721 - مستعمرة العفريت (جوكر)

برغم كل هذا الألم

وبرغم كل هذا العناء

ما زلنا نريد البقاء

لذلك أعتقد أن في الحياة

شيء

شيء واحد على الأقل يستحق الحياة

وهو أنفسنا

************************

لا أعرف لماذا لم يكن شيء منذو بسيطا في هذا الجسد

ظننت أن التحكم فيه سيكون سهلا.

لكن وعيه ما زال حيًا في مكان ما.

برغم جسده المنهك.

برغم أنفاسه المتقطّعة.

كان يحارب.

من أجل حياته.

من أجل شيء لا أفهمه أنا.

سيطرت.

لكن روحه ما زالت موجودة.

ووعيه باق.

ثم ظهر الإشعار أمامي:

" لقد حصلت على شظية الفوضى "

إحدى شظايا الروح

" لقد حصلت على مسار الفوضى "

لم أفهم ما يعني هذا.

لكن ما فهمته جيدًا: أنه شيء لن يكن بسيطًا.

سأتعلمه مع الوقت.

وسيغيّر كل شيء.

حركت جسدي الخفيف ووضعت يدي على وجهي.

القناع ما زال هناك.

توحدت مع جسده تمامًا.

لكن لماذا ما زال هناك؟

هل لو نزعته... سأخرج من هذا الجسد؟

مددت يدي.

حاولت.

لم أستطع.

مدموج بوجه هذا الجسد تمامًا.

" لقد تم الانتهاء من الدمج "

" لقد وصلت الى سلسلة هجين العفريت"

" سلسلة بين البشر والعفاريت "

تكاثفت الإشعارات أمام عيني.

الآن — ولأول مرة — بدا شكل هذا العفريت منطقيًا.

أبوه اعتدى على فتاة بشرية ذات يوم.

وهذا الجسد الذي أحتله الآن كان نتيجته.

وهذه أول مرة يظهر لي مثل هذا النوع من الإشعارات.

جزر الفوضى ممتلئة بأسرار.

وهذا البرج وحده يكفي.

تحركت نحو الأمام.

بخطوات ثابتة.

لكن ليس نحو الخروج.

لو خرجت بهذا الشكل... سيقتلني البشر.

وأنا لا أريد أن أموت بعد كل هذا.

إذاً — سأتجول.

سأفهم هذا العالم أولا.

ثم سأصبح أقوى.

كان الهواء باردًا خانقًا، يعلق بالجلد.

والكهف لا ينتهي.

رائحة غريبة شقت طريقها إليّ من بعيد.

هذا الأنف يعرفها.

تحركت نحوها بخفة.

فوجدت ثلاثة عفاريت.

اثنان منهم صغيرا الجسد.

والثالث كان عملاقًا حتى بمقياس العفاريت.

التفت إليه أحدهم — الأقصر.

قال بلهجة المتنمّر:

" أيها اللعين، أين صندوق الأسلحة؟ "

كان أقصرهم

وأضعفهم

بالتأكيد سوف يتنمر على هذا العفريت الأعرج

"ليون أيها الجرذ، أخبرتك ألا تترك الصندوق من يدك!"

ليون.

هذا اسم الجسد الذي أحتله.

خفضت جسدي.

وهمست بصوت أخف مما ينبغي:

"أعتذر."

ثم ذهبت إلى الصندوق وحملته.

همس العفريت الآخر:

"يبدو أن البشر في هذه المرة كانوا أقوياء بما يكفي."

قال العملاق بهدوء لا يخطئه:

"يجب أن نخبر القائد. الآن قبل أي شيء آخر."

نظر إليّ العفريت العملاق وقال بصوت غاضب

"ما هذا القناع الذي على وجهك؟"

لمست القناع بأصابعي وقلت بهدوء:

"وجدته بين الجثث.

جربته.

ومنذ تلك اللحظة لم يترك وجهي."

صمت العملاق لحظة.

ثم قال بنبرة باردة تقطع كالحديد:

"أتعرف ما العقوبة على استخدام أيٍّ مما تجده في هذا البرج؟"

لم أجب.

"أنتم لستم في المستوى الذي يستحق ذلك.

هذه الأسلحة ليست لأمثالكم."

اقترب مني خطوة.

خطوة واحدة فقط.

لكنها كانت تكفي.

رفع يده الضخمة.

وضربني على صدري بظهر كفّه.

ليس بقوة تكسر.

بقوة تُذلّ.

"لن أقتلك.

أنت ستحمل هذا القناع على وجهك أمام الجميع.

وصمة عار لكل من يراك.

هذا أشد من الموت."

التقطت أنفاسي من الأرض.

ولم أقل شيئاً.

نظر إليّ العفريت القصير وقال بسخرية وهو يضرب على قدمه

" اللعنة ليون انت منحوس تماما ....."

جمعنا ما تبقّى من الأسلحة وانطلقنا.

كنت آخرهم.

أمشي ببطء، أتعلّل بثقل الصندوق.

الحقيقة أني لم أكن أعرف الطريق.

كنت أفكر: هل أقتلهم واهرب وحيدًا؟

أم الأفضل أن أتبعهم إلى جماعتهم حتى أفهم بشكل أفضل هذا العالم الجديد؟

في الحقيقة من الأفضل فهم هذا العالم في البداية

سرنا في الأنفاق طويلاً.

حتى وصلنا إلى نفق شاسع.

وقف العملاق أمام أحد الجدران.

ردد كلمات بصوت خافت.

انفتح جزء من الجدار.

باب سري.

دخلوا.

دخلت خلفهم.

وحين عبرت العتبة...

توقفت.

لم أستطع أن أتحرك.

لم أستطع حتى أن أتنفس.

كان ما رأيته أمامي أكبر من كل ما تخيّله هذا الجسد الصغير.

مستعمرة.

لا — مدينة بأكملها.

مدينة حفرها العفاريت في جوف الأرض، بعيدًا عن أعين البشر، بعيدًا عن الشمس، بعيدًا عن كل شيء.

الكهف الذي كنا نسير فيه لم يكن كهفًا.

كان مدخلًا.

مجرد مدخل لشيء لا يُقاس.

السقف كان بعيدًا جدًّا حتى بدا كالسماء.

سماء داكنة، تتشبّث بها تكوينات صخرية كالأنياب المعلّقة، ويتصاعد من بينها دخان أحمر قاتم كدم متجمّد في الهواء.

لم يكن هناك ضوء شمس — ولا كان يُحتاج إليه.

كانت الصخور نفسها تتّقد بلون أحمر خافت، كجمر لا يموت، يصبغ كل شيء بلون الحرب.

أمامي — حيث يمتد البصر — كانت المستعمرة.

بيوت منحوتة في الجدران الصخرية كالخلايا، طابقٌ فوق طابق، متراصّة كأسنان وحش ضخم.

الطرقات بينها ضيّقة ومتشابكة كشبكة عنكبوت حجرية، يتدفّق فيها العفاريت في كل اتجاه.

لم يكونوا بشرًا — لكنّهم كانوا يتحركون كالبشر.

يحملون، يتحدثون، يتشاجرون.

أصوات خشنة تتقاطع في الهواء الثقيل كصرير حديد على حجر.

وفي قلب كل هذا...

القلعة.

كانت تجلس في مركز المستعمرة كملك على عرشه.

بنيت من صخر أسود لا تعرف من أين جاء، أملس كالزجاج ومعتم كالليل.

أسوارها كانت عالية — عالية جدًّا — تعلوها أبراج مدبّبة تخترق السقف الصخري وتختفي في الدخان.

وعلى كل برج، كان هناك حارس.

الحراس.

لم يكونوا كالعفاريت الثلاثة الذين رافقتهم.

هؤلاء كانوا شيئًا آخر تمامًا.

أجسادهم كانت مصفّحة بدروع صُنعت — على ما يبدو — من عظام شيء ما لا أعرف اسمه.

بيضاء صفراء، متشابكة ومثبّتة بمشابك معدنية سوداء.

كل واحد منهم يمسك رمحًا طويلًا في قبضته، نهايته تشتعل بنار حمراء هادئة لا تنطفئ ولا ترتجف.

عيونهم — تلك العيون — كانت تمسح المكان بصمت مطلق.

لا تبحث عن خطر.

هي الخطر.

وعند البوابة الرئيسية للقلعة، كانوا يقفون على صفّين متقابلين.

صفّان من الحجر الحي.

لا يتكلمون، لا يتحركون، لا يتنفسون على ما يبدو.

فقط يراقبون.

تحرّكت مع مجموعتي في الطريق الضيّق نحو القلعة.

كانت نظرات العفاريت من حولنا تتجه نحونا — أو بالأحرى نحوي —

نحو القناع.

لم أكن أعرف إن كانوا يرونه بعيون الفضول أم الريبة.

لكني كنت أعرف شيئًا واحدًا:

هذا المكان لا يرحم الضعيف.

ولا يرحم الغريب.

وأنا في تلك اللحظة... كنت الاثنين معًا.

2026/06/03 · 6 مشاهدة · 929 كلمة
joker
نادي الروايات - 2026