"هيي يا قزم، هل تبلل سروالك عسكرياً بالفعل؟" قهقه المرتزق ذو الندبة الضخمة وهو يضرب كتفي بقسوة كادت تفقدني توازني داخل العربة المسرعة، ليتعالى ضجيج ضحكات بقية الجنود من حولي.

تثبّتُّ في مكاني، ورفعتُ عينيَّ الصغيرتين أنظر في عينيه مباشرة دون أن أرمش. شددتُ بيدي المرتجفة على حقيبة إسعافاتي وقلت بنبرة حادة وواثقة رغم طفولتها: "أنا أتحمل الضرب يا سيدي، ولست خائفاً. وإذا سقطتَ مصاباً هناك.. ستعرف من منا الذي سيبتل سرواله".

انقطعت ضحكات الجنود فجأة، وحلّ صمت ثقيل داخل العربة. نظر إليّ صاحب الندبة بذهول، ثم لمعت عيناه بابتسابة خبيثة وهو يربت على صفائح درعي الصغير بقسوة قائلًا: "أعجبني لسانك السليط أيها الصغير.. حافظ على هذا الحماس حتى نصل".

فرملت العربة بعنف، وأحدثت خضّة قوية جعلت صناديق الحديد تصطدم ببعضها. دَوى صوت السائق من الخارج: "لقد وصلنا! تحركوا!".

توقفت العربة على بُعد أمتار قليلة من جدار الأشجار العملاقة للغابة السحيقة. كانت الجذوع هناك تبدو كأعمدة شُيدت لتحمل السماء، وأوراقها المتشابكة تحجب الضوء تماماً لتخلق تحتها عتمة أبدية. بدأت الفرقة فوراً في نصب المخيم؛ فالمرتزقة ذوو الخبرة يعرفون أن دخول الغابة دون قاعدة آمنة عند الأطراف هو انتحار صريح.

رغم صغر سني، لم يُعفِني أحد من العمل. قذَفَ نحوي صاحب الندبة بفأس صغيرة ووتد حديدي وهتف: "تحرك يا بيل، ثبت أوتاد الخيام ولا تدع الحبال مرتخية، الرياح هنا قاسية".

بينما كنت أدق الأوتاد الأرضية بجهد، اقترب رجل نحيل يرتدي وشاحاً يخفي نصف وجهه، عيناه كانتا حادتين كالصقر ويحمل قوساً طويلاً مصنوعاً من خشب أسود نادر. وضع يده على كتفي بخفة وقال بنبرة خفيضة: "لا تجهد نفسك كثيراً في تثبيت الخيمة يا صغير. إذا هجمت الوحوش الليلة، فلن تنقذنا الأوتاد.. اسمي غاريت، مستطلع الفرقة".

قبل أن أتمكن من الرد، صرخ رجل ضخم أصلع من خلفنا، كان يرتدي درعاً فولاذياً ثقيلاً للغاية ويحمل مطرقة حربية ضخمة كفيلة بسحق الجماد. قال بصوت هادر أشبه بالرعد: "توقف عن إخافة الطفل يا غاريت! طالما أن "راي" هنا، فلن يقترب وحش واحد من هذا المخيم". نظر إليّ بابتسابة خشنة وتابع: "أنا راي، خط الدفاع الأول للفرقة. إذا تمزق درعي، جهز طاقتك العلاجية فوراً".

أومأتُ برأسي بحماس، وعادتُ بذاكرتي إلى الدروس النظرية لوليام؛ فالمرتزق ذو الندبة هو "القائد الميداني"، وغاريت هو "العين" التي ترى الخطر في الظلام، وراي هو "الحصن" الذي يتلقى الضربات. كانت هذه مجموعتي الأولى، وكان تفكيري الطفولي يملؤه الفخر؛ لأن هؤلاء المقاتلين الأشداء يثقون في معالج بالغ من العمر ست سنوات ليحمي ظهورهم.

حين حلّ المساء، أشعلنا شعلة نار صغيرة محاطة بأحجار عازلة لمنع تسرب الضوء إلى أعماق الغابة. ساد الصمت، وبدأ الجميع يتحسسون أسلحتهم بعيون ساهرة يملؤها الترقب. كانت النيران تتراقص على وجوههم الخشنة، وتعكس ظلالاً طويلة غامضة على جدار الأشجار الساحق خلفنا.

جلستُ أفرك كفي الصغيرتين أمام الحرارة الدافئة، محاولاً طرد برودة الليل التي بدأت تتسلل إلى عظامي. نظرتُ إلى القائد ذي الندبة وهو يشحذ نصل سيفه الطويل بهدوء مرعب، وجمعتُ شجاعتي الطفولية وسألته بصوت منخفض: "أيها القائد.. ما هو هدفنا الحقيقي من دخول الغابة السحيقة؟ السيد وليام لم يخبرني بالتفاصيل".

توقف صوت شحذ المعدن فجأة. تبادل القائد نظرة ثقيلة ومبهمة مع غاريت وراي، قبل أن يطلق زفيراً يملؤه التوجس. انحنى نحو النار وقال بنبرة خفيضة كأنما يخشى أن تسمعه الأشجار: "هدفنا ليس صيد وحوش أو جمع موارد يا بيل.. نحن نبحث عن جثة رجل ميت".

التفتُّ إليه بفضول طفولي، فتابع راي وضخم جثته يهتز وهو يضيف حطباً للنار بحذر: "نبحث عن جثة اللورد كارتر.. المعروف باسم "شيطان الدم". لقد تصدّر خبر موته الغامض الصفحة الأولى من "الجريدة العالمية" قبل بضعة أيام، وهزّ النبأ أركان الممالك والإمبراطوريات بأكملها".

سحبتُ نفساً عميقاً وعقلي الصغير يكاد لا يستوعب صدمة الاسم. لقد سمعتُ المرتزقة في الأزقة يتحدثون عن "شيطان الدم" بهيبة ورعب؛ كان مستخدماً فطرياً أسطورياً يملك قدرة مرعبة على التحكم بالدماء وتفجير عروق أعدائه، ويحتل المرتبة السبعين بين أقوى مئة ألف شخصية في العالم بأسره!

التقط غاريت أطراف الحديث، وهو يربط أوتار قوسه الأسود وعيناه تلمعان بالقلق: "الجريدة ذكرت أنه مات هنا في هذه المنطقة من الغابة، والإشاعة الأكثر رعباً في العالم السفلي هي أنه قُتل على يد شخص مجهول يُدعى "الخياط". الإمبراطورية الذهبية مستعدة لتدفع ثروة طائلة للمخالب الذهبية فقط لاستعادة جوهرته السحرية ومعرفة كيف سقط هذا الإعصار البشري".

نظرتُ إلى حقيبة إسعافاتي وقلت ببراءة طفولية: "ولهذا أحضرتموني معكم؟ لأعالجكم إذا واجهنا خطر الغابة وسقط منكم مصاب؟".

لمعت عينا القائد بنور اللهب, وارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة ومبهمة، قبل أن يربت على كتفي بقسوة مبطنة بالود: "بالطبع يا بيل. أنت معالجنا العبقري، ووجودك معنا الليلة هو الضمان الوحيد لكي نعود جميعاً بسلام. طالما أنك في الخلفية وتركز طاقتك، فلن يجرؤ خطر في هذه الغابة على مسّنا.. أنت تميمة حظنا الحقيقية".

أومأتُ برأسي بحماس طفولي نقي، وشددتُ بقبضتي الصغيرة على حقيبتي بشعور هائل بالمسؤولية والفخر، ممتناً لأن قيمتي الكبيرة تحمي هؤلاء الرجال الأشداء، دون أن يدرك عقلي الساذج السر القذر الذي يخفونه عني؛ هم يعلمون يقيناً أن تلك "الجماعة السرية الغامضة" التي تراقب المعالجين الفطريين في الخفاء لن تسمح أبداً بوقوع هذا الطفل في خطر حقيقي، وستتدخل بطريقتها المرعبة لمنع حدوث مجزرة في مكان وجوده. لقد أحضروني مجرد "درع أمان" بشري ليحموا أجسادهم من بطش الغابة، مستغلين حماية المنظمة لي، بانتظار اللحظة المناسبة لبيعي للإمبراطورية الذهبية.

قاطع تفكيري صوت غريب.. حفيف شجر متسارع، تبعه صوت تكسر أغصان جافة قادم من العتمة الدامسة خلف الخيام مباشرة!

وقف غاريت في لمح البصر وسحب وتر قوسه مستهدفاً الظلام، بينما استند راي على مطرقته الحربية الضخمة وهو يحبس أنفاسه. تراجعتُ خطوة إلى الوراء، وقلبي يقرع صدري، فالغابة السحيقة بدأت تفتح لنا أبواب الجحيم.

توقفت حركة الأشجار فجأة. ومن بين الظلال الكثيفة، خطت قدم نحو بقعة الضوء الباهتة التي توفرها نيران مخيمنا.

حبس الجميع أنفاسهم، وتوقعنا خروج مسخ مشوه أو وحش ضخم من وحوش الغابة، لكن الذي ظهر كان رجلاً عادي المظهر تماماً. كان يرتدي ثياباً بسيطة تشبه ثياب الفلاحين أو المسافرين العاديين، خالية من أي دروع أو أسلحة ظاهرة.

تقدم خطوتين ونفض بعض الغبار عن كمه بحركة عفوية، ثم نظر إلينا بنظرات عادية وهادئة للغاية، خالية تماماً من أي خوف أو هيبة، كأنه يمر بجوار جيرانه في زقاق مدينة حرة، وليس أمام فرقة مرتزقة مدججة بالسلاح عند تخوم أخطر غابات القارة.

صاح به القائد ذو الندبة وعيناه تضيقان بريبة: "توقف مكانك! من أنت وكيف تجرؤ على السير هنا بمفردك في هذا الوقت؟".

التفت الرجل نحو القائد، وابتسم ابتسامة بسيطة وودودة تشبه ابتسامات الباعة في الأسواق، وقال بنبرة صوت عادية وهادئة: "مساء الخير يا سادة. أعتذر إن كنت قد أفزعتكم، أنا مجرد مسافر ضل طريقه في هذه الأنحاء، ورأيت نور ناركم فجئت لأستدفئ قليلاً وأسأل عن الطريق المؤدي إلى أطراف مدينة هلال".

لم يتحرك غاريت شبرًا واحدًا، وظل وتر قوسه مشدودًا نحو صدر الرجل، بينما همس راي من تحت خوذته الثقيلة بصوت مسموع: "مسافر؟ في هذا المكان؟ هذا الرجل إما مجنون تماماً.. أو أنه يخفي شيئاً مرعباً".

خطا الرجل خطوة أخرى نحو النيران دون أي مبالاة بالأسلحة الموجهة إليه، وجلس على جذع شجرة جاف بكل بساطة، ثم مدّ كفيه العاريتين نحو الحرارة؛ ولمحْتُ تحت ضوء اللهب المتراقص خيطاً فضياً رفيعاً وكأنه مصنوع من نور، يلتفُّ حول عقلة إصبعه السبابة واختفى في لمح البصر، ثم قال بعفوية: "أعلم أن المكان غريب، لكنني مجرد خياط عادي. أصلح الثياب الممزقة وأحيك الأقمشة للزبائن في القرى المجاورة، وقد داجني الليل وأنا أحاول جمع بعض النباتات البرية لصبغ الصوف".

تجمّدت الدماء في عروق الفرقة فور سماع الكلمة.

انقبضت أصابع غاريت على وتر قوسه حتى كادت تنزف، وتراجع راي خطوة إلى الخلف وهو يرفع مطرقته الحربية بذهول، أما القائد ذو الندبة فقد شحب وجهه تماماً وتلاشت نبرته المستعلية. "خياط".. الكلمة دوت في المخيم كصوت الرعد، فالجريدة العالمية التي كانوا يتسامرون حولها قبل دقائق، ذكرت أن "شيطان الدم" ذو المرتبة السبعين عالمياً قد ذُبح على يد سفاح مجهول يدعى "الخياط".

نظرتُ إلى الرجل ببراءة طفولية؛ كان يملك كفين ناعمتين خالتين من الندوب، ونظراته هادئة تماماً كنظرات جاري العجوز في الزقاق، ولم أفهم بعقلي الصغير لماذا يرتجف هؤلاء المرتزقة الأشداء خوفاً من مجرد رجل يحمل إبرة وخيطاً.

ساد صمت خانق، لم يقطعه سوى طقطقة الخشب المحترق في النار، والكل ينتظر الحركة القادمة من هذا المسافر العادي.

2026/07/13 · 5 مشاهدة · 1269 كلمة
Salahab
نادي الروايات - 2026