الفصل الأول: مهلاً، هل أنت فتى؟!

رائحة... رائحة لاذعة من الأعشاب الطبية ودماء جافة، هذا أول ما تسلل إلى حواسه المتبلدة.

في غرفة فسيحة ومظلمة جزئياً داخل المقر الرئيسي السري لفيلق قتلة الشياطين، وتحديداً في قصر عائلة أوبياشيكي، استلقى صبي في الحادية عشرة من عمره على فراش "فوتون" ياباني تقليدي. كان يمتلك شعراً أحمر قرمزياً طويلاً يتناثر بفوضوية على وسادته البيضاء، بينما كان جسده النحيل وجبهته مغطيين بالكامل بضمادات بيضاء سميكة.

ساد الصمت في الغرفة، صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت تنفس الصبي الضعيف والمتقطع.

ببطء شديد، وكأن جفونه تزن أطناناً، فتح الصبي عينيه. كانت عيناه، اللتان تحملان نفس اللون القرمزي لشعره، باهتتين، خاليتين من أي بريق للحياة، تحدقان في السقف الخشبي بصمت. حاول تحريك رأسه ليتفقد المكان، لكن كل ما استطاع فعله هو إدارة مقلتيه ببطء.

فجأة، وبدون أي سابق إنذار، دوى صوت ميكانيكي بارد، مجرد من أي مشاعر إنسانية، يتردد صداه داخل جمجمته مباشرة، وكأنه ينبعث من أعماق دماغه:

[دينغ! تم تفعيل "نظام تسجيل الدخول عبر الأبعاد" بنجاح.]

[سيتم نقل المعلومات الأساسية واللازمة إلى عقل المضيف مباشرة... يرجى الانتظار.]

لم تتغير تعابير الصبي. ظل وجهه باهتاً، وعيناه فارغتين، وكأنه لم يسمع شيئاً، أو بالأحرى، وكأنه فقد القدرة على الاستيعاب. كان يشعر بضباب كثيف وبارد يلف عقله بالكامل. من هو؟ أين هو؟ لماذا يؤلمه جسده بهذا الشكل المروع؟ كل ذكرياته، حتى اسمه، كانت محجوبة خلف هذا الجدار الضبابي السميك. لا يتذكر شيئاً، ولا يشعر بشيء سوى ذلك الفراغ المخيف.

حاول تحريك ذراعه اليمنى ليتلمس رأسه، لكن بمجرد أن انقبضت عضلاته، اجتاحته موجة من الألم الحارق. يبدو أن حركته البسيطة تسببت في تمزق أحد الجروح العميقة في صدره. اتسعت بقعة حمراء داكنة على الضمادات البيضاء، وسرعان ما انتشرت رائحة الدم الطازج في الهواء.

"آه..." خرجت أنة خافتة من بين شفتيه الجافتين، وشعر بدوار شديد يضرب رأسه وكأن أحدهم يضربه بمطرقة حديدية.

أغمض عينيه بقوة محاولاً استيعاب الألم، وفي تلك اللحظة بالذات، وسط العتمة والضباب الداخلي، لاحظ وجود بصيص من الضوء. كانت هناك مجموعة من المعلومات الغريبة والمكتوبة بشيفرات مضيئة لا يحيط بها ذلك الضباب اللعين. ركز وعيه المشتت عليها، ليكتشف أنها الكتيب الإرشادي للشيء المسمى "نظام تسجيل الدخول" الذي تحدث في رأسه للتو.

كانت وظيفة النظام بسيطة للغاية، وسهلة جداً: طالما يرصد النظام تواجده في مكان ذو "تصنيف طاقة أو أهمية عالية"، سيُطلب منه تسجيل الدخول. وبمجرد بدء عملية التسجيل والانتهاء منها، سيحصل على مكافأة. والمكافآت عشوائية وغير متوقعة على الإطلاق.

"نظام؟ تسجيل دخول؟ هل أنا في لعبة؟" فكر الصبي ببطء، ولكن قبل أن يتمكن من تحليل الموقف أكثر، عاد الصوت الميكانيكي ليضرب طبلة أذنه الداخلية بقسوة:

[تنبيه! تم اكتشاف خلل جسيم في وعي المضيف! الضرر الدماغي والروحي يعيق التكامل!]

[جاري بدء المعالجة الطارئة...]

[تحذير: فشلت عملية استعادة الذكريات الأساسية بنسبة 80%!]

بمجرد انتهاء الإعلان الميكانيكي، تجمد جسد الصبي فجأة. اتسعت عيناه القرمزيتان بأقصى حدودهما، ورفع يديه المرتجفتين ليمسك برأسه بقوة، وكأنه يحاول منعه من الانفجار.

"أغغغغغ!" صرخ بألم مكتوم وهو يتقلب على الفراش.

لم يكن ألماً جسدياً هذه المرة، بل سيلاً هائجاً من الذكريات الفوضوية، الصور، الأصوات، والمشاعر التي تدفقت إلى عقله كشلال كسر للتو سداً عملاقاً.

رأى نفسه... رجلاً بالغاً! نعم، يتذكر الآن ومضات من حياة أخرى. مبانٍ شاهقة تلامس السحاب، سيارات حديدية تسير بسرعة، شاشات مضيئة في كل مكان. عالم حديث، عالم مختلف تماماً عن هذا المكان الخشبي القديم. كان يعيش حياة عادية... ثم... ظلام. مات. مات لسبب يجهله، أو بالأحرى، لسبب مسحته تلك الـ 80% المفقودة من ذاكرته.

ولكنه وُلد من جديد! هذه كانت الحقيقة الصادمة.

ثم تدفقت الذكريات الأخرى، ذكريات هذا الجسد الصغير. اسمه... "تسوكيو". تسوكيو من عائلة كاغيهارا. عائلة دافئة، أب صارم ولكنه محب، أم حنونة، وأخوة صغار يملأون المنزل ضجيجاً وضحكاً. ذكريات قصيرة، 11 عاماً فقط، لكنها كانت مليئة بالحياة.

ثم... الكابوس.

ليلة باردة، قمر قرمزي، وباب يتحطم. وحش. نعم، لم يكن بشراً. كائن بعيون مرعبة وأنياب تقطر دماً. صراخ... دماء تتناثر على الجدران والابواب المنزلقة الورقية... أطراف ممزقة. والدته تصرخ به أن يهرب، ووالده يرفع فأساً في محاولة يائسة ومثيرة للشفقة لصد الوحش. ثم... ألم يمزق صدره، وظلام دامس.

تسوكيو... هو الناجي الوحيد من عائلة كاغيهارا. العائلة التي أبيدت عن بكرة أبيها.

استلقى تسوكيو على ظهره، يلهث بشدة وكأنه ركض لأميال. الدموع الساخنة تنهمر من عينيه القرمزيتين بلا توقف، تبلل الضمادات والوسادة. الحزن، الغضب، الألم، والشعور العميق بالعجز. كل هذه المشاعر السلبية اعتصرت قلبه الصغير لدرجة أنه كاد يختنق.

وبالرغم من هذا الانهيار العاطفي، كان هناك جانب إيجابي واحد؛ لقد استعاد وعيه بالكامل. انقشع الضباب عن عقله. هو الآن يدرك من هو: روح رجل من العصر الحديث عالقة في جسد طفل في عالم يبدو أنه في حقبة تايشو اليابانية، عالم توجد فيه وحوش تأكل البشر.

وبينما كان تسوكيو غارقاً في دموعه وحداده على عائلته التي فقدها للتو، لم يحترم النظام الغبي في عقله اللحظة الدرامية، ورن فجأة:

[دينغ! تم اكتشاف فرصة تسجيل دخول عالية المستوى!]

[الموقع الحالي: المقر الرئيسي لعائلة أوبياشيكي (فيلق قتلة الشياطين).]

[هل يريد المضيف تسجيل الدخول؟ نعم / لا]

توقف تسوكيو عن البكاء للحظة، ورمش بعينيه الدامعتين. "عائلة أوبياشيكي؟ فيلق قتلة الشياطين؟"

همس بصوت مبحوح. كشخص جاء من عالم حديث وكان يقرأ المانغا، هذه الأسماء لم تكن غريبة عليه، رغم أن ذاكرته مشوشة ولا يستطيع تذكر التفاصيل الدقيقة للقصة، إلا أن الاسم رن كجرس إنذار في رأسه. "إذاً أنا في عالم كيميتسو نو يايبا... قاتل الشياطين. والوحش الذي قتل عائلتي كان... شيطاناً."

مسح دموعه بكمه الخشن بحركة غاضبة. لا وقت للبكاء الآن. إذا كان في هذا العالم المرعب، وهو مجرد طفل مصاب بجروح قاتلة، فهو بحاجة إلى أي قوة يمكنه الحصول عليها.

"نظام، نعم! أوافق على تسجيل الدخول!" فكر تسوكيو بحزم.

[تم تأكيد الأمر. جاري بدء عملية تسجيل الدخول في قصر عائلة أوبياشيكي...]

[التقدم: 1%... 2%...]

شاهد تسوكيو شريط التقدم الوهمي في عقله وهو يتحرك ببطء شديد، أبطأ من سلحفاة مصابة بالتهاب المفاصل. "حقاً؟ هل تستخدم إنترنت من العصر الحجري؟" تذمر في نفسه بأسلوب ساخر، محاولاً التخفيف من حدة توتره.

بما أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً، لم يرد تسوكيو البقاء في هذا السرير كجثة هامدة. كان بحاجة ماسة لمعرفة ما حدث له بالضبط بعد أن فقد وعيه. كيف نجا؟ من أحضره إلى هنا؟ أراد فقط أن يرى إنساناً حياً يتحدث إليه، ليؤكد لنفسه أنه لا يزال على قيد الحياة.

أخذ نفساً عميقاً، واستجمع كل ذرة من إرادته. وضع يديه المرتجفتين على حافة الفراش، ودفع نفسه للأعلى.

"آاااااااااخ!"

صرخة مكتومة خرجت من أعماق روحه. الألم كان لا يطاق! شعر وكأن ملايين الإبر الساخنة تُغرس في صدره وبطنه وكتفه. الجرح في صدره بدأ ينزف مجدداً، وعضلاته كانت تصرخ متوسلة إياه أن يتوقف. لمعت عيناه القرمزيتان بدموع جديدة، وهذه المرة دموع ألم جسدي بحت تهدد بالسقوط إذا تحرك إنشاً واحداً إضافياً.

"تباً... تباً لهذا الجسد الضعيف! هل أنا مصنوع من البسكويت؟!" شتم في سره، لكنه كان عنيداً. ربما عناد الرجل البالغ بداخله، أو عناد الطفل الذي نجا من الموت للتو.

قاوم رغبته في الانهيار والعودة للبكاء، ووقف على قدميه المرتجفتين كغزال حديث الولادة. بخطوات بطيئة، يجر قدميه جراً وكأنه زومبي في فيلم رخيص، توجه نحو الباب المنزلق (الشوجي) للغرفة.

استند على الإطار الخشبي، وبذراع ترتجف، سحب الباب.

انزلق الباب ليفتح أمامه مشهداً حبس أنفاسه وأنساه ألمه للحظة. استقبله ضوء شمس لطيف ونسيم عليل يحمل رائحة زهور الوستاريا المريحة. أمامه امتدت حديقة يابانية تقليدية في غاية الروعة والكمال. أشجار صنوبر مشذبة بعناية، حجارة ملساء مرتبة بشكل فني، وبركة مياه واسعة وصافية تسبح فيها أسماك الكوي الملونة بكسل. كان المكان ينضح بالسلام والطمأنينة، تناقض صارخ مع المذبحة التي شهدها بالأمس... أو متى كان ذلك؟

خطى تسوكيو بصعوبة بالغة خارج الغرفة، ووطأت قدماه الحافيتان على الـ "إنغاوا" (الشرفة الخشبية الخارجية الممتدة حول المنزل الياباني). اقترب من الحافة، وبما أن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله، ترك نفسه يسقط ليجلس بوضعية غير مريحة على الأرضية الخشبية.

كان جسده الصغير يتصبب عرقاً بارداً، ووجهه شاحب كالموتى، وضماداته ملطخة بالدماء في عدة أماكن. نظر حوله، لم يكن هناك أحد. الحديقة كانت فارغة وهادئة تماماً.

"حسناً... على الأقل المنظر جميل قبل أن أموت من النزيف،" سخر من نفسه وتنهد، مقرراً الانتظار هنا والاستمتاع بضوء الشمس بينما يتقدم نظام تسجيل الدخول الذي وصل بشق الأنفس إلى 15%.

مضت بضع دقائق من الصمت المريح.

[التقدم: 23%...]

في تلك اللحظة، التقطت أذناه صوت خطوات خفيفة جداً، تكاد تكون غير مسموعة. أدار تسوكيو رأسه ببطء شديد نحو مصدر الصوت في نهاية الرواق الخشبي.

هناك، لمح شخصاً صغيراً يمشي بهدوء. كانت تبدو كفتاة صغيرة، ربما في الثامنة من عمرها. تمتلك شعراً أسود داكناً مقصوصاً بدقة (قصة بوب القصيرة)، وترتدي كيمونو أسود أنيق وبسيط، تتناثر عليه بعض الزخارف الزهرية الخفيفة. ما لفت انتباهه حقاً هو عيناها؛ عيون أرجوانية غريبة، عميقة وفارغة من أي مشاعر طفولية، تماماً كدمية حية. كانت تمشي بصمت وتعبير بارد لا يتناسب مع عمرها.

"أوه، إنسان! وأخيراً!" فرح تسوكيو داخلياً. رفع يده الضعيفة محاولاً لفت انتباهها. "هـ... هاي! أنتِ..."

عندما سمعت الطفلة صوته الضعيف، توقفت وتلفتت نحوه. بمجرد أن وقعت عيناها الأرجوانيتان على تسوكيو — الفتى المغطى بالدماء والضمادات والذي يتصبب عرقاً ويبدو كأنه يحتضر على الشرفة — تحطم تعبيرها الهادئ والبارد تماماً.

ظهر على وجهها تعبير من المفاجأة والصدمة، والذي سرعان ما تحول إلى قلق وذعر طفولي واضح. اتسعت عيناها، وبدون أن تنطق بكلمة واحدة، التفتت فوراً وبدأت تجري بأقصى سرعتها في الاتجاه المعاكس، هاربة منه!

"مهلاً! انتظري! أنا لست وحشاً! أنا مجرد مريض مسكين!" حاول تسوكيو الصراخ، لكن صوته خرج كهمس أجش.

وبدافع غريزي يائس لإيقافها، حاول النهوض مجدداً والاندفاع نحوها، لكن النتيجة كانت حتمية. تعثرت قدمه الضعيفة ببعضها، وسقط بقوة على وجهه فوق الأرضية الخشبية الصلبة.

"غوووه!" تأوه تسوكيو بصوت مكتوم، وشعر وكأن ضلوعه قد تحطمت. استلقى هناك على الشرفة، ووجهه ملتصق بالخشب، بتعبير مستسلم تماماً. "رائع... الآن أبدو كزومبي يحاول أكل الأطفال... حظي كالعادة، في الحضيض."

أغلق عينيه وقرر أنه لن يتحرك إنشاً واحداً بعد الآن، حتى لو احترق القصر. انه جاد في هذا!

مرت دقائق قليلة، بدا فيها وكأنه قد فارق الحياة. ثم، سمع صوت خطوات تقترب. هذه المرة لم تكن خطوات طفل واحد يركض، بل خطوات رشيقة وهادئة لشخص بالغ، ترافقها خطوات الطفل الصغير.

لم يحاول تسوكيو حتى رفع رأسه ليرى من القادم. كان الألم يعتصر كل إنش من جسده.

بعد ثوانٍ، توقفت الخطوات بجانبه. شعر بظل يغطي جسده الصغير يحجب عنه أشعة الشمس. بجهد جهيد، أدار رأسه قليلاً وفتح عيناً واحدة بصعوبة.

كانت الطفلة ذات الشعر الأسود تقف هناك، تنظر إليه بقلق مختفي خلف قناع من الهدوء الذي استعادته. وبجانبها... امرأة.

اتسعت عينا تسوكيو للحظة نسي فيها الألم. كانت امرأة في غاية الجمال والأناقة. تمتلك بشرة بيضاء شاحبة كالثلج، وعيوناً أرجوانية واسعة تحمل نفس التعبير الهادئ والعميق للطفلة، وشعراً فضياً أبيض طويلاً ينسدل بنعومة على كتفيها. كانت ترتدي كيمونو أنيقاً، وبدت وكأنها حاكمة قمر هبطت للتو إلى الأرض.

انحنت المرأة الجميلة ببطء ورشاقة حتى أصبح وجهها في مستوى وجه تسوكيو الملقى على الأرض. مدت يديها الرقيقتين، وبلمسة ناعمة وحنونة بشكل لا يصدق، أمسكت بكتفه وذراعه.

قالت بصوت رقيق، هادئ، يحمل نبرة من الاحترام العميق الذي صدم تسوكيو: "تسوكيو-ساما، أرجوك، اسمح لنا بمساعدتك على العودة إلى فراشك. لا يجب أن تتحرك في حالتك هذه."

رمش تسوكيو عدة مرات متتالية. "تسوكيو... ساما؟" فكر بحيرة شديدة. "ساما" هو لقب احترام يُستخدم للنبلاء أو الأشخاص ذوي المكانة العالية جداً. هو متأكد تماماً من ذكرياته أن عائلة "كاغيهارا" التي ينتمي إليها كانت مجرد عائلة ريفية عادية، لا تمتلك ثروة ولا نفوذاً، ولا حتى صلات بأي نبلاء! فلماذا تعامله هذه المرأة الفاتنة التي يبدو من مظهرها ومن هذا القصر أنها زوجة شخص ذو شأن عظيم، بكل هذا الاحترام؟

لكنه لم يملك القوة ولا الرغبة في الممانعة. كان يتألم بشدة. أومأ برأسه بضعف.

بمساعدة المرأة الجميلة، والطفلة ذات الشعر الأسود التي ساعدت في دعمه من الجانب الآخر، تم رفع تسوكيو. شعر بحرج شديد يغلي في وجهه. رجل بالغ (في عقله) يحتاج إلى امرأة وطفلة صغيرة لحمله ككيس من البطاطس! يالها من ضربة لكرامته!

"شكراً لكما..." تمتم بصوت خافت جداً، ووجهه محمر من الإحراج وليس من الحمى.

تمت إعادته إلى غرفته ووضعه بلطف بالغ على فراش الفوتون. سحبت المرأة الغطاء فوقه بعناية، وتأكدت من تعديل وسادته.

وبعد تغيير الضمادات التي تغطي جسده ووضع دواء سبب الم كبير في الاصابات والجروح التي تغطي جسده.

جلست المرأة بهدوء وأناقة على ركبتيها (وضعية السيزا) إلى جانبه الأيمن، وجلست الطفلة بجانبها بنفس الوضعية المثالية. نظر تسوكيو إليهما لبعض الوقت في صمت. كان يتأمل وجهيهما الهادئين.

ابتلع ريقه الجاف، وأخيراً جمع شجاعته ليسأل السؤال الذي يحرقه: "سيدتي... أين أنا؟ ولماذا... لماذا تعتنون بي بهذا الشكل؟ أقصد... من أنا بالنسبة لكم لتعاملوني كشخص مهم؟ أنا مجرد طفل من عائلة عادية... عائلة..." غص صوته في النهاية عندما تذكر عائلته.

نظرت المرأة إليه بعينيها الأرجوانيتين اللتين تحملان بحراً من الشفقة والتعاطف، لكن تعبير وجهها ظل هادئاً.

"أنا أماني أوبياشيكي،" تحدثت بصوتها الرخيم والمهدئ. "وهذا المكان هو قصر عائلتي، المقر الرئيسي لفيلق قتلة الشياطين. أنت هنا لأنك نجوت من مأساة مروعة، تسوكيو-ساما."

"عائلة أوبياشيكي..." تمتم تسوكيو، مؤكداً ما استنتجه سابقاً. "إذاً أنتم تقودون قتلة الشياطين. ولكن... لم تجيبي على سؤالي. لماذا 'ساما'؟ عائلتي..."

تنهدت أماني بخفة، وبدأت تتحدث ببطء لتشرح له كل شيء، وكأنها تدرك أن صدمة الحادث قد أفقدته جزءاً من فهمه للعالم.

"عائلة كاغيهارا، عائلتك، ربما اعتقدت أنها عائلة عادية، ولكنك يا تسوكيو-ساما، لست شخصاً عادياً على الإطلاق." رفعت يدها ببطء وأشارت بإصبعها النحيل نحو جبهته المغطاة بالضمادات، وتحديداً فوق عينه اليسرى. "أنت تمتلك 'العلامة'."

عقد تسوكيو حاجبيه بألم وحيرة. "العلامة؟"

أومأت أماني برأسها. "أجل. علامة قتلة الشياطين. إنها نمط غامض يشبه الوشم يظهر على أجساد مبارزين استثنائيين. في الماضي البعيد، في العصر الذهبي لفيلقنا، كان السيافون الأقوياء يوقظون هذه العلامة، وكانت تمنحهم قوة جسدية هائلة، وسرعة مرعبة، وقدرة على محاربة الشياطين الأقوى بسهولة."

سكتت للحظة، ونظرت إلى وجهه بتمعن. "ولكن، من النادر جداً... بل من شبه المستحيل، أن يولد طفل وفي جبهته هذه العلامة منذ يوم ولادته، وأن تبقى نشطة. لقد راقبنا عائلتك من بعيد لسنوات بسبب هذه الظاهرة. أنت شخص مميز يا تسوكيو، وجودك قد يكون مفتاحاً لشيء عظيم في حربنا. لذلك، من واجبنا حمايتك واحترام مكانتك."

تسوكيو استمع بذهول. "ولدت بها؟" فكر. هو لا يتذكر ذلك حقاً.

"نحن لا نعرف الكثير عن هذه العلامة في وقتنا الحالي،" واصلت أماني بصوت حزين قليلاً. "المعلومات ضاعت عبر الأجيال. كل ما نعرفه هو أنها ترتبط بـ 'تنفس الشمس' الأسطوري، وأنها ترفع درجة حرارة الجسم ونبض القلب بشكل مميت لمن يوقظها لاحقاً... ويُقال إن من يوقظها لا يعيش ليتجاوز الخامسة والعشرين من عمره."

شعر تسوكيو بقشعريرة. "عظيم! نظام غبي، مأساة عائلية، والآن لعنة الموت قبل الخامسة والعشرين! هل هذه نكتة كونية؟" صرخ في ذهنه، لكنه حافظ على صمته الخارجي.

كان ايضاً غاضباً بسبب انه لا يتذكر الكثير حول عالم قاتل الشياطين.

أثناء استماعه لأماني وبينما ينظر في وجهها، حدث شيء غريب. دون إرادة منه، تغيرت رؤيته فجأة.

أصبح العالم من حوله... شفافاً.

لا، لم يختفِ، بل أصبح قادراً على الرؤية عبر الأشياء! نظر إلى أماني، فاتسعت عيناه بصدمة. لم يعد يرى الكيمونو الأنيق(بماذا تفكر ايها المنحرف؟!)

أو بشرتها البيضاء فقط، بل رأى العضلات تنقبض وتنبسط تحت الجلد! رأى الأوردة والشرايين، ورأى الدماء تتدفق فيها بانتظام. رأى رئتيها تتوسعان وتنكمشان مع كل كلمة تنطق بها، ورأى قلبها ينبض بإيقاع هادئ وثابت جداً لا يشوبه أي توتر أو كذب.

نقل بصره بسرعة نحو الطفلة بجانبها، فرأى نفس الشيء؛ جسد صغير، لكن قلبها كان ينبض بسرعة أكبر قليلاً، وعضلات ساقيها كانت مشدودة، وكأنها مستعدة للهروب أو الدفاع في أي لحظة.

"ما هذا بحق الجحيم؟!" صرخ تسوكيو داخلياً، محاولاً السيطرة على تعابير وجهه كي لا يبدو كالمجنون. رمش عدة مرات بقوة، فعادت رؤيته لطبيعتها.

"هي لا تكذب؟" فكر، مستنداً على ما رآه من دقات قلبها المنتظمة وتدفق دمائها الهادئ. "بل تبدو صادقة تماماً. ولكن... هذه العيون! العالم الشفاف! هل ولدت به أيضاً؟ يبدو أن أماني لا تعرف عن قدرة عيني هذه، ذكرت العلامة فقط. ربما العلامة هي ما تسبب في طفرة منحتني العالم الشفاف منذ الطفولة؟"

قرر إخفاء أمر عينيه في الوقت الحالي، هذا ورقة رابحة لا يجب كشفها.

"كيف... كيف نجوت؟" سأل تسوكيو بصوت مرتجف، محاولاً تغيير الموضوع لكي لا تركز على عينيه. "الوحش... الشيطان... كان قوياً جداً."

أجابت أماني بلطفها المعتاد: "لقد أُصبت بشدة يا تسوكيو-ساما. هجوم الشيطان كاد أن يمزق قلبك. ولكن من حسن حظك، أو ربما كان هذا القدر، كان أحد الـ 'هاشيرا' في مهمة قريبة من قريتك. لقد وصل في اللحظة الأخيرة، قطع رأس الشيطان، وأنقذ حياتك، ثم أحضرك إلى هنا فوراً لنتولى علاجك."

"الهاشيرا؟" سأل تسوكيو، متظاهراً بالجهل التام، رغم أنه يتذكر الاسم، لكنه يريد المعلومات من مصدرها. "من هم الهاشيرا؟ ومن أنتم حقاً؟ أنتِ ذكرتِ قتلة الشياطين، الشياطين... هل يمكنكِ أن تشرحي لي كل شيء؟ أرجوكِ، عقلي مشوش للغاية."

لم تبدِ أماني أي انزعاج من كثرة أسئلته، ولم تبخل عليه بأي معلومة. بل عدلت جلستها قليلاً، وبدأت تشرح له بالتفصيل الممل والعميق.

"فيلق قتلة الشياطين هو منظمة سرية غير معترف بها من قبل الحكومة،" بدأت أماني بصوت حازم. "مهمتنا الوحيدة هي إبادة الشياطين وحماية البشرية في الخفاء. الشياطين يا تسوكيو-ساما، هي كائنات كانت بشراً يوماً ما، لكنها تحولت إلى وحوش خالدة تتغذى على لحوم البشر لكي تعيش وتزداد قوة. يمتلكون قدرات جسدية مرعبة، وبعضهم يمتلك قدرات سحرية تُسمى 'فنون الدم الشيطانية'."

توقفت لتأخذ نفساً، بينما كان تسوكيو يستمع بتركيز شديد.

"لا يمكن قتل الشيطان بالأسلحة العادية. الطرق الوحيدة لقتلهم هي تعريضهم لأشعة الشمس، وهو أمر مستحيل ليلاً، أو بقطع أعناقهم باستخدام سيوف خاصة نطلق عليها اسم 'سيوف النيتشرين'."

"سيوف النيتشرين؟" قاطعها بفضول.

"أجل، سيوف تُصنع من خام رملي مميز يُستخرج من جبال قريبة من الشمس، يمتص ضوء الشمس بمرور الزمن. هذه السيوف هي سلاحنا الوحيد."

أكملت أماني الشرح: "ولمواجهة الشياطين ذوي القوى الخارقة، ابتكر أسلافنا ما يُسمى بـ 'أساليب التنفس'. إنها تقنيات خاصة للتحكم في التنفس لزيادة كمية الأكسجين في الدم، مما يعزز القدرات الجسدية للبشر العاديين لتصبح مقاربة لقدرات الشياطين. هناك تنفس الماء، اللهب، الرياح، الصخر، والبرق، وتتفرع منها أساليب أخرى."

ابتلعت أماني ريقها، ولاحظ تسوكيو (حتى بدون العالم الشفاف) ومضة من الكراهية العميقة في عينيها الأرجوانيتين عندما تابعت: "وكل هذا... الفيلق، السيوف، التنفس، الدماء التي تُسفك... كل هذا من أجل هدف واحد: إبادة ملك الشياطين، الكائن الذي أوجد كل هذه الوحوش، الشيطان الأول والمؤسس... كيبوتسوجي موزان."

ساد صمت ثقيل في الغرفة بعد نطق هذا الاسم. تسوكيو شعر ببرودة تسري في عموده الفقري. موزان. الشرير الرئيسي. الرجل الذي يشبه مايكل جاكسون ولكنه يحب أكل الناس.

اشعر بالفضول لماذا اتذكر تفاصيل موزان بدقة بالمناسبة، انا حتى لا اتذكر مظهري في حياتي السابقة!

"عائلة أوبياشيكي، عائلتي،" تحدثت أماني بصوت أكثر نعومة الآن، "هي التي تقود هذا الفيلق منذ مئات السنين. زوجي، كاجايا أوبياشيكي، هو القائد الحالي، أو كما يلقبه أعضاء الفيلق، 'أوياكاتا-ساما'. والهاشيرا الذين سألت عنهم، هم الأعمدة التسعة... أقوى تسعة سيافين في الفيلق بأكمله. أحدهم هو من أنقذ حياتك."

كان تسوكيو يستوعب المعلومات بسرعة. أسئلته المتتالية وجدت إجابات شافية ومفصلة من هذه المرأة الرائعة. شعر بالامتنان العميق لصبرها.

"شكراً لكِ، أماني-ساما،" قال تسوكيو بصدق، وابتسم ابتسامة ضعيفة ولكنها حقيقية. "لقد ساعدتني كثيراً في فهم هذا الكابوس. وأنا مدين لكِ، وللهاشيرا الذي أنقذني."

ابتسمت أماني ابتسامة رقيقة جداً أضاءت وجهها. "لا شكر على واجب، تسوكيو-ساما. من دواعي سرورنا أن نخدم أمل المستقبل. الآن، يجب أن ترتاح."

ثم نظرت أماني إلى الطفلة الهادئة بجانبها، والتي ظلت صامتة طوال الوقت تراقب تسوكيو بحذر.

قالت أماني بصوت أمومي دافئ: "أوه، أعتذر لأنني لم أقدمه لك بشكل لائق. هذا هو طفلي، سيخلف والده يوماً ما في قيادة الفيلق. رحب بتسوكيو-ساما يا بُني."

"بُني؟!"

انحنى الطفل ذو الكيمونو الأسود والشعر الأسود القصير، وقال بصوت ناعم ولكنه يحمل بحة صبيانية خفيفة جداً: "تشرفت بلقائك، تسوكيو-ساما. أنا كيريا أوبياشيكي."

تسوكيو، الذي كان يشرب كوباً وهمياً من الشاي في عقله للاسترخاء بعد هذه المحادثة الطويلة، بصق الشاي الوهمي بالكامل في وجه النظام الغبي داخل رأسه.(لم اجد طريقة افضل لوصف صدمتة)

اتسعت عيناه القرمزيتان لدرجة كادت مقلتاه تسقطان من محجريهما. نظر إلى وجه "الفتاة" اللطيفة، والعيون الأرجوانية الواسعة، ثم صرخ داخله صرخة أحدثت زلزالاً في وعيه:

"فتى؟! هل هذا المخلوق اللطيف الذي هرب مني قبل قليل فتى؟! لماذا اشعر وكانه تم خداعي مرتين من قبل مظهر هذا الفتى!"

---

محاولة بائسة لاعادة شغفي بالكتابة، اتمنى اخباري برايك... واذا كان يجب ان استمر ام لا.

وشكرا على القراءة.

2026/02/24 · 15 مشاهدة · 3169 كلمة
RYON
نادي الروايات - 2026