كان الشاب النحيف شاحب المظهر يستلقي فوق سرير فاخر ويحدق بوجه باهتٍ في السقف أعلاه.

وكانت امرأةٌ في منتصف العمر ذات ملامح قريبةٍ من ملامحه، رغم أنها بدت أكثر صحةً منه، تقف باب الغرفة متوسطة الحجم.

كانت المرأة عابسةً وهي تنظر نحو الفتى ذو الملامح الفارغة. «ڤاليريان؟ لقد كنتُ أتحدث إليك منذ دقائق دون استجابة! هل تستمع إليّ حتى؟!»

عند سماع نبرتها الناقدة، بدا أن الفتى، ڤاليريان، قد استفاق من شروده. أنزل رأسه ونهض ببطء ليواجه المرأة بعيون مرتبكة.

«آه، آسف...لقد كنتُ شاردًا في أمرٍ ما...أعتذر.»

لانت ملامح المرأة قليلًا عند سماع اعتذاره، ثم اقتربت لتجلس إلى جواره. مدت يدها وربتت على يده الموضوعة في حجره بمودة.

«لا عليكَ يا صغيري، أدرِكُ أن ما مررتٕ به ليس سهلًا. ولكن يجبُ عليكَ المضيّ قدمًا في النهاية. أنا قلقةٌ عليك من البقاء وحيدًا في هذا العالم الخطير.» اهتزت نبرتها في نهاية حديثها، ما جعل جسد الفتى يتوتر قليلًا.

كان الفتى ڤاليريان يشعر بمزيجٍ هائلٍ من المشاعر المتضاربة في هذه اللحظة، كانت الحيرة والارتباك هي المشاعر الغالبة، ولكنه لا ينكر أن رؤية تلك المرأة قد أصابته بحزن وشوقٍ عميقين.

والسبب في ذلك أنه، وقبل نصف ساعة فقط كان يعتقد أنه قد مات، ووجوده في هذا المكان شيء مثل الاستراحة التي تسبق أيًا كان ما سيأتي بعد الموت. ولكن، بمرور الدقائق، أصبح الوضع أكثر وضوحًا وواقعية، أكثر من أن يكون محض هلوسةٍ أو شيئًا غير ماديّ. كان حيًا في الحقيقة، كان يشعر بالألم والإجهاد، حتى أنه قام بقضاء حاجته قبل قليل.

ولكن، إن كان حيًا فلماذا لا يبدو المنزل مثل منزله؟ ولماذا يبدو هو نفسه مختلفًا؟ كان الفتى الذي رآه عندما نظر إلى المرآة لا يشبهه في أيّ شيء سوى العينين الذهبيتين ذات البؤبؤ الهلاليّ القرمزيّ. كانت عيناه في كلا الجسدين غريبتين، وفي حياته القصيرة كان مثار نفور وسخرية بسببها.

كان ڤاليريان يتذكر نفسه مراهقًا عاديّ الشكل، ذو شعر أسود قصير، وجسد نحيف باهت أنهكه المرض، والآن، رغم أنه شعر بجسده أكثر صحةً من قبل، إلا أنه كان ما يزال يشعر بإرهاقٍ خافتٍ، وألم في عضلاته كلما تحرك.

ومع ذلك كله، كانت صدمته الأكبر في المرأة التي دلفت إلى غرفته فجأةً، وجعلته يعود للتفكير في أنه ربما كان قد مات حقًا.

كانت المرأة هي أمه التي فارقت الحياة قبله بسنواتٍ قليلة، ورغم أنها بدت أكثر حيوية وجمالًا هنا، إلا أنه لن يخطئها أبدًا. كانت المرأة أمه حقًا، ومع ذلك، كانت تتحدث معه في أشياء عجيبةٍ كالسحر وطقوس الإيقاظ والوحوش، أشياء أغرب من استيعابه في هذه المرحلة!

ولكن، عندما كان على وشك الانفجار من حيرته، تدفقت في ذهنه ذكريات لا تخصه ولا يعرف عنها شيئًا، تسببت في ألمٍ لا يطاق، كانت تلك الذكريات تشبه دبابيس حادةٍ يتم غرسها بعمق داخل رأسه.

فزعت والدته حينما رأته يمسك برأسه ويئن في ألم. «ڤاليريان؟ ڤال! ما الذي يحدث لك؟!»

أمسكت بكتفيه، وحاولت حثه على النظر إليها، ولكنه كان مغمورًا في الألم لدرجة أن صوتها لم يصل إليه حتى.

«ڤاليريان؟ هل تسمعني؟!» نادته مجددًا، والقلق يغمرها، ولما لم تحصل على إجابةٍ مهما حاولت، نهضت مسرعة لتغادر الغرفة بحثًا عن شيء ما، بينما تكور ڤاليريان على نفسه فوق السرير والعرق يغمره من رأسه حتى قدميه.

كان الألم الذي يعايشه الآن شيئًا يمكنه دفع المرأ إلى حافة الجنون، وحتى بالنسبة لڤاليريان الذي عاش آخر سنتين من حياته في ألم لا يُحتمل، شعر أنه يكاد يفقد عقله مع كل ثانية تمر.

في النهاية، فقد ڤاليريان وعيه حتى يهرب من ذلك الألم الرهيب. ولكنه بدل أن يغرق في عالمٍ فارغ، وجد نفسه يسقط فوق يابسةٍ جرداء.

غاب الألم، ولكنه مع ذلك لم يتخلص من الشعور غير المريح بالثقل في رأسه.

استمرّ في الاستلقاء فوق الرمل الرطب، وحدق في السماء الزرقاء الخالية من أيّ شمس. وبينما يفعل ذلك، بدأ يستوعب ببطء تلك الذكريات، ذكريات الجسد الجديد تداخلت ببطء مع ذكريات حياته الماضية.

كان ڤاليريان قد عاش طفولةً سعيدةً إلى حدٍ ما، بين أمٍ محبةٍ، وأختٍ لم تكُن أقل من أمٍ ثانية له، كان فارق العمر بينه وبين أخته كبيرٌ نسبيًا، ورغم أنها لم تكن أخته الشقيقة؛ فقد كان أبواهما مختلفان، إلا أنها قد أغتدقته بحبٍ ورعايةٍ غير مشروطين.

لم يختلف ذلك كثيرًا بالنسبة لحياة صاحب هذا الجسد الجديد. في الحالتين كان لديه أم وأختٌ أكبر سنًا، وفي الحالين كان الأب مجهولٌ بالنسبة له.

في حياته السابقة، اعتاد السؤال عن والده، وكان جواب أمه الدائم له أنه قد سافر في رحلةٍ طويلة، ولكنه سيعود ذات يوم. وعندما كبر ڤاليريان بما يكفي، توقف عن السؤال لأنه عرف بنفسه أن والده المزعوم لم يسافر إلى أيّ مكان، الأمر فقط أنه تخلى عنهما وهرب. بالنسبة لوالد أخته الكبرى "ليلى" فقد مات عندما كانت صغيرة. ولم يختلف ذلك أيضًا في هذه الحياة.

كان الزوج الأول لأمه قد مات قبل سنوات، ولكن الفرق أنه في الحياة السابقة قد مات في حادث سير، بينما في هذه الحياة مات الرجل المسكين في إحدى الحملات على الوحوش، حيث كان صيادًا.

رمش ڤاليريان قليلًا عند هذه النقطة.

«وحوش...صياد...» همس بصوتٍ خافت، وبينما تغمره ذكرياتٌ أكثر بشأن عائلته وطبيعة هذا العالم الجديد، اسودّ وجهه أكثر فأكثر.

كان كلّ شيء يتذكره، رغم غرابته، مألوفٌ له بطريقةٍ عجيبة. فهذا العالم بأكمله يطابق عالم روايةٍ كان قد قرأها قبل اشتداد مرضه بفترةٍ قصيرة، ثم موته بعد ذلك واستيقاظه في هذا العالم.

في حياته السابقة، عندما بلغ الثانية عشرة من عمره، ماتت أمه بسبب مرضٍ عضالٍ ألمّ بها وعذبها لسنوات، ولسوء حظه، فبعد موتها بسنتين، أصابه المرض ذاته ولازمه لسنوات حتى مات في النهاية قبل عيد مولده الثامن عشر بأشهر قليلة. كان ذلك المرض الرهيب غامضًا ومجهولًا حتى للأطباء الأكثر شهرة، ومات ڤاليريان في النهاية كما ماتت أمه دون أن يستطيع أحدٌ تشخيصه بشكلٍ صحيح.

ندمه الوحيد هو أخته التي عانت معه لسنوات، وفي النهاية تركها وحيدةً لتواجه العالم.

تنهّد ڤاليريان وهو يفكر. «على الأقل تخلصت من العبء الذي أثقل كاهلها لسنوات.» وكان يقصد نفسه بذلك العبء.

على كل حال، كان مرض ڤاليريان الذي أقعده في الفراش لسنوات، قد ترك له القليل من الأشياء. ليفعلها، والكثير من الوقت الفارغ، وبسبب شعوره الدائم بالعجز، كان ڤاليريان قد تعلّم بالطريقة الصعبة كيف يكون واقعيًا ويتوقف عن التأمل بشأن أشياء كثيرة، ومع ذلك، أحيانًا، كان ينشغل بقراءة بعض الروايات الخيالية حيث يمكنه أن يجمح بفكره بعيدًا ويضع نفسه مكان أولئك الأبطال المبتذلون الذين يقهرون الصعاب وينقذون الجميلات.

رغم أن ذلك لم يكن لوقت طويل، ولكنه كان يعطيه شعورًا مؤقتًا بالنشوة والرضا عن الذات.

كانت إحدى تلك الروايات هي روايةٌ خياليةٌ تدعى "عودة سيد السيف في عصر الكارثة" وهي رواية ويب كلاسيكية عن سيافٍ قويّ من عصر فنون القتال يعادُ تجسيده في عالمٍ حديث يواجه الفناء على يد غزو الوحوش.

كانت روايةً طويلة تتجاوز فصولها الألفين، ولم تكُن حتى قد انتهت، ولكن ذلك لم يكُن يهـم كثيرًا لأن ڤاليريان كان قد توقف بعد الفصل الألف بقليل.

«إذًا، فقد انتقلتُ إلى روايةٍ حقًا! يبدو أنني لم أكُن أحمق بالكامل.» تمتم لنفسه بصوت خافت، بعد ذلك حاول النهوض بصعوبة لاستكشاف محيطه. «ولكن، أين أنا الآن؟»

بعد أن استعاد تركيزه بما يكفي، أدرك ڤاليريان غرابة المكان الذي كان فيه. كانت الأرض أسفله تبدو وكأنها صحراء قاحلة، ولكن عند تدقيقه، وجد أنها لم تكُن حتى أرضًا مادية.

كان الملمس الناعم والرطب أسفل جسده لا يبدو مثل ملمس الرمال حقًا، كان أقرب لملس سائل، ولكنه كان أخف من الماء، مع ذلك، بدا وكأن ڤاليريان يطفو فوقه دون أيّ جهد، حتى ثيابه ويده لم يتأثرا بهذا السائل الذهبي العجيب.

[دينغ!]

[اكتشفتَ "ملاذ الانبعاث"]

بينما كان ڤاليريان غارقًا في الأسئلة، رن الصوت الآليّ البارد في ذهنه، ثم طفت نافذةٌ حمراء أمام وجهه.

«ملاذ الانبعاث؟! ما هذا؟!» ازدادت حيرة ڤاليريان أكثر، لم يساعده هذا الاسم كثيرًا. «مهلًا! أهذه نافذة نظام؟!»

استوعب ڤاليريان أخيرًا أن النافذة التي كانت تطفو أمام وجهه الآن كانت بالفعل واجهة نظام!

كان النظام موجودًا في هذا العالم، ولكنه كان أيضًا شيئًا ليس من المفترض أن يملكه إلا الصياد، ولكي يصبح المرأُ صيادًا في هذا العالم كان عليه أن يحقق بعض الشروط أولًا، والتي كان ڤاليريان يعلم، من خلال ذكريات هذا الجسد على الأقل، أنه ليس قريبًا حتى من تحقيقها!

في هذا العالم، كان السحر سائدًا بشكلٍ طبيعيّ، ولكي يصبح الشخص صيادًا، كان عليه أولًا أن يملك رابطًا فطريًا مع المانا، والمانا هي نواة القوة السحرية، مادة أثيرية موجودة في كل مكان.

في العادة يمكنُ للشخص أن يوقظ إحساسه بالمانا بين الخامسة عشر إلى العشرين، وكان ڤاليريان الحاليّ قد بلغ للتو السابعة عشر من عمره، ومع ذلك لم يكن قادرًا حتى على استشعار المانا، فضلًا عن أن يصبح صيادًا.

انتابته فكرةٌ ما، فرفع رأسه وتمتم. «نافذة الحالة»

[دينغ!]

╔════════════════════════╗

**《 الحالة 》**

╚════════════════════════╝

الاسم:

ڤاليريان كروڤاين

العمر: 17

السلالة: [الشروط غير مُحقّقة]

الفئة: ~~E~~[غير مصنف]

المستوى: 0

الألقاب:

— لا توجد —

══════════════════════════

[ الخصائص ]

القوة : 5

التحمل : 4

السرعة : 7

الإدراك : 20

سعة المانا : [لم تتحقق الشروط]

══════════════════════════

[ المهارات ]

■ الرابطة العميقة (???.Lv) [غير مفعّلة]

■؟؟؟؟ [غير مفعّلة]

══════════════════════════

زفر ڤاليريان بصدمة فيما يحدق في المشهد غير الواقعيّ أمامه. كان كل شيء من حوله غير واقعيّ بالفعل، ولكن رؤية النافذة الشفافة أمام تطفو أمام وجهه أثار في نفسه حماسًا كان قد دفنه لسنوات.

ومع ذلك، شعر أيضًا بالحذر. كان ڤاليريان محبًا للمغامرة عندما كان طفلًا، وقد عززت تلك الروايات المبتذلة ذلك الجانب بشكلٍ ما، ولكنه أيضًا كان شخصًا قد تعلم أن يواجه الواقع ويتخلص من الطموح الساذج. إذا كان هذا العالم حقيقيًا، وإذا كان قد انتقل بالفعل إليه، فهذا يعني أيضًا أنه سيكون في مواجهةٍ مستمرةٍ مع المخاطر، وربما يموت حتى.

لم يكره ڤاليريان الموت بقدر ما كره الشعور الدائم بالعجز تحت وطأة الآلام المسمرة، والانتظار اليائس لليوم الذي سيموت فيه.

لهذا السبب بالذات، قمع حماسه الأهوج، ودرس تلك الواجهة القرمزية التي تطفو أمام وجهه بتمعُّن.

برؤية نافذة الحالة تأكدت شكوكه بأن مصدر نظامه ونظام الصيادين الذي عرفه واحد، باختلاف أن الخيارات في نظامه كانت محدودة للغاية، وهذا يرجع في الأساس إلى حقيقة أنه لم يكُن صيادًا بعد.

ولكن أكثر ما لفت نظره أن خانة المهارات التي يفترض أن تكون فارغة، لم تُكن كذلك!

══════════════════════════

[ المهارات ]

■ الرابطة العميقة (???.Lv) [غير مفعّلة]

■؟؟؟؟ [غير مفعلة]

══════════════════════════

لا يجب أن تكون المهارات [غير مفعلة]، بل لا يجبُ أن توجد من الأساس! فلا أحد يولد بمهاراتٍ من العدم، كان على المرأ أن يبذل الدماء والعرق بعد إيقاظه للحصول على مهارةٍ لائقةٍ واحدة، بينما كان هو يملك اثنان منهما دون أن يستيقظ حتى!

«يبدو أن صاحب هذا الجسد يملك سلالةً غير عادية.» فكر ڤاليريان باهتمام فيما يحاول تذكّر شخصًا يملك اسم ڤاليريان كروڤاين بين شخصيات الرواية، ورغم أنه وجد اللقب مألوفًا بعض الشيء إلا أنه لم يستطع إيجاد أيّ شيء مفيد، وهذا يعني أنه، إما لم يكن موجودًا، أو لم يكن شخصيةً ذات أهمية.

تنهد، وصرف ذهنه عن ذلك في الوقت الحالي.

«لنعُد إلى حيث كنا، أين هذا المكان؟» نهض ڤاليريان وأخذ يتلفت حوله بحثًا عن أيّ شيءٍ مفيد. ولكن مهما نظر، لم يكن هنالك اختلاف، كان النهر الذهبي الغامض تحت قدميه يمتد على مرمى بصره.

══════════════════════════

> [**ملاذ الانبعاث**]

- مساحةٌ خياليّةٌ تحتوي بعضًا من أسرار أرض التناسُخ الأسطورية، البقاء فيها لبعض الوقت يملكُ تأثيرًا مدهشًا على الروح.

══════════════════════════

اندهش ڤاليريان أكثر بقراءة ذلك، فقد علم أن الأماكن التي يمكنها التأثير على الروح شديدة الندرة، على الأرض، ولكنه استطاع الوصول لأحدها بمجرد وصوله؟ أليس هذا ما يسمونه غشًا؟

كانت الروح مفهومًا مراوغًا للغاية بالنسبة للكثيرين، وقبل موته، لم يؤمن ڤاليريان بوجودها صراحةً. ولكن في هذا العالم، ورغم أنها ما تزال شيئًا غامضًا يصعُب فهمه، إلا أن تأثيرها كان ماديًا لدرجةٍ تجعل التشكيك في وجودها لا يعدو كونه حماقة.

فقد كانت الروح هي أساس الفرد، وهي التي تحدد إمكانياته كصياد، فكلما كانت روح المرأ قوية، كانت إمكانياته أفضل، وكلما ازداد توافق روح المرأ مع جسده، ازدادت إمكانياته أكثر. ومع ذلك، كانت معرفة كل ذلك شيء، وتطبيقه شيئًا آخر تمامًا؛ فتلك الموارد التي يمكنها رفع كفاءة الروح أو زيادة التوافق كانت شديدة الندرة، وحتى لو وُجدت، فهي لا تُقدّر بثمن. لذا كان الحصول عليها ضربًا من الخيال بالنسبة لغالبية البشر.

هذا وحده يجعل وجود ڤاليريان هنا أكثر سريالية.

«آه، على الأقل لستُ ميتًا.» تنهد ڤاليريان براحة، وتجاهل أيّ شيء آخر. «بما أنني هنا، فلنستكشف هذا المكان الأسطوريّ. ربما أجدُ مفتاح غشٍّ آخر.» ضحك في سرّه، ثم اختار طريقًا عشوائيًا وسار فيه، ولكن بعد فترة من السير غير المُجدي، بدأ يشعر بصعوبة متزايدةٍ في المشي، وكأنه ساقيه كانتا تغوصان في الطين شيئًا فشيئًا.

«بحق الجحيم!» لعن ڤاليريان فيما يلهث ويمسح العرق الوهميّ عن جبهته، ثم توقف.

«لنجرّب طريقًا آخر.» استدار بعد ذلك، ثم شرع في السير عكس مساره السابق. ولأن كل شيء من حوله بدا متشابهًا، شكّ ڤاليريان إن كان يسير حقًا في طريق، أم أنه يتحرك فقط في مكانه.

ومع ذلك، أتته الإجابة بعد بضع دقائق، إذ رأى في الأفق البعيد جبلًا ذهبيًا غريبًا يشبه المسلة، وعندما دقق النظر رأى أن جسمًا كرويًا أبيض لامعًا يطفو فوقه بسكون.

تنهد ڤاليريان حين رأى أخيرًا منظرًا مختلفًا في هذا الفضاء العجيب، وقرر السير نحو الجبل لعله يجد دليلًا.

بعد فترة من السير، ورغم أنه لم يقابل أي ضغط في مسيره هذه المرة، إلا أن شعوره بعدم الارتياح كان يزداد مع كل خطوة. كان النظر إلى تلك الكرة الهائلة مُربكًا، إذ جعلها الخط الأسود الهلالي في منتصفها تبدو مثل عين نصف مغمضة.

في النهاية، توقف ڤاليريان مجددًا ليفكر أكثر فيما إذا كان السير في هذا الطريق خيارًا حكيمًا.

وكأن تلك الكرة قد شعرت بتردّده، اهتزت ببطء، مما تسبب في ارتعاش النهر الهادئ تحت قدميه، وشكل أمواجًا بسيطة، ومع ذلك، مرت تلك الأمواج تحت قدمي ڤاليريان العاريتين دون ترك أثر، ولم يشعر سوى باهتزاز خافت.

بعد ذلك، بدأ الخط الأسود المائل يتسع لأعلى ولأسفل، أمام أنظار ڤاليريان المذعور.

مع اتساع الفجوة أكثر، أصبحت طبيعة الكرة أكثر وضوحًا.

نظر ڤاليريان إلى الليل الحالك الذي تنتشر فيه مليارات النجوم المضيئة، ويتوسطه شمسٌ صفراء محمرّة، شمسٌ زاهيةٌ وآسرة.

كانت الكرة لا شيء سوى عين...عينٌ غريبةٌ ومثيرةٌ للارتباك.

دارت القزحية الذهبية قليلًا قبل أن تستقر، وعرف ڤاليريان غريزيًا أنها قد استقرّت عليه. كان ذلك لأنه في تلك اللحظة القصيرة، شعر بضغطٍ ساحقٍ يقع على جسده جعل حتى التنفس عمليةً شاقة.

[تنبيه!]

╔════════════════════════╗

《 تحذير 》

╚════════════════════════╝

(؟؟؟) ينظر إليك! يوصى بالمغادرة فورًا!

══════════════════════════

شتم ڤاليريان في سره، وشعر بالضغط يكاد يسحقه. «كنت سأغادر إذا استطعت أيها اللعين.»

╔════════════════════════╗

《 تنبيه 》

╚════════════════════════╝

لم يكُن المضيفُ في حالة ذهنيةٍ مستقرّة لذا تم تقييد صلاحية المغادرة مؤقتًا. يمكن للمضيف المغادرة من الأماكن التي لا تخضعُ للتقييد المكانيّ طالما أراد.

══════════════════════════

قرأ ڤاليريان الملاحظة على عجل قبل أن يصرخ بأقصى ما استطاع. «أخرجني من هنا بحق اللعنة!»

بمجرد انتهائه، اختفى ڤاليريان من المكان الذي يقف. فيه فجأةً، وعن

دما رأت العين الغامضة أن هدفها لم يعُد موجودًا، فقدت الاهتمام وعادت للانغلاق ببطء من جديد.

شيئًا فشيئًا، توقفت الأمواج، وعاد الفضاء الكئيب إلى سكونه من جديد.

2026/05/18 · 4 مشاهدة · 2333 كلمة
Prince
نادي الروايات - 2026