اللهم إني أعوذ بك من كثرة التفكير وقلة الحيلة، أعوذ بك من غصة القلب وضيق النفس وبكاء الروح، اللهم اجبر خاطري جبرًا أنتَ وليه، واسألك يارب أن تستقيم حياتي وأن لا أضيع في زحام الطريق

※استمتعوا※

🦋---------------🦋

لم يُبنَ قصر فالروك ليحتضن الحب.

كان صرحا رماديا شامخًا، يتوازن على قمة تلة صخرية تعصف بها رياح الشمال، محاطًا بغابات كثيفة تبدو سوداء في الليل.

نوافذه الطويلة الضيقة تراقب الأفق بعيون باردة لا تطرف، وأبراجه العالية تثقب السماء كحراب منصوبة.

حين تهب الريح من الجبال، يصفر بين شقوق الحجارة صوت يشبه الأنين ربما كان أنين كل من عاشوا هنا قبلاً.

في المساء، كانت القاعة الكبرى تتوهج بعشرات الشموع المعلقة في ثريا حديدية ضخمة.

النيران ترقص على جدران حجرية تزينها دروع العائلة وسيوف الأجداد، فترسم ظلالاً تتحرك وكأن الماضي لا يزال حياً يراقب.

كان النبلاء يتهامسون خلف مراوحهم المزركشة، يبتسمون ابتسامات محسوبة بدقة تلك الابتسامات التي لا تعني شيئًا سوى أنهم يعرفون وزنهم في الغرفة. والخدم ينسلون بين الطاولات كظلال بشرية، يحملون أطباق الفضة دون أن يصدر صوت أقدامهم أدنى حفيف.

لم يأتِ أحد إلى هنا من أجل الحب ، جاء الجميع من أجل التحالف.

في نهاية القاعة الطويلة، وقفت فتاة لا يتجاوز عمرها التاسعة عشرة.

فستانها أبيض كلون العاج، مطرز على الصدرية والأكمام بخيوط فضية تلمع كأنها قطرات ندى متجمدة.

كان الفستان ثقيلاً أثقل مما توقعت والقماش الناعم يضغط على كتفيها وكأنه يذكّرها باستمرار بثقل هذه الليلة.

شعرها الذهبي الطويل، الذي اعتادت أن تتركه منسدلاً كشلال من الضوء في أيام منزلها، كان الليلة مشدودًا إلى الخلف بتسريحة معقدة، تتخللها خصلات مرصعة بلآلئ صغيرة، ثم ينساب في تموجات ناعمة على كتفيها.

كانت أسينا ألدير.

لم يكن جمالها من ذلك النوع الجمال الصارخ . كان جمالها هادئًا رقيقًا كأول ضوء للفجر. بشرتها تشبه الخزف الأبيض الشفاف، وعيناها الرماديتان الواسعتان تلمعان في ضوء الشموع كأنهما تعكسان سماءً عاصفة.

كانت تمسك بطرف فستانها بكلتا يديها. أصابعها ترتجف قليلاً ارتجافة خفيفة حاولت إخفاءها بشد القماش بقوة. كانت تنظر حولها إلى كل الوجوه الغريبة، إلى كل العيون التي تفحصها من بعيد كأنها سلعة ثمينة يتم تقييمها.

كل شيء بدا كبيرًا جدًا، باردًا جدًا وغريبًا عنها.

اقترب منها والدها دون أن يُصدر صوتًا يُذكر.

اللورد رافائيل ألدير كان رجلاً طويلاً، شعره الرمادي يخف على الجانبين، ونظراته الحادة تجعل الخدم يتجنبون المرور بقربه. لم ينظر إليها حين وقف إلى جوارها، بل ظل يراقب القاعة بعينين ضيقتين، كقائد يتفقد ساحة معركة.

قال بصوت منخفض، لا يسمعه سواها

" ارفعي رأسك قليلاً. أنتِ عروس الكونت الآن."

ابتلعت أسينا ريقها. شعرت بغصة في حلقها تكاد تخنقها.

"نعم... أبي."

كانت تحاول جاهدة أن تبدو هادئة. أن تكون الفتاة التي تريد عائلتها أن تكونها. لكن قلبها كان يخفق بسرعة مؤلمة، وكأنه يحاول الهرب من صدرها.

لم تكن تعرف زوجها ,لم تتحدث معه أكثر من بضع كلمات عابرة في حياتها كلها.

قبل شهرين فقط، وصل خطاب رسمي إلى قصر عائلتها. كان مختومًا بشمع أحمر يحمل ختم عائلة فالروك الصقر والغصن. أعلن الخطاب رغبة كونت الشمال، إدريان فالروك ، في عقد زواج يربط العائلتين.

لم يسألها أحد إن كانت توافق ، لم يكن ذلك ضروريًا.

في اليوم التالي لوصول الخطاب، استدعاها والدها إلى مكتبه. كان جالسًا خلف مكتبه الضخم من خشب البلوط، يقرأ وثائق وهو يقول ببرود

"هذا شرف كبير لعائلتنا."

ثم رفع عينيه إليها للحظة ، نظرة باردة خالية من أي عاطفة وأضاف

"لا تفسدي الأمر."

هكذا انتهى الحديث و هكذا تقرر مصيرها.

رفعت أسينا رأسها عندما شعرت بتغير الهمسات في القاعة.

دخل الكونت إدريان فالروك من الباب الرئيسي، ومشى في الممر الطويل بين الطاولات وكأنه يسير في أرض معركة.

كان أطول من معظم الرجال في القاعة، وأعرض كتفًا. كان يرتدي معطفًا أسود مطرزًا بخيوط فضية على الياقة والأكمام نفس لون خيوط فستانها، ربما عن قصد. سيف طويل معلق عند خصره، وكأن حتى حفل زفافه لا يجعله ينسى أنه رجل حرب قبل أي شيء آخر.

شعره الكستنائي الداكن كان طويلاً قليلاً، يلامس مؤخرة عنقه ويتطاير بخفة مع تيارات الهواء الباردة التي تدخل من الأبواب المفتوحة.

كانت ملامحه حادة فك قوي، أنف مستقيم، وحواجب كثيفة تجعل نظراته تبدو أعمق وأكثر قسوة.

لم يكن وسيمًا بالمعنى الناعم للكلمة. كان وسيمًا بطريقة خطيرة. كسيف مصقول، أو كعاصفة تقترب من الأفق.

توقفت خطواته عندما وصل أمامها ،و للحظة واحدة فقط التقت عيناه بعينيها.

تجمدت أسينا في مكانها. شعرت للحظة وكأن الهواء في القاعة تلاشى فجأة، وكأن كل الشموع انطفأت في عينيها وبقيت عيناه فقط.

لم يكن في نظرته دفء ولا فضول ولا حتى عداء. كان ينظر إليها كما ينظر المرء إلى... واجب. إلى مهمة يجب إنجازها. إلى قطعة في رقعة شطرنج كبيرة.

خفضت عينيها بسرعة. شعرت بوجهها يحترق خجلاً .

***

بدأت المراسم. الكاهن رجل عجوز يرتدي ثيابًا بيضاء قرأ الكلمات المقدسة بصوت رتيب. الكلمات كانت تمر فوق رأس أسينا دون أن تستقر في عقلها. كانت تسمعها، لكن معناها كان يضيع في زحمة الأفكار التي تتزاحم في رأسها.

النبلاء كانوا يراقبون بصمت. بعضهم يبتسم ابتسامات مصطنعة، وبعضهم يهمس لجاره خلف يده.

الخدم يضيفون المزيد من الشموع كلما تذوب القديمة، في ضوء أصفر يرقص على الجدران.

كان كل ما شعرت به في تلك اللحظات هو ثقل الخاتم البارد عندما وضعه إدريان في إصبعها. أصابعه لمست يدها للحظة كانت دافئة، أقوى مما توقعت ثم ابتعدت سريعًا.

لم يمسك يدها أكثر من اللازم ولم يبتسم لها ولم يقل شيئًا. ثم أعلن الكاهن أخيرًا، رافعًا يديه نحو السقف

" باسم العهد المقدس... أعلن اتحادكما زوجًا وزوجة."

همسات خفيفة ارتفعت في القاعة. بعض التصفيق المحدود تلك التصفيقات المهذبة التي تلي نهاية عرض مسرحي.

بدأت الموسيقى تعزف في الخلفية آلات وترية تعزف لحنًا تقليديًا لحفلات الزفاف. كان اللحن جميلاً، حزينًا بعض الشيء، وكأن الموسيقى وحدها تعترف بأن لا أحد في هذه القاعة سعيد حقًا.

في وسط الضجيج الخافت، رفعت أسينا عينيها نحو زوجها الجديد.

كان ينظر بعيدًا عنها ،نحو أحد النوافذ الطويلة في أقصى القاعة ، نحو الظلام الخارجي ، شيء لا تراه هي.

كانت نظراته شاردَة، حالمة تقريبًا، وكأنه يعيش في مكان آخر. وكأن هذه اللحظة ،لحظة زواجه لا تعني له شيئًا مقارنة بما يراه في خياله خلف تلك النوافذ.

شعرت أسينا بشيء يخترق صدرها. كإبرة باردة.

يتبع…

🦋--------------------🦋

سبحان الله وبحمده 🍒 سبحان الله العظيم🍒 استغفر الله واتوب اليه 🍒

تمت الترجمة | الكتابة بواسطة لونا 🎀

*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات ، ديلار :luna_aj7

*حسابي على الانستغرام :

luna.aj7

2026/03/07 · 4 مشاهدة · 1001 كلمة
luna_aj7
نادي الروايات - 2026