1 - السماء الحمراء

كانت حياة هاروما كيتاجيما هادئة، تسير بإيقاع ثابت في مدينة صغيرة على أطراف طوكيو. لم تكن مملة تمامًا، لكنها كانت منظمة ودقيقة، بلا مفاجآت تقريبًا. أيامه تتشابه، وكل يوم يمر بالطريقة نفسها تقريبًا.

استيقظ هاروما كعادته مع أول ضوء للفجر الذي دخل عبر ستائر غرفته الزرقاء الباهتة. لم يحتج إلى منبه، فقد اعتاد جسده هذا التوقيت. جلس على حافة سريره قليلًا، يستمع إلى هدوء المنزل، ولم يسمع سوى صوت أوراق شجرة الكرز في الحديقة الخلفية. كانت تلك اللحظات الهادئة قبل بدء اليوم أحب أوقاته إليه.

كان هاروما في الثامنة عشرة من عمره، شابًا نحيلًا بشعر أسود ينسدل على عينيه العسليتين الواسعتين. لم يكن يحب لفت الانتباه، بل فضل أن يراقب من بعيد. كانت الكتب عالمه المفضل، يهرب إليها من واقع لم يشعر يومًا أنه ينتمي إليه تمامًا. في زاوية غرفته مكتبة صغيرة تضم الأدب الياباني وروايات الخيال العلمي الغربية، وكل كتاب بالنسبة له باب إلى عالم آخر أكثر إثارة من حياته الروتينية.

بعد أن ارتدى زيه المدرسي المكوي بعناية، نزل إلى الطابق السفلي. كانت والدته، كيكو، تحضر الإفطار. رائحة حساء الميسو والأرز المطهو ملأت المكان، وهي رائحة ارتبطت لديه بالبيت والأمان. تبادلا تحية صباح بسيطة وبعض الكلمات القليلة، لكنها كانت كافية لتعبر عن المودة بينهما. والدته قليلة الكلام، لكن نظراتها دافئة. أما والده، الذي يعمل في شركة تجارية، فكان يغادر مبكرًا ويعود متأخرًا. كانت عائلتهم هادئة، كل فرد مشغول بحياته، لكن بينهم رابط واضح من الحب والاحترام.

في طريقه إلى المدرسة، سار هاروما في نفس الطريق المعتاد، مرّ بنفس المتاجر ورأى نفس الوجوه. اعتاد هذا الروتين، بل وجد فيه راحة. كان يعرف ما هو متوقع منه، وأحلامه كانت بسيطة: جامعة جيدة، وظيفة مستقرة، وربما يومًا ما يكتب رواية عن عوالم بعيدة وأبطال أسطوريين، أشياء يفتقدها في حياته.

في المدرسة، كان طالبًا مجتهدًا لكنه غير مميز. جلس في المقعد الأخير قرب النافذة، يراقب السماء أحيانًا ويغرق في أفكاره. أصدقاؤه قليلون ويشبهونه في الاهتمامات: القراءة، ألعاب الفيديو الاستراتيجية، ونقاشات هادئة عن الحياة. لم ينجذب للمجموعات الصاخبة، بل فضل الهدوء.

في ذلك اليوم، سار كل شيء بشكل طبيعي. دروس، ثم استراحة غداء هادئة على سطح المدرسة مع صديقه المقرب كينجي، وبعدها العودة للمنزل مع غروب الشمس. بينما كان يعبر تقاطعًا مزدحمًا، شارد الذهن في قصة خيال يقرأها، لم ينتبه إلى شاحنة انحرفت فجأة عن مسارها.

لم يشعر بالألم في البداية، فقط بصدمة قوية دفعته للأمام وصوت تحطم معدني حاد. للحظة، شعر وكأن الزمن تباطأ. رأى وجوه الناس المذعورة والسماء تدور فوقه، ثم سقط على الأسفلت البارد. بعد ذلك بدأ الألم ينتشر في جسده.

آخر ما رآه هاروما في عالمه كان انعكاس وجهه الملطخ بالدم في بركة ماء صغيرة على الرصيف. عيناه كانتا مفتوحتين بدهشة واضحة. حاول أن يتنفس، لكن لم يستطع. شعر أن حياته تنسحب منه تدريجيًا، ثم غرق كل شيء في ظلام وصمت عميق. لم يكن هناك نفق ضوء، ولا ذكريات تمر أمام عينيه، ولا أصوات ترحب به. كان هناك فقط فراغ أسود وصمت طويل. ثم بدأ الوعي يعود ببطء، ليس براحة، بل كألم بارد يخترق رأسه. أول إحساس جاءه كان البرودة، قاسية وعميقة. بعد ذلك شم رائحة غريبة، مزيج من معدن صدئ وغبار، ومعها رائحة حلوة مزعجة تشبه اللحم المحترق.

فتح هاروما عينيه بصعوبة. لم يرَ سماء زرقاء، بل سماء حمراء داكنة، تغطيها سحب سوداء تتحرك ببطء. لم تكن هناك شمس واضحة، فقط ضوء أحمر منتشر يجعل كل شيء يبدو قاتمًا.

جلس ببطء، وشعر بألم خفيف في جسده، لكنه لم يكن الألم الذي سبق موته. نظر إلى نفسه بسرعة. ملابسه المدرسية ممزقة ومتسخة، لكن جسده بلا جروح. لم يفهم كيف نجا.

عندما نظر حوله، أدرك أن هذا ليس عالمه. كان على أرض صخرية متشققة تمتد بعيدًا. لا نباتات، فقط شجيرات سوداء يابسة. في البعيد ظهرت أبراج معدنية مائلة وبقايا مبانٍ مدمرة، كأنها أطلال حضارة قديمة. الهواء ثقيل ومليء بغبار أحمر.

ثم سمع الأصوات. همهمة منخفضة مستمرة، وفوقها أصوات متقطعة: صرخات بعيدة، أصوات معادن، وانفجارات مكتومة. كانت أصوات قتال. بدأ قلبه يخفق بقوة، وشعر بالخوف يتسلل داخله. هذا ليس حلمًا.

وقف بصعوبة، يحاول الفهم. أين هو؟ كيف وصل؟ آخر ما يتذكره الشاحنة ثم الظلام. هل مات فعلًا؟ وإذا مات، فلماذا هو هنا؟

بدأ يمشي بلا اتجاه، متعثرًا بالصخور، يبحث عن أي شيء مألوف، لكنه لم يجد سوى الخراب. شعر أنه بعيد تمامًا عن منزله وعن حياته السابقة.

فجأة، سمع صرخة قريبة مليئة بالألم، تلاها صوت سقوط ثقيل. تجمد في مكانه. الصوت جاء من خلف صخور كبيرة على بعد مسافة قصيرة. اقترب ببطء واختبأ خلف صخرة، وقلبه ينبض بقوة.

نظر بحذر، فرأى شخصين يتقاتلان. أحدهما رجل ضخم يرتدي درعًا جلديًا ويحمل فأسًا ملطخًا بالدم. الآخر مخلوق نحيل بجلد رمادي وعينين حمراوين، يتحرك بسرعة غير طبيعية. القتال كان سريعًا وعنيفًا.

تفادى الرجل هجومًا، ثم ضرب بفأسه كتف المخلوق. صرخ المخلوق، ثم أنهى الرجل القتال بضربة على رأسه، فسقط المخلوق ميتًا.

وقف الرجل يلتقط أنفاسه، ثم انحنى وسحب شيئًا صغيرًا مضيئًا من جسد المخلوق. كانت كرة ضوء بيضاء تنبض في يده. ابتسم ابتسامة قاسية، ووضعها في جراب عند خصره.

فجأة التفت في اتجاه هاروما. تجمد الأخير خوفًا. لكنه لم يقترب، بل ضحك ضحكة قصيرة ثم غادر، تاركًا الجثة خلفه.

انزلق هاروما خلف الصخرة، يرتجف ويشعر بالغثيان. شاهد قتلًا حقيقيًا، ورأى شيئًا لا يمكن تفسيره: تلك الكرة المضيئة. فهم أن قوانين عالمه القديم لا تنطبق هنا. في هذا العالم ذي السماء الحمراء، الحياة رخيصة، والموت ليس النهاية. إن لم يتعلم سريعًا، فسيكون الضحية التالية.بقي هاروما خلف الصخرة وقتًا طويلًا، لا يجرؤ على الحركة. كان قلبه ينبض بقوة، وصورة الفأس وهي تهشم رأس المخلوق لا تفارق ذهنه. الخوف الذي شعر به كان جديدًا عليه؛ لم يكن خوف امتحان أو إحراج، بل خوف حقيقي من الموت العنيف.

عندما تأكد أن الرجل الضخم ابتعد، زحف ببطء من مخبئه. كان يرتجف، وعقله يحاول فهم ما حدث. القتل… والكرة المضيئة التي خرجت من الجثة. هل كانت روحًا؟ هل الأرواح هنا شيء يُنتزع؟ شعر بدوار واضطر للاتكاء على الصخرة.

كان عليه أن يبتعد. وجوده قرب الجثة كان لا يُحتمل. بدأ يمشي في الاتجاه المعاكس، بلا هدف، فقط يريد الابتعاد. كان يسير شاردًا، يعيد المشهد في رأسه.

الأرض كانت قاسية وخالية، والصمت ثقيل. كل صوت ريح يجعله يتوتر، وكل ظل يبدو خطرًا. شعر بوحدة لم يعرفها من قبل. لا أحد يلجأ إليه، لا مكان آمن.

بعد وقت طويل من المشي، بدأ ينهار. الجوع والعطش والإرهاق سيطروا عليه. تعثر وسقط على ركبتيه، وخدشت الصخور جلده. حاول النهوض لكنه فشل، فاستلقى على ظهره ينظر إلى السماء الحمراء. هل سيموت هنا وحيدًا؟ أغمض عينيه، وانسابت دمعة على وجهه المغطى بالغبار.

فجأة شعر بظل فوقه. فتح عينيه بسرعة. كانت هناك شخصية تقف أمامه، نحيلة، وعلى ظهرها سيفان معقوفان.

تراجعت خطوة، فكشف الضوء عن ملامحها. كانت فتاة في عمر يقارب عمره، بشعر فضي قصير وعينين زرقاوين حادتين. ترتدي درعًا جلديًا خفيفًا، وعلى وجهها ندبة رفيعة فوق حاجبها الأيسر. جمالها كان قاسيًا، يوحي بالخبرة في القتال.

نظرت إليه بنظرة باردة. تفحصت ملابسه المدرسية الممزقة وحاله البائس، ثم قالت بصوت واضح خالٍ من التعاطف: "روح جديدة. ماذا تفعل هنا تنتظر الموت؟ لا أحد سيشفق عليك."

لم يستطع الرد. حلقه جاف، وهو يحدق فيها بخوف وارتباك.

انحنت قليلًا نحوه، وعيناها تدرسانه. "لا تعرف أين أنت، صحيح؟ متّ ووصلت إلى هنا. خائف وضائع. يحدث كثيرًا."

أومأ بصمت.

وقفت ونظرت حولها بحذر، ثم قالت: "أمامك خياران. تبقى هنا وتموت نهائيًا. أو تقوم وتتبعني، وسأعطيك فرصة للنجاة. لكن إن أصبحت عبئًا، سأتركك."

كانت كلماتها قاسية، لكنها حملت أملًا. فرصة للعيش. جمع ما بقي لديه من قوة وجلس، ثم وقف بصعوبة مستندًا إلى صخرة.

نظرت إليه لثانية، وظهر في عينيها رضا خفيف. "جيد. لديك إرادة للبقاء." استدارت وبدأت تمشي. "اسمي آنيا. لا تكثر الأسئلة. فقط اتبعني."

نظر هاروما إلى الخراب حوله، ثم إلى ظهرها. لم يكن لديه خيار آخر. أخذ نفسًا عميقًا وبدأ يتبعها بخطوات متعبة، لكنه مصمم. لم يعرف إن كانت منقذته أم شيء آخر، لكنه عرف شيئًا واحدًا: هذه الفتاة هي فرصته الوحيدة للنجاة في هذا العالم ذي السماء الحمراء.

2026/02/06 · 1 مشاهدة · 1247 كلمة
FOF
نادي الروايات - 2026