كانت الساعة تقترب من الثالثة صباحًا.
لفح وجهي نسيم البحر البارد، محمّلًا برائحة الملح، بينما كانت شوارع المدينة شبه خالية إلا من أضواء المصابيح الصفراء المتناثرة على الأرصفة.
انتهت المباراة منذ أقل من نصف ساعة، لكن حماسها ما زال يملأ صدورنا.
"ألم أقل لك إن المغرب سيفوز على هولندا؟"
ضحكت بصوت مرتفع وأنا ألوّح برزمة الأوراق النقدية في يدي.
"قلت لك ألا تراهن ضد المنتخب... لكنك كنت واثقًا أكثر من اللازم."
زفر صديقي بضيق وهو يحدق في الأرض.
ظل صامتًا لعدة خطوات قبل أن يرفع رأسه نحو السماء المظلمة.
"تبًا..."
هز رأسه بأسى.
"خمسة آلاف درهم... اختفت في تسعين دقيقة."
لم أتمالك نفسي من الضحك.
"ومن قال لك أن تراهن أصلًا؟"
نظر إليّ بطرف عينه.
"لو استمعت لك، لكنت أنا من يضحك الآن."
ضحكت مجددًا وأنا أعيد عدّ المال للمرة الخامسة، وكأنني أخشى أن يختفي فجأة.
واصلنا السير بلا وجهة حقيقية، نتنقل من موضوع إلى آخر كما يحدث دائمًا.
بدأنا بالمباراة...
ثم السياسة...
ثم الجامعة...
ثم انتهى بنا الأمر نتجادل حول أشياء لا علاقة لها ببعضها.
كان هذا طبيعيًا بيننا.
رغم اختلافنا في كل شيء تقريبًا، بقينا صديقين منذ سنوات.
هو يؤمن بالحرية المطلقة، ويعتبر الدين مسألة شخصية لا ينبغي أن تتحكم في حياة الناس.
أما أنا، فكنت أرى أن كثيرًا من الأفكار التي يتبناها ليست سوى أوهام جميلة.
وكنا نسخر من اختلافاتنا أكثر مما نتشاجر بسببها.
ربما لهذا السبب استمرت صداقتنا.
حين وصلنا إلى منزله، توقف أمام الباب وأخرج مفتاحه.
التفت نحوي مبتسمًا.
"ما رأيك أن تنام عندي الليلة؟"
نظر إلى هاتفه ثم أضاف:
"الساعة الرابعة والنصف تقريبًا."
ابتسمت بسخرية.
"لا، أشكرك."
هززت رأسي.
"آخر مرة نمت عندك، كادت والدتك ترميني من النافذة."
انفجر ضاحكًا.
"كانت تمزح."
"لا..."
نظرت إليه بجدية.
"لم تكن تمزح."
ضحكنا معًا للحظات.
بعدها ودعته واستدرت متجهًا نحو منزلي.
لم أبتعد كثيرًا حتى سمعت صوته خلفي.
"هيثم!"
استدرت.
"ماذا؟"
ابتسمت بخبث.
"إذا كنت ستطلب استعارة المال، فالجواب لا."
لكن ابتسامتي اختفت عندما رأيت ملامحه.
كان ينظر إليّ بجدية غير معتادة.
قال بصوت هادئ:
"أمك اتصلت بك مرات كثيرة."
أخرجت هاتفي من جيبي لأتصفحه مجدداً.
كانت الشاشة مليئة بالمكالمات الفائتة.
تنهدت.
"عد إلى المنزل بسرعة."
تابع وهو يعقد حاجبيه.
"ستكون قلقة عليك."
نظرت إلى الشاشة للحظات.
ثم أغلقتها.
"لا تقلق."
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
"لن يحدث شيء."
***
لو كنت أعلم...
لما قلت تلك الكلمات.
كانت الشوارع فارغة.
لم أعد أسمع سوى صوت خطواتي.
وصوت الريح.
ثم...
صوت محرك.
بعيد.
لكنه يقترب بسرعة.
توقفت.
استدرت.
رأيت ضوءًا أبيض يشق الظلام.
كان كل شيء يحدث بسرعة أكبر من أن أستوعبه.
صرير فرامل.
صوت ارتطام.
شعور رهيب اجتاح جسدي كله.
ثم...
اختفى الألم.
اختفى الصوت.
اختفى الضوء.
واختفى العالم.
...
لا أعرف كم مر من الوقت.
ثانية؟
سنة؟
ألف عام؟
كل شيء كان فراغًا.
إلى أن بدأت أرى...
صورًا.
ليست واضحة.
مجرد لقطات متفرقة.
سقف خشبي.
رائحة طعام لم أعرفها من قبل.
لغة غريبة لم أفهم منها حرفًا.
رجل...
كان جميل الملامح بصورة غريبة.
ملامحه ناعمة، وحركاته رقيقة، وكان يحملني بحنان شديد.
ثم تظهر امرأة.
طويلة.
عريضة الكتفين.
تضحك بصوت مرتفع.
تحملني بسهولة وكأنني لا أزن شيئًا، ثم ترفعني في الهواء وهي تلهو معي.
كان الرجل يصرخ عليها كل مرة، وكأنه يخشى أن تؤذيني.
فتضحك أكثر.
وتعيد الكرّة.
في البداية ظننت أنني أحلم.
لكن الأحلام لا تستمر أيامًا...
ولا أشهرًا...
ولا سنوات.
وفي كل مرة أغفو...
أستيقظ على ذكرى جديدة.
حتى جاء اليوم الذي فتحت فيه عيني بوعي كامل.
كان السقف الخشبي فوق رأسي.
السرير صغيرًا.
وجسدي...
صغيرًا أيضًا.
رفعت يدي أمام وجهي.
كانت يد طفل رضيع.
تجمدت أنفاسي.
"..."
أما أنا...
فقد وُلدت من جديد.