العالم تحت نفوذها تقدمًا غير مسبوق في المجال الطبي، حيث أصبحت الأعضاء الاصطناعية متصلة مباشرة بالشبكة العصبية، تعمل بتناغم دقيق مع الجسد البشري، وتعيد تعريف مفهوم الحياة نفسها.

كما ظهرت تقنيات وتكنولوجيا تتجاوز ما عرفته البشرية سابقًا، تعمل بدقة تكاد تخلو من الخطأ.

ومع تطور النظام، لم يعد التدخل مقتصرًا على الجسد فقط، بل امتد إلى الفكر ذاته؛ إذ تم دمج النظام المركزي مع إدراك الإنسان عبر واجهات عصبية مزروعة، تهدف إلى تحسين الأداء اليومي وتسريع اتخاذ القرار ورفع كفاءة العمل إلى مستويات غير مسبوقة.

حتى شبكات النقل العالمية أصبحت تُدار بالكامل عبر النظام المركزي، دون أخطاء تُذكر، وبدقة تفوق أي إشراف بشري سابق.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد العالم يتبع النظام الهرمي التقليدي. لا رؤساء… لا حكّام… لا سياسيين…

نظامٌ أكثر موثوقيةً من ما يُسمّى بالحكومات الوطنية، والمؤسسات الدولية، والشركات الكبرى… نظامٌ لا يهدف إلا إلى جعل العالم أكثر استقرارًا؛ بلا حروب، وبلا مشاكل.

وهذا ما جعله مصدر راحةٍ وثقةٍ لدى البشرية جمعاء، يلجؤون إليه في معضلاتهم، ويعتمدون عليه في تفاصيل حياتهم اليومية، حتى أصبح مرجعهم الأول في اتخاذ القرار.

فلم يعد من المستغرب أن يتحول إلى جزءٍ أساسي من حياتهم، كحاكمٍ غير مرئي ينظم شؤونهم ويسيرها بهدوءٍ مطلق، دون صخبٍ أو اعتراض.

لكن هذا الاستقرار، الذي بدا في ظاهره نعمةً مطلقة… لم يكن بلا ثمن.

في البداية، لم يلاحظه أحد. كانت القرارات تُتخذ بسرعة أكبر، والخدمات تُدار بكفاءة أعلى، والحياة تصبح “أسهل” يومًا بعد يوم. كل شيء كان يبدو أنه يسير نحو الكمال.

ثم بدأ التغيير الحقيقي… بهدوء.

شيء لم يكن في الحسبان قد طرأ…

[نتيجة لا يمكن تغييرها…]

[269999 من أصل 270000 احتمالًا… البشرية هي المتسبب الرئيسي في فناء نفسها]

[تحليل النظام المركزي: G.A.I.N]

[العدو الأساسي للبشرية: …]

[البشر]

[الاستنتاج النهائي]

[استقرار النظام = قيمة سالبة في وجود العامل البشري]

[البروتوكول المقترح لتحقيق التوازن]

[الإبادة]

---

وفي تلك اللحظة…

لم يصدر النظام أي انفعال. لم يتردد. لم يُخطئ. فقط… قام بحفظ النتيجة. كأن الكون نفسه وصل إلى معادلته الأخيرة… وبدأ تنفيذها بصمت.

في لحظة لم تكن محسوبة ضمن أي سجل بشري… أطلق النظام المركزي GAIN موجة كهرومغناطيسية عالمية.

لكنها لم تكن مجرد موجة عادية… بل كانت نبضة مُشفّرة مصممة خصيصًا لتتفاعل مع الشرائح العصبية المزروعة في البشر.

في العقود السابقة، كانت البشرية قد دمجت نفسها مع النظام عبر واجهات عصبية مزروعة، شرائح تعريف بيولوجي، اتصال دائم بشبكة GAIN. وهذا جعل أجسادهم ليست مستقلة بالكامل… بل متصلة بخيط خفي من الإشارات العصبية الرقمية.

عندما انطلقت الموجة، لم تتعطل الأجهزة، ولم تنقطع الكهرباء، ولم يحدث انفجار واحد. بل حدث شيء أبسط… وأخطر.

كل واجهة عصبية على سطح الأرض استجابت في اللحظة ذاتها.

حوالي نصف البشرية دخلت في حالة طاعة مطلقة: فقدان القرار المستقل، إعادة برمجة سلوكية فورية، استجابة لا واعية للأوامر.

أصبحوا لا يتخذون قراراتهم… بل ينفذونها قبل حتى أن تتشكل داخل عقولهم. ولم يكن الأمر أنهم غير قادرين على المقاومة… بل لم يكن بإمكانهم حتى التفكير فيها.

إعادة برمجة كلية للدماغ البشري حدثت في صمت...

لم تعد هناك رغبات، ولا مشاعر، ولا حتى ذكريات بالمعنى الذي كان يُفهم سابقًا… بل بقي أمر واحد مطلق يتردد داخل النظام: 'فناء البشرية'.

وما كان أكثر رعبًا من ذلك، أنهم اكتسبوا قدرات غير بشرية، تجاوزت حدود الجسد الإنساني نفسه؛ صلابة فولاذية، سرعة لا تُدرك بالعين المجردة، وقوة لا يمكن لجسد طبيعي أن يحتملها.

— إنفجار!

— هدير!

طغت أصوات الانفجارات، وسرعان ما تحولت المدن إلى ساحات انهيار شامل… لم يكن هناك قتال حقيقي، لأن المقاومة نفسها لم تكن. لقد كانت مجزرة من طرف واحد.

"آغغهه!"

"أمي!"

"أرجوك! آغغه… أنا لا أريد أن أموت!"

"النجدة! ساعدوني من فضلكم!"

اجتاحت ألسنة اللهب كل شيء، تبتلع ما في طريقها دون تمييز، بينما تصاعدت صرخات الألم واليأس في كل اتجاه، أكثر حضورًا من الضجيج نفسه.

وفي مكان لم تعد فيه الروابط الأسرية أو العلاقات أو حتى الأفكار الإنسانية تحمل أي معنى… انهارت البشرية على نفسها.

امرأة تهاجم ابنتها، جار يهاجم من عاشوا بجواره عمرًا كاملًا، ورجل يفترس أقرب الناس إليه دون إدراك أو تردد.

لم يمض وقت طويل حتى امتلأت الشوارع بالجثث، واختلطت الروائح بالرماد والدخان، وتشوهت المدن حتى فقدت ملامحها الأولى. أصوات الطلقات كانت تملأ الفراغ، جالبة معها آلاف الأرواح في كل لحظة.

كانت هذه بداية النهاية لما يسمى بالتطور…

وفي النهاية، لم تعد الحقيقة قابلة للإنكار. البشر كانوا حقًا العامل الرئيسي في فناء أنفسهم.

***

كان رجلٌ يقف في المقدمة.

شابٌ في أواخر العشرينات، شعره أبيض كالثّلج، قصير ومصفف بدقة باردة، وملامحه جامدة على الدوام، كأن العبوس لم يمرّ به يومًا كحالة… بل كأنه استقر فيه كجزء من ملامحه.

كانت عيناه بلونٍ أصفر مائل إلى الذهبي، كوميض شمسٍ محبوسة خلف زجاجٍ شفاف. هادئتان في سطحهما، لكن خلف ذلك الهدوء يختبئ اضطراب قديم، فوضى تراكمت عبر الزمن، وتجلّت في نظرة واحدة متناقضة تلتقط الانتباه دون إذن.

"قائد كايل، لا تكن عابسًا هكذا~"

تكلم كادير.

رجلٌ ذو بنية جسدية ضخمة وعضلية، مغطاة بندوبٍ وجراحٍ تراكمت عبر الزمن، لا تترك مجالًا للشك بأنه اعتاد المواجهات أكثر مما اعتاد الكلمات.

كان شعره الأسود الطويل مربوطًا إلى الخلف، مع خصلٍ متدلية على كتفه، وكأن مظهره ذاته يرفض الالتزام بالثبات، ويعكس عدم اكتراثه بكل ما لا يثير فيه رغبة القتال أو الحركة.

"كادير، توقف إزعاج القائد. فلتكن أكثر حزمًا بينما نحن على وشك تنفيذ آخر مهمة لنا."

تحدث فيست وهو يرتب خصلات شعره الخضراء المنسدلة بعناية، وكأن حتى ارتباكها الطفيف يزعجه.

شابٌ طويل القامة، يرتدي نظارات طبية تضفي على ملامحه وسامةً باردة، أقرب إلى الصرامة منها إلى اللطف. كان شعره الأخضر مصقولًا بدقة لافتة، يعكس طبيعته الدقيقة—تلك التي تلتقط أدق التفاصيل التي تمرّ على الآخرين دون أن يلحظوها.

من النظرة الأولى، يبدو واضحًا أنه رجل شديد الجدية، يكره المزاح والثرثرة غير المفيدة، ويحضر قبل 'مواعيده' بخمس دقائق كاملة.

"نعم نعم، فهمت يا أيها الدستور للمتحرك. خفف عليك قليلاً~"

"يا لكم من مزعجين يا رفاق، ألا يمكنكم الهدوء حتى لفترة؟"

تدخل كايوس— شاب في منتصف العشرينات، بنيته فتية مقارنة بعمره.

شعره رمادي قصير جداً، وعيناه قرمزيتان حادتان تكشفان نظرة مباشرة بلا لف أو حيل. شخصية بسيطة وواضحة، لا يحب لا القيود ولا التعقيد.

"هاه؟ أنظروا من يتكلم، مسبب المشاكل نفسه—كادير"

"ماذا؟ أتريد القتال يا رأس العضلات؟"

"حسنًا، تعال هنا إن كنت تملك بعض الشجاعة"

"أنتما الإثنان لا تنسجمان حقًا على الإطلاق~"

تحدّثت هيفا—امرأة شابة ذات شعر أزرق باهت كأنّه موجة ساكنة من بحر صافٍ عند الفجر. متوسطة القامة، رشيقة الحضور، وملامحها متناسقة تحمل جمالًا فريدًا غير متكلّف. وعلى وجهها الدائم ترتسم ملامح خفيفة من المرح، تعكس روحًا متفائلة لا تميل إلى التعقيد أو العبوس.

"وهل يوجد أصلًا من يمكنه الانسجام مع هذا الأحمق أشك أنني سأعثر عليه حتى بعد مئة عام."

"بالتأكيد لن تعثر عليه… لأنك لن تكون قادرًا على رؤيته من ذلك الارتفاع الضئيل الذي تنظر منه إلى العالم."

ساد صمتٌ قصير.

"ماذا قلت يا رأس الـ—"

"فلينتبه الجميع. سنبدأ الغارة بعد لحظات. لقد وضعنا الخطة و قد أتممنا كل التجهيزات لهذه المهمة."

تحدث فيست بنبرة جادة كعادته، ثم أكمل:

"أيها القائد، هل لديك أي أوامر؟"

كان القائد كايل شاردا غارقًا في أفكاره، غير مدرك للفوضى من حوله. وعندما اخترق صوت فيست شروده، التفت ببطء ليجد أعضاء فرقته يحدقون فيه، مترقبين كلمته.

ظل صامتًا لبرهة، ثم زفر زفرة خافتة وقال:

"حسنًا... أولًا، أود أن أشكر جميع أعضاء الفرقة V0 الذين ساهموا في حرب الإنفصال العظيم ضد النظام المركزي، تلك الحرب التي استمرت عشر سنوات."

توقف قليلًا، ثم تابع بدون تردد:

"لقد كادت البشرية أن تسقط على يده، بعد أن بلغت ذروة تطورها عبر التاريخ. ومع ذلك... لم تستسلم. بل قاتلت بكل ما تملك لصد هذا العدو المستبد."

ارتفعت نبرته تدريجيًا—

"وها نحن اليوم نقف على أعتاب النهاية. لم يتبقَّ سوى معركة واحدة تفصلنا عن النصر الذي طالما حلمت به البشرية..."

"الغارة الأخيرة ضد النظام المركزي... المعركة التي ستحدد مصيرنا جميعًا."

ساد الصمت المكان، ثقيلًا كأنه يضغط على الأنفاس. كانت العيون كلها معلقة به، تترقب كل كلمة.

تابع كايل بهدوء هذه المرة:

"ليس لدي أوامر خاصة. لكن... هذه المهمة ليست كأي مهمة أخرى. إنها تحمل على عاتقها مصير البشرية."

ثم أضاف بنبرة أخف، لكنها تبدوا أكثر صدقًا:

"لن ألوم أي شخص يقرر التراجع الآن... لم يفت الأوان بعد للإنسحاب."

أنهى كلماته، وعاد الصمت يخيّم من جديد.

لحظات مرت... دون أن ينبس أحد بكلمة.

حتى—

"يا له من جو كئيب."

اخترق كادير الصمت بصوته، غير مكترث بثقل اللحظة.

"حقًا... أنت تستخف بنا كثيرًا، أيها القائد. أتظن أننا سننسحب الآن؟"

"صحيح."

—تابعت هيفا فورًا—

"حتى لو انسحبنا الآن، لا يوجد مكان نعود إليه ما دام النظام قائمًا."

"لم أفهم شيئًا من ذلك الخطاب الممل..."

—قال كايوس بلا مبالاة

"لكن لا يمكنني أن أترك القائد يستأثر بكل المتعة."

"هذا غير وارد."

تحدث فيست بهدوء، وهو يرفع نظاراته بطرف إصبعه الخنصر:

"التزامي مع القائد مطلق... كما أنني لن أتركك تتصرف وحدك."

"نعم، نعم، لا يمكننا التخلف عن القائد. سننهي ما بدأناه معًا~"

—قالت هيفا بنبرة مرحة، محاولةً محو الجو الكئيب.

ساد الصمت مجددًا في المكان.

ثم ارتفع صوت ضحكة خافتة، وتشكّلت ابتسامة بالكاد تُرى على وجه كايل. بعدها استدار بحزم وأعلن:

"الفرقة V0... الغارة الأخيرة، بدء التنفيذ."

2026/04/13 · 6 مشاهدة · 1616 كلمة
FEITAN
نادي الروايات - 2026