أرون.
رون.
ج.س.
كانت الكلمات قد زُرعت داخل عقله دفعةً واحدة، لم يسمعها بأذنه ولم يقرأها بعينه، بل ظهرت فجأة كما لو أن أحدهم ألقى بها في أعماق وعيه. لم يفهم معناها، كما لم يفهم مصدرها، لكن مجرد التفكير بها جعله يشعر بأنها مهمة على نحوٍ لا يستطيع تفسيره.
في تلك اللحظة شعر بألمٍ حاد في معصم يده اليمنى، فألقى بصره نحوه بسرعة. كانت خطوط حمراء متوهجة ترتسم فوق جلده ببطء، وكأن شيئًا غير مرئي ينقشها بالنار. لم يستغرق الأمر سوى ثوانٍ حتى اكتمل الرمز.
كان الرمز يشبه عينًا محاطة بخطوطٍ متشابكة تشبه الرمز الموجود على الجدار. أما بؤبؤ العين فكان غريبًا بصورة يصعب وصفها، إذ لم يكن دائرة أو شكلًا هندسيًا مألوفًا، بل بدا وكأنه قطعة صغيرة من الليل نفسه.
ظل يحدق فيه لعدة ثوانٍ ،ولسببٍ لم يفهمه، شعر بألفةٍ غريبة نحوه.
وكأن الرمز يعرفه أو ربما كان هو من يعرف الرمز.
رفع يده ببطء ثم نظر إلى المذكرة السوداء التي ما زالت في قبضته. كان هناك شعور خافت يربط بين الشيئين، شعور لم يكن منطقيًا لكنه كان حاضرًا بوضوح داخل عقله.
رفع المذكرة إلى مستوى عينيه وبدأ يتفحص الغلاف مرةً أخرى. كان أسود بالكامل تقريبًا، بينما بقي العنوان الذهبي لامعًا كما كان من قبل.
لكن شيئًا تغير ،ظهر الرمز نفسه فوق الغلاف العين ذاتها والخطوط ذاتها بل حتى ذلك البؤبؤ الذي يشبه الليل.
شعر بأن الأمور بدأت تخرج عن سيطرته.
“ماذا يحدث؟”
خرجت الكلمات من فمه دون وعي.
كانت الأسئلة تتراكم فوق بعضها بسرعة أكبر من قدرته على إيجاد الإجابات. المتاهة، المذكرة، القفاز، الرمز، والكلمات التي زُرعت في عقله.
لم يكن يملك تفسيرًا لأي منها ،فتح الصفحة الأولى مجددًا ،كان التحذير ما زال موجودًا كما هو.
“من يعقوب إلى من يجد هذه المذكرة السحرية…
فتخلص منها قبل أن تموت.”
لم يتغير شيء لكنه عندما قلب الصفحة التالية، تجمدت عيناه.
كانت هناك كلمات جديدة كلمات لم تكن موجودة قبل دقائق.
2023 - الثاني عشر من أبريل
اكتشفت أن العالم الذي نراه لم يكن العالم الذي اعتقدناه يومًا.
كان التغير سريعًا.
وكانت النهاية قريبة.
هذه المذكرة هي نتائج تجاربي ورحلاتي للنجاة في عالمٍ مكسور.
أعاد قراءة السطور أكثر من مرة ثم قلب الصفحة التالية مباشرة.
2023 - السابع عشر من أبريل
في مختبري كنت أختبر عنصر الظلام.
لا يوجد ظلام حقيقي في عالمنا بسبب وجود ضوء الشمس أو انعكاس ضوء القمر.
لكن الليل الحقيقي هو الليل الذي يكون دون ضوء.
وهو الظلام الحقيقي.
بنيت غرفةً معزولة عن أي مصدر للضوء، وبقيت فيها يومًا كاملًا لدراسة خصائص الظلام.
وكانت النتائج مدهشة.
تابع القراءة دون أن يشعر.
الظلام عنصر يمتص الحواس الست، ويجعلك تفقد إحساسك بالواقع.
الظلام يجعلك تغوص عميقًا في البحر اللاواعي، حيث تتخيل أشياء وتتوهم أمورًا لا وجود لها.
بعد أكثر من عشر ساعات داخل الغرفة بدأت أضيع طريق الخروج منها.
بل لم أعد أعرف أين الباب.
ولا أين أقف.
مشيت محاولًا الوصول إلى أحد الجدران ثم الدوران معه حتى أصل إلى الباب.
لكنني لم أصل إلى أي جدار.
مهما مشيت.
ومهما استمريت.
كنت أمشي في خط مستقيم لساعات دون أن أصل إلى شيء.
شعر الفتى بانقباضٍ خفيف في صدره.
لأنه بدأ يرى تشابهًا مزعجًا بين ما يقرأه ووضعه الحالي.
لكن الصفحة لم تنتهِ بعد.
ارتفع مستوى الخوف لدي بحسب القياسات التي وضعتها في ساعتي لمراقبة مشاعري.
كنت غارقًا في الظلام بل أصبحت جزءًا منه.
لكن جزءًا مني لم يغرق بل حاول الهرب.
عندها شعرت بالرابطة بيني وبين الظلام لكنني لم أفهمه إلا عندما أغمضت عيني كان الحل بسيطًا على نحوٍ سخيف.
سرت مغمض العينين.
وخلال أقل من خمس خطوات وصلت إلى الباب لم أفتح عيني إلا بعد أن فتحت الغرفة.
يعقوب.
أغلق الفتى الصفحة ببطء.
كانت هذه أطول صفحة في المذكرة حتى الآن.
“إذًا هي حقًا مذكرات…”
همس بصوتٍ منخفض.
“وهل كان يعقوب عالمًا؟”
بدأ يغوص في التحليل دون وعي.
إذا كانت هذه المذكرات حقيقية، فهذا يعني أن يعقوب شخص حقيقي. وإذا كان ما كتبه صحيحًا، فهذا يعني أن الظلام ليس مجرد غياب للضوء كما كان يعتقد.
لكن ذلك لم يكن منطقيًا.
“الظلام يمتص الحواس؟”
هز رأسه.
“أليست مبالغة؟”
فالشيء الوحيد الذي يجب أن يتأثر بالظلام هو البصر أو هكذا يفترض.
لكن أثناء تفكيره، توقف فجأة لأن فكرة أخرى خطرت له.
إذا كان يعقوب صادقًا وإذا كان الظلام قادرًا فعلًا على التأثير في الحواس فهل ما يحدث له الآن مشابه لما حدث لذلك العالم؟
اتسعت عيناه قليلًا ثم نظر إلى المتاهة الصامتة من حواليه هل من الممكن أن تكون حواسه قد امتصت بالفعل؟
أغمض الفتى عينيه ببطء، مستحضرًا الكلمات التي قرأها داخل المذكرة قبل قليل. لم يكن مقتنعًا بما كتبه يعقوب، بل إن جزءًا من عقله كان يرفض تصديق أن الظلام يمتلك مثل هذه الخصائص الغريبة، لكن وضعه الحالي لم يترك له الكثير من الخيارات، لذلك قرر أن يجرب الأمر بنفسه.
حاول ألا يفكر في شيء، وألا يركز على شيء بعينه، بل حاول أن يندمج مع الظلام المحيط به كما وصفه يعقوب. في البداية كان يسمع أنفاسه بوضوح، ثم دقات قلبه، ثم بدأ كل شيء يتراجع تدريجيًا إلى خلفية وعيه.
لم يعرف كم من الوقت مر عليه. ربما كانت ثواني، وربما دقائق، بل ربما أكثر من ذلك بكثير، فالوقت نفسه بدا وكأنه يفقد معناه داخل هذا المكان الغريب.
وعندما فتح عينيه أخيرًا، تجمد في مكانه. لم يحتج إلى أكثر من نظرة واحدة حتى يدرك أن شيئًا ما قد تغير.
كان يقف في المكان الذي استيقظ فيه أول مرة. الجداران العملاقان كانا في موضعهما نفسه، والضباب الأبيض كان يطفو فوقهما كما يتذكر، أما الأرضية الحجرية الممتدة أمامه فلم تختلف عن المشهد الذي رآه عند بداية استيقاظه.
ظل واقفًا عدة ثوانٍ وهو يراقب المكان بصمت، ثم استدار نحو الخلف واتجه مباشرة إلى الموضع الذي وجد فيه المذكرة. لم يكن متأكدًا مما يبحث عنه تحديدًا، لكنه كان بحاجة إلى دليل يثبت إن كان ما حدث حقيقيًا أم مجرد وهم.
خفض بصره نحو الأرضية الحجرية حيث وجد الكتاب سابقًا. كانت الصخور كما هي، والطحالب كما هي، لكن المذكرة لم تكن هناك.
اختفى الكتاب بالكامل. لم يكن على الأرض، ولم يكن في يده، ولم يكن هناك أي أثر يدل على أنه وُجد أصلًا، وكأن المتاهة ابتلعته بعد انتهاء دوره.
عبس الفتى دون وعي، ثم خفض بصره نحو ساعده الأيمن. لو كان ما حدث مجرد وهم، فمن المفترض أن تختفي جميع آثاره، أما إذا كان حقيقيًا فاختفاء المذكرة يفتح بابًا جديدًا من الأسئلة.
عندها وقع بصره على الوشم.
كانت العين المحاطة بالخطوط السوداء ما تزال محفورة فوق جلده كما كانت من قبل. حتى تفاصيل البؤبؤ الغريب الذي يشبه قطعة من الليل لم تختفِ أو تتغير.
مرر إصبعه فوق الوشم بحذر، لكنه لم يشعر بشيء مختلف. لم يكن هناك ألم أو حرارة أو حتى وخز خفيف، ومع ذلك كان وجوده وحده كافيًا ليخبره أن ما حدث لم يكن حلمًا عابرًا.
تحرك بعد ذلك نحو الجدار الذي وجد عليه الرمز أول مرة. كان يريد اختبار فرضية بسيطة؛ فإذا كان داخل وهم فمن المفترض أن تتغير التفاصيل، أما إذا بقي كل شيء كما هو، فالأمر أكثر تعقيدًا مما تخيل.
وعندما وصل إلى الجدار، ضاقت عيناه قليلًا. كانت الطحالب تغطي الرمز تمامًا كما كانت في المرة الأولى.
حتى أماكن انتشارها بدت متشابهة على نحو يصعب تصديقه، وكأن الزمن عاد إلى الخلف وأعاد المشهد كما كان دون أن يغير فيه شيئًا.
أزال الطحالب ببطء، كاشفًا الرمز الحجري مرة أخرى. ثم وضع يده فوق النقوش وانتظر، متوقعًا عودة الصداع أو ظهور الكلمات الغريبة داخل عقله.
لكن شيئًا لم يحدث.
لم يظهر الألم. لم تتحرك العين المرسومة على ساعده. ولم يشعر بأي تغير في جسده أو عقله، بل بدا الرمز وكأنه مجرد نقش عادي محفور فوق حجر قديم.
إذا كان الرمز قد توقف عن العمل، فهل يعني ذلك أنه أدى مهمته بالفعل؟ أم أن تأثيره كان موجودًا فقط داخل ذلك الوهم؟ لكن هذا التفسير بدوره كان يخلق مشكلة أخرى، لأن الوشم ما زال موجودًا على ذراعه حتى الآن.
ترك الجدار أخيرًا وواصل السير داخل المتاهة. كان الظلام ما يزال حاضرًا، أو على الأقل هذا ما وصفه يعقوب، لكن الغريب أنه ظل قادرًا على الرؤية بوضوح مقبول.
كان يرى الجدران والأرضية والضباب المنتشر في الأعلى، كما كان قادرًا على تمييز الطحالب والشقوق الصغيرة بين الحجارة، ومع ذلك لم يستطع العثور على مصدر الضوء مهما حاول.
كلما فكر في الأمر أكثر، بدا له أن المكان يتحدى المنطق نفسه. كان الضوء موجودًا، لكنه بلا مصدر، وكانت الرؤية ممكنة، لكن دون شمس أو قمر أو مشاعل.
استمر بالسير بخطوات هادئة، مراقبًا الجدران من حوله. لم يكن مستعجلًا، كما أنه لم يملك وجهة محددة، لذلك قرر أن يراقب كل تفصيل قد يساعده على فهم المكان.
ومع مرور الوقت، ظهر أول تغير حقيقي منذ استيقاظه.
توقف الفتى فجأة.
فبعد ممرات طويلة متشابهة، انقسم الطريق أمامه أخيرًا إلى اتجاهين مختلفين. أحدهما امتد نحو اليسار، بينما واصل الآخر تقدمه إلى الأمام داخل الضباب الأبيض.
ظل ينظر إلى التفرعين بصمت. لم يكن يعرف أيهما أكثر أمانًا، كما لم يكن يملك سببًا يجعله يفضل أحدهما على الآخر.