الفصل 32: من هو ايتاشي؟
『RYON 』
استمتعوا~~~
---
كان السكون يلف مهجع مدرسة الجوجوتسو في طوكيو، حيث يتسسل ضوء القمر الخافت عبر الستائر. في تلك الغرفة، كان "يوكيهارا رين" غارقاً في النوم، لكن عقله لم يكن هناك. لقد عبرت روحه حدود الزمان والمكان، لتعود به إلى أيام كانت فيها الشمس أكثر دفئاً، والعشب أكثر اخضراراً.
في الحلم، عاد رين ليكون ذلك الطفل ذا الست سنوات.
كان يجر قدميه ببطء نحو المنزل الخشبي الصغير، وجسده يصرخ من الألم. كل عضلة، كل عظمة كانت تئن تحت وطأة التدريب الجهنمي الذي فرضه "النظام" على جسده الصغير.
"لقد عدت..." تمتم بصوت مبحوح وهو يفتح الباب.
بمجرد دخوله، استقبلته رائحة حساء الميسو الدافئة، ووجه والدته "يومي" الذي كان مزيجاً مرعباً بين القلق والغضب. كانت تقف هناك، ممسكة بملعقة خشبية وكأنها سيف نيشيرين، وتشير بها نحو النافذة حيث بدأت الشمس بالمغيب.
"رين!" صرخت يومي بنبرة جعلته يقفز في مكانه رغم تعبه. "هل نظرت إلى السماء؟ الشمس تغرب! هل كنت تخطط للمبيت مع الدببة في الغابة؟ قلبي كاد يتوقف من القلق أيها الشقي!"
رفع رين يديه باستسلام، وحاول رسم ابتسامة بريئة على وجهه المتسخ بالطين: "آسف يا أمي، لقد انغمست في... تأمل الطبيعة؟"
"تأمل الطبيعة وأنت مغطى بالكدمات؟" تنهدت يومي، وتحولت نظرتها من الغضب إلى الحنان في لحظة.
اقتربت منه ومسحت الطين عن خده بطرف كمها. "يا إلهي، انظر إليك.. اذهب للاستحمام فوراً، العشاء جاهز بالفعل."
"حاضر سيدتي!" صرخ رين بينما يجري بسرعة، وكان ارهاقه اختفى وقتها.
بعد وجبة عشاء دافئة، حيث كان صراخ يومي المضحك على رين لأنه يأكل بسرعة يملأ المكان، اقتربت منه أخته الصغيرة "ساكورا". كانت عيناها تلمعان ببريق من الأمل، وتمسك بدمية قماشية لطيفة.
"أخي.." قالت بصوت ناعم، وهي تشد طرف كم الكيمونو الخاص به. "هل تلعب معي الآن؟ لقد وعدتني أنك ستمثل دور الأمير عندما نلعب مجدداً!"
نظر رين إليها. كان يود ذلك، حقاً يود ذلك. لكن جسده كان ثقيلاً، وجفونه تزن أطناناً. التدريب اليوم كان قاسياً لدرجة أنه بالكاد يستطيع رفع ذراعه.
ابتسم رين، تلك الابتسامة الهادئة التي تخفي خلفها الكثير. رفع يده ببطء، وبحركة انسيابية، جمع إصبعيه السبابة والوسطى، ونقر برفق على جبهة ساكورا.
"آسف يا ساكورا..." همس بصوت دافئ، وعيناه تحملان اعتذاراً عميقاً. "في وقت لاحق يا صغيرتي."
رمشت ساكورا باستغراب وهي تلمس جبهتها، قبل أن تبتسم ابتسامة عريضة: "حسناً! عدني بذلك!"
"اعدك، انا لست ايتاشي..." قال رين بابتسامة ساخرة.
"من هو ايتاشي؟" سألت ساكورا بفضول، فضول على وجهه اللطيف، جعل رين يبتسم بسعادة لامتلاك اخت لطيفة صغيرة.
...
في غرفته بطوكيو، فُتحت عينا رين ببطء.
لم يكن هناك سقف خشبي قديم، بل سقف خشبي حديث. لم تكن هناك رائحة حساء الميسو، بل رائحة الوحدة.
شعر ببرودة تسري على وجنتيه. رفع يده ليلمس وجهه، ليجد أن الدموع كانت تنهمر بصمت أثناء نومه.
جلس على السرير، وتنهد تنهيدة عميقة هزت صدره، بينما ينظر من النافذة إلى خيوط الفجر الأولى التي بدأت تشق سماء طوكيو.
"في وقت لاحق، ها؟" تمتم بصوت مكسور، وهو يشد قبضته على الغطاء. "أتمنى أن تكونوا بخير... جميعكم."
وفي عالم قاتل الشياطين، قصر الفراشة.
في غرفة بيضاء ناصعة، يتسلل إليها ضوء الصباح ببرود، كانت هناك فتاة صغيرة تجلس على كرسي خشبي صلب. "يوكيهارا ساكورا"، التي لم يتجاوز عمرها بضع سنوات، كانت تبدو أكبر من عمرها بعقود.
أمامها، على سرير طبي، كان يرقد جسد أخيها.
"رين يوكيهارا". الهاشيرا الأصغر في التاريخ، ومعجزة فيلق قتلة الشياطين. كان راقداً هناك بلا حراك، صدره يعلو ويهبط ببطء شديد، وكأن الحياة تتمسك به بخيط رفيع. بشرته كانت شاحبة كالثلج، وعيناه مغلقتان في سبات بدا أبدياً.
مر شهران. ستون يوماً وليلة منذ تلك المعركة.
لم تعد ساكورا تلك الطفلة التي تبكي لأنها سقطت على الأرض. لقد تغيرت عيناها. البراءة التي كانت تملؤهما استبدلت بنظرة باردة، حازمة، ومليئة بشيء لم يكن ينبغي لطفلة أن تعرفه: الكراهية.
كل ليلة، كانت تغمض عينيها لترى نفس الكابوس.
كانت ترى رين يقف وسط حقل من الزهور، يبتسم لها تلك الابتسامة المشرقة، ويفتح ذراعيه لاستقبالها.
"ساكورا، تعالي!" كان يناديها.
كانت تركض نحوه، والسعادة تغمر قلبها. ولكن، قبل أن تلمسه بسنتيمترات، يظهر ظل أسود. كيان مرعب بعيون قرمزية دموية ينبثق من العدم.
وبصوت يمزق الأحشاء، تخترق يد الظل صدر رين.
سبلاتش.
تتسع عينا رين، وتتحول ابتسامته إلى تعبير من الألم الصامت، قبل أن يسقط جثة هامدة. يتحول الشيطان إلى دخان، بينما يتردد صدى ضحكته الساخرة في أرجاء المكان.
"لقد فشلتِ... لم يكن قوياً بما يكفي لحمايتك."
كانت تستيقظ وهي تلهث، والعرق البارد يغطي جسدها، ودموعها تبلل وسادتها. لكنها في الصباح، كانت ترتدي قناعها.
نظرت ساكورا إلى وجه أخيها النائم، ورسمت على وجهها ابتسامة مزيفة، متقنة لدرجة مرعبة.
"صباح الخير، أخي،" همست بصوت ثابت. "أمي تبكي في الخارج مرة أخرى. لا تقلق، سأذهب لتهدئتها. لن أسمح لها بالانهيار."
قامت من مكانها، وخرجت إلى الرواق. سمعت صوت نشيج مكتوم قادم من الغرفة المجاورة. كانت والدتها، "يومي"، التي فقدت بريق عينيها منذ سقوط رين.
شدت ساكورا قبضتها الصغيرة حتى ابيضت مفاصلها.
"ربما استخففت بمدى تعلقنا بك يا أخي، ومت بسرعة" فكرت ساكورا بمرارة. "لكن لا بأس. سأصبح قوية. سأقتل كل شيطان في هذا العالم حتى لا تبكي أمي مرة أخرى."
وفي جبل ساغيري. في أعالي الجبال حيث الثلوج لا تذوب، خرج المعلم العجوز "أوروكوداكي ساكونجي" من كوخه الخشبي.
كان قد تفقد للتو "نيزوكو"، التي كانت غارقة في سباتها الطويل. جعله هذا يتنهد بأسى؛ فالأقدار لم تكن رحيمة بهؤلاء الأطفال.
مشى خطوات قليلة في الثلج الكثيف، ليتوقف عند مشهد أصبح روتيناً يومياً منذ شهرين.
"كامادو تانجيرو".
الفتى ذو الشعر الأحمر والندبة على الجبهة كان يلوح بسيفه وسط العاصفة الثلجية. لكنه لم يكن تدريباً عادياً. لم يكن هناك صراخ حماسي، ولا راحة.
كان تانجيرو يلوح بالسيف بتركيز مخيف، وعيناه خاليتان من أي تعبير سوى العزم البارد.
سويش... سويش... سويش.
صوت قطع الهواء بالسيف كان الشيء الوحيد المسموع.
تذكر أوروكوداكي رين. تذكر كيف كان ذلك الطفل المتعجرف والذكي يملأ هذا الجبل بالحياة. تذكر ضحكاته، سخريته اللطيفة، وتلك الحركة التي كان يفعلها عندما ينقر جبهة تانجيرو بإصبعيه.
"لقد فعلتها يا صاحب الجبهة الكبيرة!" كان يقول ذلك بابتسامة بعد ان ينجح تانجيرو اثناء التدريب.
"تانجيرو..." نادى أوروكوداكي بصوت خفيض.
توقف تانجيرو، لكنه لم يلتفت فوراً. كان البخار يتصاعد من جسده بسبب حرارة التدريب وسط الصقيع.
"نعم، أوروكوداكي-سان؟" أجاب تانجيرو بصوت هادئ بشكل غير طبيعي.
نظر أوروكوداكي إلى ظهر تلميذه بحزن. تانجيرو لم يتخطَّ الأمر. لم يتقبل "موت" رين كحدث عابر. بل احتضن الكراهية تجاه الشياطين، ومزجها بحزنه ليصنع وقوداً لا ينضب.
"أنت تضغط على نفسك كثيراً. رين لن يكون سعيداً برؤيتك هكذا."
شد تانجيرو على مقبض سيفه بقوة. "رين ليس هنا ليقول رأيه، أوروكوداكي-سان. وإذا أردت أن أحميه عندما يستيقظ... وإذا أردت أن أنقذ نيزوكو... يجب أن أكون أقوى. أقوى من أي شيطان."
يستيقظ اذن.... تنهد، ما زال تانجيرو، تانجيرو في النهاية. تنهد أوروكوداكي بارتياح بينما ينظر لتانجيرو الذي تمسك بالأمل.
تنهد العجوز ونظر إلى السماء الرمادية. "إنه يوم كئيب آخر... بعد رحيلك، رينُ"
في قصر الفراشة، في مختبر كوتشو شينوبو.
كانت "شينوبو كوتشو"، هاشيرا الحشرة، تقف أمام طاولة مليئة بالأنابيب والسوائل الملونة. كانت تحاول تركيز نظرها على الترياق، لكن يدها كانت ترتجف قليلاً.
"أرا أرا... ذلك الطفل المزعج،" تمتمت بابتسامتها المعتادة التي لم تصل لعينيها هذه المرة. "ألم يقل ان الاقوياء لا يهزمون في ذلك اليوم؟"
ضغطت على الزجاجة في يدها حتى كادت تكسرها. "استيقظ أيها الغبي... انا اشعر بالذنب والألم فقط عند رؤية عائلتك الان..."
وفي مكان اخر، كان هاشيرا الرياح يتدرب في احدى ساحات التدريب المخصصة.
كان "سانيمي شينازوغاوا"، هاشيرا الرياح، يضرب دمية تدريب خشبية بوحشية مطلقة، محطماً إياها إلى شظايا.
"تسك! ضعيف!" صرخ سانيمي، وهو يبصق دماءً من شفته التي عضها غضباً. "كيف يجرؤ على السقوط؟ هو الذي تحداني وقال إنه سيتجاوزني! لا تمت أيها اللعين رين! إذا مت قبل أن أهزمك، سأقتلك بنفسي!"
(رين : هاه؟ حقاً... يا رجل اظني لن اعود اليكم، حسنا ربم ساعود من اجل ساكورا.)
كان غضبه واضحاً، لكن أي شخص يعرف سانيمي جيداً كان سيدرك أن صراخه هو طريقته الوحيدة لكبت قلقه.
تحت احد اشجار الكرز، في مكان آخر.
جلس "تومييوكا غيو"، هاشيرا الماء، وحيداً كالعادة، ينظر إلى انعكاس وجهه في بركة صغيرة.
"لقد كان... ساطعاً جداً،" فكر غيو بصمت. تذكر كيف كان رين يحاول جره للحديث، وكيف كان يسخر من عزلته.
"الماء الراكد يتعفن... هذا ما قاله لي. والآن هو من ركد."(لا اعرف ما اكتبه في هذا الفصل 🙃)
ألقى غيو حصاة في البركة، مشتتاً انعكاس صورته. "لا تمت. عائلتك بحاجة إليك... وأنا... ربما اعتدت على إزعاجك."
في مطعم محلي.
كان "رينغوكو كيوجورو"، هاشيرا اللهب، يجلس وأمامه عشرات الأطباق الفارغة.
"أوماي! (لذيذ!)" صرخ بصوت عالٍ، لكن النبرة كانت تفتقر إلى حماسه المعتاد بنسبة ضئيلة جداً.
توقف عن الأكل للحظة، ونظر إلى المقعد الفارغ أمامه.
"أيها الفتى الشاب! الشعلة في قلبك يجب ألا تنطفئ!" قال موجهاً كلامه للكرسي الفارغ. "سأنتظر عودتك لنأكل البطاطا الحلوة معاً! حماسك كان يذكرني بنفسي! لا تستسلم للظلام!"
في غابة خيزران واسعة.
كان "مويتشيرو توكيتو"، هاشيرا الضباب، ينظر إلى السحب.
"ما كان اسمه مجدداً؟ ذلك الصبي الذي كان يتحرك مثل العاصفة..."
مال برأسه قليلاً. "رين... يوكيهارا رين. نعم."
شعر بوخزة غريبة في صدره، شعور لم يعتده. "لماذا أشعر أن السماء أصبحت أضيق قليلاً؟ هل لأنه مات بسرعة؟ ربما لاني لم انتقهم لهزيمتي ضده..."
عاد للنظر للسحب، لكنه لأول مرة، لم يستطع نسيان اسم.
بالنسبة لـ"غيومي هيميجيما"، هاشيرا الصخر، كان في معبد، يفرك مسبحته ويبكي بغزارة، دموعه تنهمر كالشلال.
"نامو أميدا بوتسو... يا لها من مأساة... طفل في عمر الزهور، يسقط في ساحة المعركة..."
شبك يديه بقوة، وعروقه بارزة. "أصلي لروحك يا بني. قوتك كانت نعمة، ومصيرك هو ابتلاء. فليكن الله مع والدتك وأختك."
مرت الأيام ثقيلة، بطيئة، ومؤلمة.
في عالم قاتل الشياطين، كان الجميع ينتظر معجزة. معجزة استيقاظ رين يوماً ما، لينهي ما بدأ.
وفي عالم الجوجوتسو، كان رين يقف أمام النافذة، يمسح دموعه، ويستعد ليوم جديد، غير مدرك أن ذكرياته قد أشعلت نيران العزيمة في قلوب من تركهم خلفه.
"سأعود..." همس رين وهو يرتدي زي ثانوية الجوجوتسو. "يوماً ما، سأعود وأفي بذلك الوعد."
ثم رفع إصبعيه ونقر الهواء أمامه، مبتسماً بحزن.
"في وقت لاحق... يا صغيرتي."
---
نهاية الفصل 32.
نعم بم استسلم بعد في محاولة كتابة فصل عاطفي لائق 🙃 اسف لذلك، باي حال اخبروني بافكاركم لاني في حيرة حاليا بشأن مسار القصة.
طالما يحصل الفصل على 7 تعليقات ساكون سعيدا بنشر فصل جديد في اقرب وقت ممكن، وشكرا 🌹 لقراءة الفصل ❤
(في شوي اخطاء املائية اعتقد... اخبروني بها اذا وجدت، هذا الفصل لم يتم مراجعتة...)