كان المكان يغلي بضجيج يتجاوز حدود الوصف؛ فوضى معتادة داخل فصل دراسي غاب عنه معلمه، حيث تلاطمت ثرثرة الطلاب بصرخات الصبية المنبعثة من فناء المدرسة.
وسط هذا الصخب، جلس فتى بمفرده، معزولاً داخل شرنقته الخاصة. كانت عيناه مثبتتين على دفتره، بينما ينساب قلم أسود بين أنامله ليرسم على الصفحات البيضاء كياناً غريباً لا ينتمي لعالم الأحياء.
بدا المخلوق وكأنه قد نُحت من ظلال متجمدة؛ جسده طويلاً ونحيلاً إلى حد يبعث على القشعريرة، وأطرافه تنتهي بمخالب دقيقة تشبه جذور أشجار ميتة تتشبث بآخر رمق من الحياة.
ومع كل حركة مضطربة للقلم، كان الفتى ينسج رداءً أسود فضفاضاً كأنه قطعة من العتمة المتحركة، يعلوه شعر أرجواني داكن، بلون الدم القديم المتخثر، يضفي طابعاً موحشاً على هيئته.
أما الوجه، فقد استقر عليه قناع مرعب، اندماج كابوسي بين بقايا عظام مفترس ومعدن عتيق نخر فيه الصدأ، كأنه نُبش من قاع قبر مجهول.
اتخذ القناع لوناً أبيض شاحباً بملامح حادة، تبرز من جوانبه قرون مدببة تشبه شفرات الحلاقة المائلة للخلف.
وبدلاً من تجاويف العيون، شقت القناع شقوق سوداء تماماً، توحي بأن ألف عين خفية تراقبك بصمت بارد من خلف ذلك المعدن الميت.
تبادل صبيان نظرات مشوبة بالخبث، ثم انفرطت عقد ابتسامتهما عن مكيدة وشيكة.
هز أحدهما رأسه موافقاً، وخطيا بوقار زائف نحو "زينون"، ذلك الفتى الغارق في طقوس رسمه الغامضة.
كان زينون، ذو الستة عشر عاماً، يبدو كظلال باهتة في ركن الفصل؛ جسده نحيل، وشعره الأسود الفاحم ينسدل كستارة ليلية تحجب ملامحه، بينما غارت عيناه خلف هالات سوداء عميقة، تشهد على ليالٍ طوال من السهر والاضطراب.
ما إن وصلا إلى حيزه الخاص، حتى مد أحدهما يده بحركة مباغتة، واضعاً عنكبوتاً أسوداً ضخماً فوق دفتر الرسم، مباشرةً فوق جسد الكيان الذي كان يبتكره.
انخطف قلب زينون في تلك اللحظة، وتشنجت ملامحه بذعر فطري؛ أفلت القلم من أصابعه المرتجفة وتراجع بجسده إلى الخلف بعنف، حتى اصطدم بفتى كان يجلس وراءه، محاولاً الهروب من ذلك الكائن الصغير الذي اقتحم سكينته.
انفجرت ضحكة مجلجلة في أرجاء الفصل، لكنها انقطعت فجأة لتدوي بدلاً منها صرخة معدنية حادة إثر سقوط طاولة خشبية، بعد أن هوى الفتى "الأصلع" أرضاً وجسد زينون المتخبط يقبع فوقه.
تراجع الصبيان اللذان دبرا المكيدة بسرعة، وقد تبخرت شجاعتهما وحل محلها خوف حذر من غضبة ذلك الفتى الضخم.
توقفت الثرثرة الجانبية فجأة، والتفتت رؤوس الطلاب نحو المشهد، حيث ارتسمت الابتسامات الشامتة على الوجوه، وعلت القهقهات التي ملأت جنبات القاعة الساكنة.
استدار الأصلع برأسه نحو الخلف، لتلتقي عيناه المحتقنتان بنظرات زينون؛ هناك، لم تكد ملامح الذعر من العنكبوت تغادر وجه زينون حتى حلت مكانها ملامح أشد رعباً، وكأن القدر استبدل له حشرة صغيرة بكابوس بشري حقيقي.
في حركة غريزية تنم عن ذلٍّ متمكن، أشاح زينون بنظره نحو الأرض بسرعة، متجنباً التقاء الأعين، وبدأ يتراجع زحفاً على مؤخرته مبتعداً عن الغاضب الرابض أمامه.
"زينون! أيها الوغد الجبان!".. صرخ الأصلع بقوة هزت جدران الفصل، مفجراً بركاناً من الغضب.
لم ينبس زينون ببنت شفة، بل اكتفى بمواصلة تراجعه المذعور، حتى اصطدم ظهره بقدم فتى آخر كان يقف مترقباً، ينظر إليه بمزيج من التعجب والاحتقار.
انتصب الفتى الأصلع واقفاً كجدار من الغضب، ثم تقدم نحو زينون بخطوات ثقيلة وهو يتمتم بوعيد: "ما الذي فعلته للتو أيها الفاشل؟ هل تتوق لبعض الضرب؟ حسناً، سأمنحك بعضه".
كانت نظرات الشفقة تملأ بعض الوجوه، بينما اكتفى آخرون بابتسامات باردة، مستمتعين بهذا العرض المجاني.
"المسكين.. لقد أغضب مايكي!".. همست فتاة لزميلتها بنبرة يمتزج فيها القلق بالفضول.
"يا له من جبان مثير للشفقة!".. تفوه أحد الصبية من الجانب بتهكم.
بينما أردف المحرض الذي وضع العنكبوت بصوت عالٍ جذب انتباه الجميع: "كيف لبشر أن يمتلك كل هذا المقدار من الجبن؟ إنه أمر لا يكاد يصدقه عقل!".
في تلك اللحظة، التفت زينون نحو صاحب التعليق الأخير، وللحظة خاطفة قبل أن يتحدث زينون ، لمعت في عيني الفتى نظرة قسوة غريبة نحوه، وسأل بصوت متهدج: "ماذا؟".
لم يمهل "مايكي" وقتاً لزينون للتفكير، إذ انتصب أمامه كالجدار، بينما تنحى الفتى الذي كان يقف خلفه جانباً ليفسح الطريق للجلاد.
وبشكل مباغت، دوى صراخ مكتوم في أرجاء الفصل، وتراجع جسد زينون بسرعة وقوة ليرتطم بدرج صغير قرب مكتب المعلم.
كانت ركلة "مايكي" قد استقرت في بطنه بعنف، مما جعله يتقوقع على نفسه ويمسك موضع الألم بيدين مرتجفتين، بينما كانت أحشاؤه تعتصر من شدة الضربة التي خلطت موازين جسده النحيل.
"أعدها مرة أخرى وسأريك الموت أيها الوغد!".. صرخ مايكي بنبرة تقطر وحشية، وهو يقف فوق زينون الذي كان ما يزال مكومًا عند حافة الدرج.
لم يكتفِ مايكي بالوعيد، بل انحنى بجسده الضخم وقبض على خصلات شعر زينون السوداء، جارّاً رأسه للأعلى ليرغمه على النظر إليه.
كانت الدموع قد بدأت تترقرق في محاجر زينون الغائرة، وجسده ينتفض برعشات متلاحقة كعصفور يحتضر، في حين غلف الصمت أرجاء الفصل؛ صمت ثقيل لم يقطعه سوى أنفاس مايكي المتحشرجة وصوت احتكاك ملابس زينون بالأرض.
نظر مايكي باحتقار إلى تلك اليد النحيلة التي كانت لا تزال تحاول حماية البطن المصابة، ثم بصق بجانبه قائلاً: " من الأفضل أن تبتعد عن طريقي مرة أخرى وإلا سترى ما لا يسرك.
كان الفصل يراقب المشهد بذهول يمتزج بالمتعة لدى البعض، بينما كان "المحرض" يبتسم وكأنه يتلذذ بهذه اللحظة.
ترك مايكي خصلات شعر زينون بعنف، مما جعل رأس الفتى يرتطم بالأرضية ارتطاماً خفيفاً، ثم استدار عائداً إلى مقعده بخطوات واثقة، تاركاً خلفه زينون يرتجف.
بقي زينون ملقى في مكانه، وأنفاسه تخرج منه متهدجة ومصحوبة بأنين مكتوم.
بدأت الهالات السوداء حول عينيه تبدو أكثر قتامة مع شحوب وجهه المروع، بينما أخذت ضوضاء الفصل تعود تدريجياً، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن كرامة إنسان قد أُهدرت للتو ولم يحرك ذلك فيهم ساكناً.
مد زينون يده المرتجفة ببطء شديد، زاحفاً نحو طاولته بينما عينيه لم تفارق أرضية الفصل.
جمع زينون دفاتره المبعثرة وألقى بها داخل حقيبته بيدين مرتجفتين، بينما ظلت عيناه مسمرتين نحو الأسفل، عاجزاً عن مواجهة النظرات التي تلاحقه.
انتصب واقفاً بجسد واهن، وحمل حقيبته كأنه يحمل أثقال العالم فوق كتفه، واتجه نحو الباب بخطوات متعثرة تبتغي الخلاص.
وعند العتبة، كاد أن يصطدم بالمدرس الذي دلج القاعة للتو؛ فخيم سكون مطبق على الفصل في لحظة.
توقف المدرس ورمق الفتى المرتجف بنظرة فاحصة، متسائلاً بنبرة حازمة: "إلى أين أنت ذاهب يا زينون؟ الحصة لم تنتهِ بعد!".
لم يقدم زينون أي تبرير، ولم يجرؤ حتى على رفع رأسه؛ بل تجاوز المدرس في صمت مطبق، وانطلق مسرعاً في الردهة وكأن وحوشاً غير مرئية تطارده.
وقف المدرس في مكانه يراقب أثره بتعجب، وهمس لنفسه بذهول: "ما الذي دهاه؟".
خارج أسوار المدرسة، كان زينون يركض كالمجنون، مخترقاً الأزقة والأرصفة، وقلبه يدق بعنف خلف ضلعه المصاب.
لم يتوقف حتى وجد نفسه أمام منزل قديم ذي طابقين، يعلوه غبار الزمن.
لكن عيني الصبي لم تلتفتا لجمال أو قبح البناء، بل تركزت كل حواسه على صندوق البريد الخشبي المثبت عند البوابة.
بأنفاس مقطوعة، فتح الصندوق وتحسس فراغه بلهفة، ومسح داخله بيده ليتأكد من خلوه تماماً.
فجأة، استرخى جسده المتشنج، ووضع يده على صدره، وأطلق زفيراً طويلاً من أعماق رئتيه، متمتماً بصوت خافت يملؤه الارتياح: "يبدو أنني سأنجو من ذلك.. على الأقل اليوم".
دفع زينون الباب بهدوء مبالغ فيه، محاولاً التسلل إلى الداخل كأنه ظل يخشى الضوء، لكن صرير الأرضية الخشبية العتيقة كان له رأي آخر.
ومن خلف جدران المطبخ، انطلق صوت أمه الدافئ الذي قطع سكون المنزل:
"زينون.. هل هذا أنت يا حبيبي؟
فجأة ظهرت أمامه بتعجب قالت: لقد عدت باكراً اليوم هل حدث أمر ما!"
تجمد زينون في مكانه، وابتلع ريقه بصعوبة بينما كانت يده لا تزال تقبض على حمالة حقيبته التي تخفي خلفها آثار الركلة في بطنه.
نظر بسرعة إلى المرآة المعلقة في الردهة؛ وجهه الشاحب، الهالات السوداء، وشعره الفوضوي.. كان يبدو كجثة عادت لتوها من القبر.
حاول استجماع شتات صوته المرتجف، وهمس بصوت مكتوم: "نعم يا أمي.. أصبت بصداع مفاجئ، فسمح لي المدرس بالانصراف".
كذبته كانت هشة مثل جسده، لكنها كانت درعه الوحيد.
لم يكن يخشى أمه، بل كان يخشى أن تلمح في عينيه انكساره، أو أن تسأله عما حدث.
أضاف زينون مسرعاً، محاولاً انتزاع المعلومة التي كاد قلبه يتوقف انتظاراً لها، دون أن يمنحها فرصة لاستجوابه أكثر: "أمي.. هل وصلت تلك رسالة اليوم؟".
هزت الأم رأسها ببطء، وفي عينيها نظرة غامضة وهي تجيب: "لم تصل بعد.. إن كنت مصاباً حقاً، فأظنها ستطرق بابنا قريباً، أما إن كان الأمر غير ذلك، فلا أظننا سنراها".
خيمت خيبة أمل مفاجئة على ملامح زينون، وامتزجت بمرارة مكتومة وهو يبدأ بصعود الدرجات نحو الطابق العلوي، قائلاً بنبرة يملؤها العتب: "لقد أخبرتكِ يا أمي.. كان عليكِ أن تتركيني آخذ من دم أحد الأصحاء بدلاً من دمي، هكذا لم يكن ليعرف أحد إن كنت مصاباً أم لا، ولما عشت هكذا".
توقفت الأم عند طرف الدرج، ورمقت ظهر ابنها المنحني بنظرة حزينة، ثم قالت بصوت يحمل رجاءً قديماً: "بني.. عليك أن تتشجع، عليك أن تصبح مثل والدك.. لقد كان رجلاً شجاعاً ورائعاً".
عند ذكر والده، تسمر زينون في مكانه.
التفت نحوها ببطء، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة ومريرة في آن واحد، وقال: "إذن، أين هو والدي الآن؟ هل نفعته شجاعته تلك؟ لقد اختفى وتركنا لمصيرنا منذ زمن بعيد.. لا نعرف له مكاناً، ولا نعلم إن كان لا يزال يتنفس فوق هذه الأرض أم تحتها".
ترك زينون كلماته تلك معلقة في الهواء كغبار كثيف، ولم ينتظر رداً من أمه التي بقيت واقفة في أسفل الدرج، مذهولة من حدة نبرته.
واصل صعوده بخطوات ثقيلة، يجر خلفه حقيبته التي احتكت بالخشب محدثة صوتاً رتيباً يشبه أنين الضحايا.
دخل غرفته وأوصد الباب خلفه بإحكام، ثم ارتمى بكامل ثقله على سريره.
غرس وجهه في الوسادة وأطلق زفرة طويلة، محاولاً طرد صورة والده من مخيلته.
لم يمضِ الكثير من الوقت حتى اخترق سكون الحي صوت توقف شاحنة ثقيلة قرب المنزل.
انتفض زينون من فراشه بذعر وكأن صاعقة قد ضربته، وتشنجت ملامحه بخوف هستيري.
حاول الركض نحو الباب، لكن قدميه خانتاه فتعثر وسقط أرضاً؛ لم يبالِ بالألم، بل نهض بلمح البصر واندفع خارجاً من غرفته.
وبدلاً من نزول الدرج بحذر، انزلق بجسده المرتجف حتى هوى عند نهاية الدرجات مرتطماً برأسه.
استقام واقفاً بصعوبة قرب المرآة المثبتة بجانب الباب، وللحظة خاطفة التقت عيناه بانعكاس صورته؛ فتراجع للخلف برهة والذعر يتضاعف في صدره، كأنما خاف من ملامحه الشاحبة التي لم يعد يتعرف عليها.
رمقته أمه بنظرة مشدوهة وسألت بقلق: "زينون! هل سقطت من فوق الدرج؟".
لم ينبس ببنت شفة،
بل اتجه بنظراته نحو الباب بنية فتحه،
لكن الباب انفتح من تلقاء نفسه قبل أن تصل يده إليه.
دلج إلى الداخل توأمان يبلغان من العمر أربعة عشر عاماً، تملأ الحيوية ملامحهما، لكن عين زينون لم تبصر وجهيهما، بل تسمرت في رعب مطلق على تلك الرسالة الرسمية التي كانت تقبع في يد الفتى.
كانت رسالة تحتوي على رمز خاص يعرفه اتم المعرفة كان شعار طبي عبارة عن ثعبان ملتف حول نصل مكسور**. كان اللون الأسود للشعار يبدو وكأنه ينزف فوق الورقة البيضاء.
خطف زينون الرسالة بقوة بربرية من يد الفتى، متجاهلاً نظرات التعجب والارتباك التي ارتسمت على وجهي التوأمين.
لم يمتلك الصبر لفتحها بوقار أو حذر؛ بل مزق غشاءها الورقي بأصابع مرتعشة، وكأنه يمزق كفناً يحيط بعنقه.
نشر الورقة أمامه مباشرة، واستقرت عيناه الغائرتان على تلك الكلمات الباردة التي نُقشت بخط أسود حاد، وكأنها نصل يغرس في قلبه:
"مرحباً زينون... لقد تم تشخيصك بمرض قاتل، قريبا سيبدأ واقعك بالانهيار."
نهاية الفصل