اجتمع علي وبعض المقاومين لمناقشة خطة تحرير سالم، فالأغلب كان يائسًا من إنقاذه، بالأخص مع تواجده في واحدة من أخطر المعتقلات الفرنسية خارج أراضيها، لكن هذا اليأس لم يمنع علي وبعض الرجال البؤساء من تحريره من خلف القضبان والأسوار.

⌖ علي: كما ترون جميعًا، فالحلول معدومة. حسب معلوماتنا المتاحة، فالمعتقل مكوَّن من سور حجري ضخم يحيط به، مع عشرات الحراس المدرَّبين وأربعة أبراج للمراقبة، ما يعني أنه حتى التسلل بات صعبًا.

نطق أحد الرجال، الذي عُرف باسم عبد القادر:

"إضافةً إلى ذلك، فعددنا قليل، لا يتجاوز العشرين فردًا في هذه الخيمة، أما البقية فيأبَون المخاطرة بحياتهم والمساعدة."

يضرب علي سطح الطاولة بقوة.

⌖ علي: تَبًّا! الأوغاد.

يُطَأطِئ كل من في الخيمة رؤوسهم نحو الأرض من شدة اليأس والحسرة.

⌖ عبد القادر: مممم، في الواقع، أظن أن لديَّ خطة.

التفت كل الرجال نحوه متعجبين، وقبل أن نعرف بخطته، دعونا نعد إلى سالم.

قضى سالم أيامًا عديدة في المعتقل، بين الاستيقاظ باكرًا والعمل تحت سَطْوَة الشمس الحارقة، وبين البحث عن الحارس المنشود الذي سمع عنه سابقًا.

[ملاحظة: تفقد الفصل 6]

يمر الوقت ببطء كالسُّلْحُفاة في طريقٍ موحل، وفي يوم مُمطرٍ بغزارة، كان سالم مستلقيًا عند نافذة غرفة احتجازه. فعلى عكس الأغلبية، كانت زنزانته منفردة، خشيةً من أن يُحدِث جلبةً أو أي مشاكل.

وبينما هو يتأمل السحب الماطرة، تقع عيناه على البوابة التي فُتحت، ودخلت منها الفرقة المكلَّفة بنقل سالم بعد طول انتظار.

يرتعب سالم ويهوي ساقطًا على ظهره.

⌖ سالم: لا، لا! ليس بعد! لا زلت لم أجده، سُحقًا!

بعد لحظات، تُفتح زنزانة سالم، ليدخل منها مجموعة من الضباط العسكريين، والواضح أنهم فرنسيون، ويخاطبه أحدهم:

"مرحبًا أيها العقرب، أو آسف، من اللباقة مناداتك باسمك... مممم، ماذا كان؟"

يقف سالم بانفعال ويقول:

⌖ سالم: اسمي سالم ابن ابراهيم، تذكَّره جيدًا يا حشرة.

وعلى غير المتوقع، لم تبدُ أي علامات انفعال على الضابط، ويقول:

"يحق لك قول ما تشاء حاليًا، فما ينتظرك أسوأ من الجحيم يا فتى. هيا، أحضروه."

ثم يتجهون رفقة سالم إلى عربات النقل، وقبل مغادرتهم، يناديهم مأمور السجن، وبرفقته أحد الحراس:

"مهلًا لحظة، قد تواجهكم بعض المشاكل في الطريق، لذا ابتغيت إرسال هذا الجندي. هو قوي كونه أحد العقارب، كما يسعى هو الآخر إلى زيارة عائلته في مرسيليا."

يتجمَّد سالم مكانه بحلول صدمتين عليه؛ الأولى أن أحد العقارب متواجد أمام ناظريه، والثانية أنه متوجه الآن إلى فرنسا.

يحاول بعدها التدقيق في ملامح العسكري الذي نُودي بالعقرب، فإذا به يرى شابًا في العشرينات من عمره، ذا عينين بنيتين وشعر طويل بنفس لون عينيه.

ينظر إليه سالم بنظرات تملؤها الخوف والحقد، ويقول:

"أخيرًا وجدتك!"

ينطلق الموكب العسكري من ضواحي جبال الأطلس، متوجهًا نحو ميناء الدار البيضاء، أحد أكبر الموانئ في إفريقيا قاطبةً.

يصل الموكب بعد ساعات قليلة إلى مدينة مراكش، وقد كانت أول مرة في حياة سالم يزور فيها مدينة كبيرة كمراكش؛ فقد اعتاد القرى والخيام لا أكثر.

كانت المدينة عتيقة، مزيجًا بين القِدَم والمعاصرة، الجِمال والخيول في كل مكان، إضافةً إلى بعض العربات الفرنسية التي كانت منتشرة هناك.

لكن انبهار سالم لم يكتمل، فهم لم يتوقفوا هناك بداعي الراحة والاستمتاع، بل كان غرضهم استقلال القطار الرابط بين مدينتي مراكش والدار البيضاء للوصول بشكل أسرع من ذي قبل.

يُصدم سالم من سرعة القطار الخيالية بالنسبة له في ذاك الزمن؛ فكل ما كان معتادًا عليه هو ركوب الخيل والعربات الكبيرة، لكن هذه المرة الأولى التي يتعدى فيها حدود سرعته بهذا القدر.

لم يمضِ الكثير حتى وصلوا إلى مدينة الدار البيضاء، التي اختلفت اختلاف الليل والنهار عن مراكش.

فقد كانت مبانيها حديثة، والعربات والطرقات الفرنسية تملأ الأرجاء، إضافةً إلى ميناء ضخم يحوي أكبر البواخر والسفن.

يصعد الجنود والضباط، إضافةً إلى العقرب وسالم، إلى إحدى البواخر، وعينا سالم تكادان تدمعان من فراق وطنه الذي كبر وترعرع فيه، وعاش فيه أجمل وأسوأ اللحظات في حياته، رغم كون أغلبها سيئًا.

تنطلق الباخرة، وسالم محجوز في إحدى الغرف، وعيناه لم تعودا تقويان على الاحتمال.

تبدأ الدموع في الانهمار بغزارة، ويحاول هذا الأخير إمساكها وحبس دموعه، لكن هذا لم يزد الأمر سوى سوءًا.

⌖ سالم: تَبًّا لكِ أيتها الدموع، توقفي! توقفي بسرعة، هيا!

يسقط على الأرض بعد انهياره من الحزن.

هل كان حزن الفراق؟

أم حزن ما يلاقيه باستمرار؟

أم ربما كلاهما!

وبعد انهيار سالم، يُسمع صوتٌ خافت من المخزن:

"هيا! لقد حان الوقت."

يــتــبــع...

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

إنستغرام الكاتب: uruma._.01@

تلغرام الكاتب: itz_shun1@

2026/08/14 · 3 مشاهدة · 672 كلمة
Reda_Lhamdani
نادي الروايات - 2026