الفصل 1 : نهاية الإمبراطور

كان الدخان الأسود يغطي سماء العاصمة الملكية فالكاريس، بينما كانت ألسنة اللهب تلتهم القصور الحجرية التي صمدت لعشرات الآلاف من السنين.

انهارت الأبراج الواحدة تلو الأخرى، وامتلأت الشوارع بجثث الشياطين والبشر، حتى اختلطت دماؤهم على الأرض.

كان هذا...

اليوم السابع.

اليوم الأخير من حرب الخلاص العظمى الثانية.

دوى انفجار هائل في قلب العاصمة، فتطايرت الصخور في كل اتجاه، بينما اندفع عشرات الفرسان المقدسين نحو آخر خطوط دفاع مملكة ألدوريا.

"لا تسمحوا لأي شيطان بالهرب!"

"باسم الممالك البشرية الثلاث... اقضوا عليهم جميعًا!"

ارتفعت صيحات الفرسان وهم يرفعون سيوفهم المقدسة المضيئة، لينقضوا على الجنود الشياطين المنهكين.

اصطدمت السيوف بالدروع، وتعالت أصوات الصراخ والانفجارات السحرية في كل مكان.

"آآآغ!"

سقط أحد الجنود الشياطين بعد أن اخترق رمح مقدس صدره، بينما اندفع آخر لإنقاذ رفيقه قبل أن تقطع رأسه ضربة سيف خاطفة.

لم يعد القتال معركة...

بل أصبح مذبحة.

كانت قوات ألدوريا تتراجع خطوة بعد أخرى، بينما كانت جيوش الممالك الثلاث تتقدم بلا رحمة.

في السماء، تناثرت بقايا التنانين الشيطانية بعد أن مزقتها التعاويذ المقدسة، وسقطت أجسادها العملاقة فوق القصور المحترقة.

أما الأرض...

فلم يعد لونها يُرى.

فقد غطتها الدماء.

وسط هذا الجحيم، وقف آخر فرسان الحرس الإمبراطوري الشيطاني أمام بوابة القصر الملكي، يقاتلون حتى آخر أنفاسهم لحماية سيدهم.

كانوا يعلمون جيدًا...

أن سقوط القصر يعني سقوط مملكة ألدوريا بأكملها.

لكن رغم اليأس...

لم يتراجع أي واحد منهم.

لأن خلف تلك البوابة...

كان يقف الإمبراطور الذي أقسموا على خدمته حتى الموت.

لوسيفر أسموديس.

كانت قاعة العرش الإمبراطورية...

قد تحولت إلى أنقاض.

الأعمدة العملاقة التي حملت سقف القصر لعشرات آلاف السنين كانت مكسورة، والنيران تلتهم الجدران السوداء المزينة بشعار مملكة ألدوريا.

تساقطت قطع الحجارة من السقف بين الحين والآخر، بينما غطى الغبار والرماد أرجاء القاعة.

وفي منتصفها...

كان هناك رجل واحد فقط ما زال واقفًا.

أو بالأحرى...

يرفض السقوط.

ركع لوسيفر أسموديس على ركبةٍ واحدة، مغرسًا سيفه الأسود العملاق في الأرض ليستند إليه.

كانت دروعه الإمبراطورية قد تحطمت، وغطت الدماء جسده بالكامل، بينما تناثرت عشرات الجروح العميقة على ذراعيه وصدره.

أنفاسه كانت ثقيلة...

كل شهيق كان يؤلمه.

وكل زفير كان يحمل قطرات من الدم.

لكن...

عيناه القرمزيتان لم تفقدا بريقهما.

بل كانتا ما تزالان تحملان الكبرياء نفسه الذي جعل العالم يخشاه.

على بعد عدة أمتار...

وقف ثلاثة عشر شخصًا في صف واحد.

يرتدون أردية مختلفة الألوان، إلا أن هالاتهم كانت كافية لجعل الهواء نفسه يرتجف.

الحكام الثلاثة عشر.

الكائنات التي تحافظ على توازن العوالم.

ساد الصمت للحظات...

قبل أن يتقدم أحد الحكام خطوة إلى الأمام.

كان يحمل رمحًا فضيًا يحيط به ضوء هادئ.

قال بصوت خالٍ من المشاعر:

"لقد انتهى الأمر يا لوسيفر."

رفع لوسيفر رأسه ببطء، ثم ابتسم ابتسامة ساخرة ملطخة بالدم.

"انتهى؟"

بصق قليلًا من الدم على الأرض.

"أنتم من يقرر متى تنتهي الحروب؟"

قال حاكم آخر، وكانت عيناه بلون الذهب:

"جيشك أُبيد."

"عاصمتك سقطت."

"وقوتك لم تعد كما كانت."

"ليس لديك ما تقاتل من أجله."

ضحك لوسيفر...

ضحكة منخفضة لكنها كانت مليئة بالاحتقار.

"ليس لدي ما أقاتل من أجله؟"

بدأ ينهض ببطء مستندًا إلى سيفه.

ارتجفت ذراعاه من شدة الإرهاق، لكنهما لم تخذلاه.

وقف أخيرًا...

رغم أن الدماء كانت تنزف من جسده بلا توقف.

نظر إلى الحكام واحدًا تلو الآخر.

"أنتم..."

"لا تعرفون شيئًا."

اتسعت ابتسامته.

"عندما ذبح البشر عائلتي..."

"عندما أحرقوا مملكتي الأولى..."

"أين كنتم؟"

ساد الصمت.

تابع لوسيفر بصوت يملؤه الغضب:

"عندما خانت الممالك البشرية معاهدة السلام التي استمرت ثلاثين ألف عام..."

"أين كان حرصكم على التوازن؟"

"..."

"أين كانت عدالتكم؟"

لم يجب أحد.

فقال لوسيفر وهو يحدق فيهم باحتقار:

"واليوم..."

"عندما قررت الانتقام..."

"ظهرتم فجأة لتخبروني أنني أهدد السلام."

اشتدت الهالة الشيطانية حوله رغم ضعفه.

"أي سلام هذا؟"

"سلام بُني فوق جماجم شعبي؟"

"سلام كُتب بدماء الأطفال الشياطين؟"

قبض أحد الحكام على سلاحه بقوة.

وقال ببرود:

"الانتقام لا يصنع العدالة."

ابتسم لوسيفر.

"ولا الصمت يصنعها."

تقدم حاكم آخر خطوة.

"استسلم."

"لن نقتلك."

"سنختم قوتك، وستنتهي هذه المأساة."

ابتسم لوسيفر ابتسامة واسعة.

ثم...

رفع سيفه ببطء، ووجه نصله نحو الحكام.

"أنا..."

توهجت عيناه القرمزيتان من جديد.

"الإمبراطور الشيطاني..."

"لوسيفر أسموديس."

انفجرت هالته لتبعثر الركام المحيط به، رغم أن جسده كان على وشك الانهيار.

"ولم أركع يومًا لعدو."

ثبت قدميه بقوة رغم ارتجافهما.

"ولن أستسلم..."

"حتى لو كان الثمن..."

نظر إلى الحكام جميعًا دون ذرة خوف.

"...هو موتي."

ساد الصمت.

حتى النيران المشتعلة بدت وكأنها هدأت للحظة.

تبادل الحكام النظرات فيما بينهم.

ثم قال قائدهم بصوت منخفض:

"إذن..."

رفع سلاحه.

"...فلتنتهِ هذه الحرب."

وفي اللحظة التالية...

انطلقت هالات الحكام الثلاثة عشر معًا، لتغمر قاعة العرش بنورٍ هائل، بينما شد لوسيفر قبضته على سيفه، مستعدًا لخوض آخر معركة في حياته.

انفجر الضوء الذهبي الذي أطلقه الحكام الثلاثة عشر، فابتلع قاعة العرش بأكملها.

لكن...

وسط ذلك الضوء...

اشتعلت هالة سوداء كالهاوية.

رفع لوسيفر سيفه الإمبراطوري نحو السماء، فانفجرت منه موجة من الطاقة الشيطانية مزقت الضوء إلى نصفين.

بووووووووووم!!

اهتزت العاصمة الملكية فالكاريس بأكملها.

انهارت آخر نوافذ القصر، وتناثرت الصخور في كل اتجاه.

فتح لوسيفر عينيه القرمزيتين، وقال بصوت هز أرجاء القصر:

"إذا أردتم إسقاط الإمبراطور..."

"...فادفعوا الثمن."

اختفى من مكانه.

دوم!!

تشققت الأرض التي كان يقف عليها، بينما ظهر أمام أحد الحكام في لمح البصر.

هوى السيف الأسود بقوة مرعبة.

لكن الحاكم رفع رمحه الفضي.

كااااااانغ!!

اصطدم السيف بالرمح، فانفجر الهواء حولهما.

ارتدت موجة الصدمة لمسافات بعيدة، وأسقطت ما تبقى من جدران القصر.

في اللحظة نفسها...

ظهر ثلاثة حكام خلف لوسيفر.

"سلاسل النور الأبدي!"

اندفعت عشرات السلاسل الذهبية نحوه.

لكن لوسيفر لوح بيده اليسرى.

"جدار الجحيم."

ارتفع أمامه جدار أسود من اللهب الشيطاني.

اصطدمت السلاسل به...

وانفجرت.

بووووم!

غطى الدخان المكان.

وفجأة...

خرج لوسيفر من وسط الانفجار كالإعصار.

قطع أحد السلاسل بسيفه.

ثم استدار بسرعة خاطفة.

ششششك!

جرح كتف أحد الحكام.

لأول مرة...

سال دم حاكم.

اتسعت أعين بقية الحكام.

"لقد اخترق دفاعه!"

لكن قبل أن يتمكن لوسيفر من توجيه الضربة التالية...

رفع أحد الحكام يده نحو السماء.

"رمح القضاء السماوي."

تجمعت آلاف الرماح الضوئية فوق العاصمة.

ثم...

سقطت جميعها دفعة واحدة.

رفع لوسيفر رأسه.

ابتسم.

"هاه..."

"هذا أفضل مما توقعت."

غرس سيفه في الأرض.

"تعويذة الإمبراطور..."

بدأت الدائرة السحرية السوداء تتوسع تحت قدميه.

امتدت حتى غطت القصر بأكمله.

ثم قال بصوت عميق:

"جحيم الألف تنين."

اهتزت الأرض.

وتصدعت.

وفي اللحظة التالية...

خرجت عشرات التنانين السوداء المصنوعة من اللهب الشيطاني من الدائرة السحرية.

أطلقت زئيرًا هز السماء.

ثم اندفعت نحو الرماح السماوية.

اصطدمت القوتان.

بووووووووووووووم!!

غطى الانفجار العاصمة كلها.

اختفى ضوء الشمس.

وتحولت السماء إلى دوامة من النار والظلام.

لكن الحكام لم يمنحوه فرصة.

ظهر اثنان منهم فوقه مباشرة.

وسقط سيفان من الضوء معًا.

رفع لوسيفر سيفه.

كاااااااانغ!!

أوقف الضربتين.

لكن الأرض تحته انهارت.

غرقت قدماه داخل الصخور.

اندفع حاكم ثالث من الخلف.

رمحه اخترق كتف لوسيفر.

ششششك!

تناثر الدم الأسود.

لكن...

بدل أن يتراجع...

ابتسم لوسيفر.

أمسك الرمح بيده العارية.

قبض عليه بقوة.

ثم جذب الحاكم نحوه.

وفي اللحظة التي اقترب فيها...

ششششك!!

شق السيف الأسود صدر الحاكم.

تراجع الحاكم وهو ينزف.

أما لوسيفر...

فانتزع الرمح من كتفه بنفسه.

وسقطت الدماء على الأرض.

كانت أنفاسه تزداد ثقلًا.

وجسده يقترب من حدوده.

لكن عينيه...

لم تعرفا الاستسلام.

قال أحد الحكام بصوت جاد:

"إنه يحتضر..."

"ومع ذلك..."

"...تزداد شراسته."

رد قائد الحكام وهو يراقب لوسيفر:

"لهذا السبب..."

"...لم يكن قتله خيارًا منذ البداية."

في تلك اللحظة...

رفع لوسيفر سيفه نحو السماء مرة أخرى.

بدأت جميع الطاقة الشيطانية المتبقية في جسده تتدفق إلى النصل.

ارتجف السيف.

واكتسى بلون أسود قاتم.

ابتسم لوسيفر ابتسامة مرهقة.

"هذه..."

"...آخر ضربة."

اندفع نحو الحكام الثلاثة عشر وحده.

بينما اندفعوا هم نحوه في الوقت نفسه.

أسود يواجه ذهبًا.

ظلام يواجه نورًا.

وفي لحظة اصطدام القوتين...

اهتزت السماء...

وانفجرت العاصمة الملكية فالكاريس بانفجارٍ لم تشهد له التاريخ مثيلًا.

ساد الصمت...

بعد الانفجار الذي مزق العاصمة الملكية فالكاريس.

لم يعد يُسمع سوى صوت الحجارة المتساقطة، ولهيب النيران الذي يلتهم ما تبقى من القصر الإمبراطوري.

وسط سحابة الغبار الكثيفة...

وقف لوسيفر أسموديس.

كان جسده مغطى بالدماء والجروح، وقد تحطمت دروعه بالكامل، بينما كانت أنفاسه متقطعة.

لكن...

ما زال واقفًا.

رفع رأسه بصعوبة، ونظر نحو الحكام الثلاثة عشر.

ابتسم ابتسامة متعبة.

"حتى بعد كل هذا..."

"...ما زلتم واقفين."

وفجأة...

أضاءت الأرض تحت قدميه.

ظهرت دائرة سحرية عملاقة، امتدت نقوشها لعشرات الأمتار، وبدأت تدور ببطء مطلقة ضوءًا ذهبيًا ساطعًا.

عبس لوسيفر.

"إذن..."

"وصلتم إلى هذه المرحلة."

رفع قائد الحكام يده.

وقال بصوت هادئ:

"لقد أثبتَّ قوتك."

"ولذلك..."

"لن نحاول قتلك."

بدأت الدائرة السحرية تدور بسرعة أكبر.

وفي اللحظة التالية...

شششششينغ!

خرجت عشرات السلاسل الذهبية من داخل الدائرة، والتفت حول ذراعي لوسيفر وساقيه وخصره وعنقه.

شدّت السلاسل جسده بقوة.

لكن...

لوسيفر ضحك.

"بهذه السلاسل؟"

شد ذراعيه بعنف.

كرااااك!!

تحطمت عدة سلاسل دفعة واحدة.

غير أن السلاسل الجديدة خرجت فورًا من الدائرة، والتفت حوله من جديد.

عبس لوسيفر.

مزقها مرة أخرى.

كراااك!

لكن...

خرج ضعف عددها.

أصبحت السلاسل تتكاثر كلما تحطمت.

التفت حول ذراعيه...

ثم ساقيه...

ثم صدره...

حتى لم يعد يرى من جسده سوى وجهه.

حاول التقدم خطوة.

لكن السلاسل شدته إلى مكانه.

قال أحد الحكام:

"كلما قاومت..."

"زاد الختم قوة."

زمجر لوسيفر.

وانفجرت هالته الشيطانية مرة أخرى.

اهتزت العاصمة بأكملها.

تشققت الأرض.

وانكسرت مئات السلاسل.

لكن...

خرجت آلاف السلاسل الجديدة من الدائرة السحرية.

كانت لا تنتهي.

ضغط لوسيفر على أسنانه.

ولأول مرة...

بدأ جسده يعجز عن المقاومة.

نظر إليه قائد الحكام بعينين هادئتين.

ثم رفع يده نحو السماء.

"أيها الحكام..."

"ابدؤوا."

في اللحظة نفسها...

تقدم الحكام الثلاثة عشر، ووقف كل واحد منهم في جهة من جهات الدائرة السحرية.

رفعوا أيديهم معًا.

واشتعلت ثلاث عشرة دائرة سحرية في الهواء.

تداخلت الدوائر فوق رأس لوسيفر، حتى أصبحت ختمًا هائلًا يغطي السماء.

ردد الحكام بصوت واحد، حتى بدا وكأن العالم نفسه يردد كلماتهم:

"باسم قوانين التوازن..."

"وباسم العهود الأولى..."

"وباسم النظام الذي يحفظ العوالم..."

"نحن، الحكام الثلاثة عشر..."

"نختم قوة الإمبراطور الشيطاني..."

"لوسيفر أسموديس."

انطلقت أعمدة من الضوء الذهبي من الدوائر السحرية.

واخترقت جسد لوسيفر.

ارتجف جسده بعنف.

بدأت هالته السوداء تتلاشى شيئًا فشيئًا.

شعر لوسيفر بأن قوته...

تُسحب منه بالقوة.

زمجر وهو يحاول التحرر.

لكن السلاسل أحكمت قبضتها أكثر.

ابتسم رغم الألم.

وقال بصوت متعب، لكنه مليء بالكبرياء:

"يمكنكم..."

"...ختم قوتي."

أغلق عينيه للحظة.

ثم فتحهما من جديد، لتلمع عيناه القرمزيتان للمرة الأخيرة.

"لكن..."

"لن تستطيعوا..."

"...كسر إرادتي."

ساد الصمت.

نظر الحكام إليه دون أن يجيب أحد.

واستمرت الدوائر السحرية بالدوران.

بدأ جسد لوسيفر يتحول إلى ذرات سوداء من الضوء.

وفي مركز الدائرة...

تكون حجر أسود ضخم، تغطيه نقوش ذهبية لا حصر لها.

حجر الخلاص.

اندفعت روح لوسيفر داخل الحجر، وانغلقت جميع النقوش في اللحظة نفسها.

بووووم!!

انطلق عمود من الضوء إلى السماء، ثم اختفى بعد لحظات.

ساد الصمت...

لأول مرة منذ سبعة أيام.

نظر قائد الحكام إلى الحجر بصمت طويل.

ثم قال:

"لقد انتهت..."

"حرب الخلاص العظمى الثانية."

انطفأت الدوائر السحرية واحدة تلو الأخرى.

وبقيت فالكاريس مليئة بالجثث واختفى الجيش الشيطاني بعد ختم لوسيفر.

أما في أعماق حجر الخلاص...

فلم تنطفئ إرادة الإمبراطور الشيطاني.

بل كانت...

تنتظر يوم عودتها.

ساد الصمت...

لم تكن هناك سماء.

ولا أرض.

ولا ضوء.

ولا حتى ظلامٌ يمكن وصفه.

كان مجرد فراغٍ لا نهائي، لا بداية له ولا نهاية.

فتح لوسيفر أسموديس عينيه ببطء.

"..."

لم يشعر بثقل جسده.

ولم يشعر بالأرض تحت قدميه.

نظر حوله...

فلم يرَ سوى الفراغ الممتد إلى ما لا نهاية.

رفع يده أمام عينيه.

كانت موجودة.

لكنه كان يطفو بلا اتجاه، وكأن قوانين الجاذبية لم تعد موجودة.

قطب حاجبيه.

"أين أنا...؟"

لم يجبه أحد.

حاول استشعار المانا الشيطانية داخل جسده.

لكن...

لم يجد شيئًا.

اتسعت عيناه.

"قوتي..."

"اختفت؟"

أغلق عينيه للحظة، ثم حاول مرة أخرى.

لا شيء.

ولا ذرة واحدة من الطاقة.

قبض يده بقوة.

"هل نجح الختم...؟"

تردد صدى صوته في الفراغ، ثم عاد إليه وكأن العالم كله فارغ إلا منه.

مرت لحظات من الصمت.

وفجأة...

طننن...

صدر صوت غريب لم يسمعه في حياته.

توقف لوسيفر عن الحركة.

"ما هذا...؟"

أمام عينيه مباشرة...

بدأت ذرات ذهبية صغيرة تتجمع في الهواء.

ثم تشكل منها لوح شفاف بلون ذهبي باهت.

ارتفع اللوح أمامه وكأنه ينتظر أن يقرأه.

اتسعت عينا لوسيفر.

"ما هذا...؟"

وقبل أن يلمس اللوح...

ظهر لوح ثانٍ.

ثم ثالث.

ثم رابع.

حتى أصبحت النوافذ الذهبية تحيط به من كل جانب.

ظهرت الكلمات عليها واحدة تلو الأخرى.

«[...جارٍ التعرف على الروح...]»

«[تم التعرف على الكيان.]»

«[الاسم: لوسيفر أسموديس.]»

«[اللقب: الإمبراطور الشيطاني الأخير.]»

«[حالة الروح: مختومة.]»

«[تقييم الضرر: 99.99٪.]»

«[القوة الحالية: غير متاحة.]»

«[جارٍ البحث عن وعاء متوافق...]»

ارتجفت عينا لوسيفر.

"وعاء...؟"

مد يده نحو إحدى النوافذ.

لكن أصابعه مرت خلالها، وكأنها مجرد ضوء.

"أي نوع من السحر هذا...؟"

لم تتوقف النوافذ.

بل ظهرت نافذة جديدة.

«[تم العثور على وعاء مناسب.]»

ثم أخرى.

«[اسم الوعاء: كانغ جين هو.]»

«[العمر: 25 سنة.]»

«[الحالة: وفاة مؤكدة.]»

«[توافق الجسد مع الروح: 99.98٪.]»

«[بدء عملية إعادة التجسد...]»

تغيرت ملامح لوسيفر فجأة.

"إعادة... التجسد؟"

"ما الذي تتحدث عنه هذه النوافذ؟"

ضرب إحدى النوافذ بقبضته.

لكنها لم تتحرك.

ولم تتحطم.

وكأنها غير موجودة أصلًا.

زمجر بغضب.

"أظهر نفسك!"

"من يجرؤ على العبث بي؟!"

لم يجبه أحد.

بل ظهرت نافذة أخيرة أكبر من جميع النوافذ السابقة.

كانت حروفها الذهبية أكثر لمعانًا.

«[تمت الموافقة.]»

«[سيبدأ انتقال الروح خلال: 3...]»

"انتظر!"

«[2...]»

"أوقف هذا فورًا!"

«[1...]»

اتسعت حدقتا لوسيفر.

"أيها الوغد... من أنت؟!"

لكن...

قبل أن تصل كلماته الأخيرة...

ابتلع الفراغ جسده بالكامل.

واختفت جميع النوافذ الذهبية في لحظة واحدة.

ثم...

غمره ضوء أبيض ساطع.

وشعر وكأن وعيه يُسحب إلى مكانٍ بعيد...

بعيد جدًا.

شعر بألمٍ حاد يجتاح جسده.

تثاقلت أنفاسه.

وسمع لأول مرة منذ زمنٍ طويل صوت قطرات الماء وهي تتساقط من سقفٍ صخري.

...تقط...

...تقط...

...تقط...

تحركت أصابعه ببطء.

ثم فتح لوسيفر عينيه فجأة.

"هاه...!"

جلس بسرعة، وأخذ يلتقط أنفاسه.

كانت عيناه تتحركان في أرجاء المكان بحذر.

كهف.

جدرانه من الصخور الرمادية، والرطوبة تغطيها، بينما تنبعث إضاءة خافتة من بلورات زرقاء مغروسة في السقف.

ساد الصمت.

قطب حاجبيه.

"هذا ليس..."

"...الفراغ."

حاول الوقوف.

لكن...

توقف فجأة.

شعر بشيء غريب.

جسده.

كان خفيفًا بصورة لم يعهدها.

اختفى ذلك الإحساس بالقوة الهائلة الذي رافقه لعشرات آلاف السنين.

بل حتى طريقة تنفسه...

كانت مختلفة.

نظر إلى كفه الأيمن.

وساد الصمت.

"..."

رفع يده أمام وجهه.

كانت أصابعه أنحف.

وبشرته أفتح.

ولا وجود للندوب القديمة التي اكتسبها في حروبه التي لا تُحصى.

أطبق كفه ببطء.

ثم فتحه مرة أخرى.

"هذه..."

همس بصوت منخفض.

"...ليست يدي."

ارتفعت أنفاسه قليلًا.

نظر إلى ذراعه

.

ثم إلى ساقيه.

ثم لمس وجهه.

كانت ملامحه مختلفة.

وشعره...

لم يعد طويلًا كما كان.

تقدم بخطوات سريعة نحو بركة ماء صغيرة تجمعت داخل الكهف.

ركع أمامها.

ونظر إلى انعكاسه.

تجمد مكانه.

لم يكن الوجه الذي يراه...

وجه الإمبراطور الشيطاني لوسيفر أسموديس.

بل وجه شاب في منتصف العشرينات.

شعر أسود.

عينان سوداوان.

ملامح هادئة...

لكنها غريبة عنه تمامًا.

ظل يحدق في انعكاسه عدة ثوانٍ.

ثم لمس خده ببطء.

وفعل الانعكاس الشيء نفسه.

لم يكن وهمًا.

ولا سحرًا.

ولا خدعة.

لقد أصبح هذا الجسد...

جسده.

قال بصوت يكاد لا يُسمع:

"...أي نوع من اللعنات هذه؟"

قبض على حافة البركة بقوة.

"أنا..."

"...لوسيفر أسموديس."

"الإمبراطور الشيطاني."

"فكيف..."

توقف للحظة، وهو يحدق في وجهه الجديد.

"...أصبحت داخل جسد إنسان؟"

ساد الصمت داخل الكهف.

ولأول مرة منذ آلاف السنين...

شعر لوسيفر بشيء لم يشعر به في أي معركة.

الارتباك.

لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا في ذهنه.

مهما كان هذا الجسد...

ومهما كان هذا العالم...

فإنه سيكتشف الحقيقة.

وسيعرف...

من الذي تجرأ على إعادته إلى الحياة.

[ نهاية الفصل 1 ]

2026/07/14 · 5 مشاهدة · 2405 كلمة
Nero
نادي الروايات - 2026