بعد صافرة النهاية التي أعلنت فوز فريقه على برشلونة بثلاثية نظيفة، لم يرفع إيتوشي ساي قبضته عالياً كزملائه، ولم يركض ليحتضن المدرب. وقف للحظة في منتصف الملعب، تحت أضواء الاستاد التي تغمر العشب بلون ذهبي باهت، ومسح جبينه بطرف كمّه القطني الذي تبلغ قيمة التيشيرت المصنوع منه أكثر مما ينفقه شخص عادي على طعام عام كامل. كان يمكنه أن يخلد إلى النوم فوراً، أو أن يطلب من لوكا حجز طائرة خاصة تعيده إلى شقته الأوروبية الفاخرة، حيث سريره المصمم خصيصاً وأقنعة وجهه الحريرية. لكن مزاجه، لسبب غامض، كان جيداً. جيداً بطريقة مزعجة. شعر وكأن الهواء اللطيف يدغدغ أنفه دون إذنه، وكأن العالم الخارجي، بكل ضوضائه وبشاعته، قد يصبح محتملاً لليلة واحدة.

تنهد، ليس تنهيدة تعب، بل تنهيدة استسلام. قرر أن يتمشى. مجرد نزهة قصيرة. بدون هدف. بدون خطة. شيء لا يفعله أبداً. خرج من الباب الخلفي للملعب، متجنباً حافلة الفريق والصحفيين المتجمعين كذباب حول جثة. كان يعرف أن لوكا، مديرة أعماله، قد تكتشف اختفاءه بعد دقائق وتبدأ في رحلة بحث جنونية، لكن هذا الأمر زاد المساء متعة. أخرج سماعات أذن لاسلكية من علبتها الجلدية، وتظاهر بعدم سماع العالم.

سار في شوارع برشلونة الليلية. كان الهواء يحمل رائحة ملح البحر الممزوجة برائحة زيت الزيتون من مطعم قريب. أضواء المحلات الفاخرة كانت لا تزال مضاءة، تعكس ظلالها على الأرصفة الرطبة. توقف أمام واجهة متجر أحذية إيطالي، وحدق في حذاء جلدي أسود معروض. "بشع،" قال في نفسه، ثم تابع سيره. في الحقيقة، كان الحذاء جميلاً، لكنه لم يكن بحاجة إلى حذاء جديد. كان بحاجة إلى... لا شيء. لا شيء على الإطلاق. وهذا الإحساس بالفراغ، للمرة الأولى منذ أشهر، بدا مريحاً بدلاً من أن يكون ساحقاً.

في زقاق ضيق، وجد محل صغير لبيع الكتب المستعملة. كان عجوز يجلس في الخارج على كرسي خشبي، يقرأ بكتاب سميك تحت ضوء مصباح أصفر. رفع العجوز عينيه، فرأى رجلاً طويلاً بشعر بني محمر، يقف متجمداً أمام صندوق كتب معروض بسعر يورو واحد. ساي لم يكن يقرأ كثيراً، على الأقل ليس الكتب الورقية. كانت تقارير استثماراته ومخططات اللعب هي قراءته الوحيدة. لكنه رأى كتاباً عن تاريخ كرة القدم في الأرجنتين، بغلاف ممزق قليلاً. تذكر فجأة أن رين، أخاه الأصغر، كان مهتماً بتاريخ الكرة. اشترى الكتاب بيورو واحد، ووضعه في جيب معطفه الرياضي الأسود. فعل ذلك بسرعة، وكأنه يسرق شيئاً، ثم أسرع في المشي وكأن أحداً يطارده.

عندما عاد إلى الفندق، كان الليل قد تعمق. بهو الفندق الفاخر كان شبه فارغ، باستثناء موظف الاستقبال الذي انحنى باحترام مبالغ فيه عند رؤيته. ساي لم ينحنِ بالمقابل. مرّ كشبح طويل، حذاؤه الرياضي لا يصدر صوتاً على الرخام المصقول. في المصعد، ضغط على الزر الأخير، زر الطابق الرئاسي، وراقب الأرقام تضيء وتنطفئ، واحداً تلو الآخر، ببطء ممل.

وهنا، في ممر الطابق الرئاسي المغطى بالسجاد المخملي الذي يمتص صوت الخطوات، كان القدر يعدّ له مشهداً كوميدياً. كان الممر طويلاً، مضاءً بثريات كريستالية صغيرة على الجدران، ورائحته مزيج من الياسمين وخشب الصندل. وفجأة، خارج باب غرفته تماماً، رأته لوكا. لم تره فقط، بل رأته بصحبة امرأة. امرأة طويلة، أطول منه بقليل ربما، بشعر أسود كالغراب يتدلى كشلال على كتفيها العاريتين. كانت ترتدي فستاناً ضيقاً، أسود اللون، يلتصق بجسدها كطبقة ثانية من الجلد. عطرها كان فواحاً، من النوع الذي يسبق صاحبته بخمس خطوات ويبقى في الهواء بعد رحيلها بعشر دقائق. أحمر شفاهها قاتم، يكاد يكون أسود تحت ضوء الثريات الخافت. وعيونها... عسلية، واسعة، ذات رموش كثيفة بدت قادرة على إغواء جيش كامل من الأباتشي.

لوكا، التي كانت تمسك بجهاز لوحي إلكتروني وتتفقد جدول مواعيده لليوم التالي (أو بالأحرى، لليوم نفسه، فالساعة تجاوزت منتصف الليل)، تجمدت في مكانها. اتسعت عيناها خلف نظارتها ذات الإطار الرفيع. "هذا الحقير،" تمتمت بين أسنانها، "يحضر نساء معه مجدداً." انزلقت إلى الخلف بسرعة، كقطة تتراجع عن فريسة خطيرة، واختبأت خلف زاوية الممر. ضغطت بظهرها على الحائط البارد، وحبست أنفاسها، متظاهرة بأنها غير موجودة. كانت تعرف هذا المشهد جيداً. حدث مرات لا تُحصى. في كل مرة، كانت تتعهد بأن تطلب رفع راتبها. وفي كل مرة، كانت تفعل ذلك فعلاً، ويوافق ساي دون نقاش، كأن المال هو أرخص شيء يملكه.

من خلف الزاوية، سمعت صوت بطاقة المفاتيح الإلكترونية وهي تفتح الباب بنقرة ناعمة. ثم صوت الباب وهو يُغلق بنعومة فندقية مثالية. ثم... الصمت. كانت تعرف هذا الصمت. إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. تنهدت، وعدلت نظارتها، وتوجهت إلى غرفتها الملاصقة. غرفتها كانت صغيرة، عملية، عكس جناحه الإمبراطوري. لكن الجدران، للأسف، لم تكن عملية على الإطلاق. بدت وكأنها مصنوعة من ورق الأرز الياباني الرقيق، تنقل كل صوت، كل همسة، كل... أنين.

خلعت حذاءها، ورمت بنفسها على السرير، وغطت رأسها بالوسادة، استعداداً لليلة طويلة.

داخل الجناح الرئاسي، كان المشهد مختلفاً. ساي، الذي دخل بهدوء، بدأ طقوسه الغريبة دون أن ينبس بكلمة. خلع معطفه الرياضي الأسود، وعلقه في الخزانة المخصصة للملابس الخارجية (التي لم تستخدم من قبل). ثم توجه إلى الحمام الفاخر، المغطى بالرخام الإيطالي الأسود، وفتح الصنبور الذهبي ليغسل يديه. نظر إلى نفسه في المرأة الضخمة الممتدة على كامل الجدار. عيناه الباردتان تنظران إليه بتعب. شعره البني المحمر كان لا يزال مبللاً قليلاً من أثر الاستحمام السريع بعد المباراة.

المرأة، التي كان اسمها الحركي ربما "لونا" أو "سيلينا" أو أي اسم غريب آخر، لم يسأله ساي عنه، دخلت الغرفة خلفه بخطوات بطيئة. خلعت حذاءها ذا الكعب العالي، بارتفاع عشرة سنتيمترات، ووضعته بجانب الباب بطريقة توحي بأنها تنوي البقاء. بدأت تتجول في الغرفة، تتفحص الأثاث. الأريكة المخملية الرمادية، الطاولة الزجاجية التي تحمل وعاء فاكهة استوائية لم يمسها أحد، الستائر المعتمة التي تمنع حتى ضوء النجوم من التسلل، السرير الضخم المغطى بملاءات من القطن المصري بعدد خيوط يصل إلى الألف. لمست كل شيء بأصابعها، معجبة، ربما تحسب ثمن كل قطعة.

ساي خرج من الحمام، وجفف يديه بمنشفة صغيرة بيضاء اللون. نظر إليها وهي تتفحص سريره كأنها مفتشة فنادق. سعل سعلة خفيفة، وقال بصوت بارد كعادته: "هل تعجبكِ الغرفة؟ أم أنكِ تقومين بجرد للممتلكات؟"

ابتسمت المرأة، ابتسامة بطيئة. "أردت فقط التأكد من أن ذوقك في الأثاث يعادل ذوقك في اختيار الشركة."

ساي لم يجب. بدلاً من ذلك، توجه إلى النافذة، وفتح الستارة قليلاً بإصبعين، ونظر إلى أضواء المدينة. كان يبدو وكأنه يفكر في شيء آخر. شيء بعيد. ربما مباراة الغد. ربما صندوق الكتب المستعملة. ربما لا شيء.

اقتربت منه المرأة من الخلف، ووضعت يدها على كتفه. شعر بأناملها الباردة تخترق قماش قميصه الرقيق. عطرها أصبح أقوى، يملأ المسافة بينهما. استدار ببطء، ونظر إليها. في الضوء الخافت، كانت عيناها العسليتان تلمعان ببريق غريب. كانت جميلة، بلا شك. جميلة بطريقة صناعية، كغلاف مجلة أزياء. لكنه شعر بشيء مزعج، شيء لا يستطيع تحديده. ربما كان التعب. ربما كان... صوت أنفاسها المرتفع قليلاً.

بدأت المرأة تتحدث، بصوت منخفض ومخملي، عن لا شيء مهم. عن الليلة، عن المباراة التي شاهدتها، عن كم هو مذهل. ساي استمع بصمت، لكن عقله كان في مكان آخر. كان يفكر في لوكا، خلف الجدار، وكيف أنها بالتأكيد تضع سماعات أذن عازلة للصوت الآن، وتلعن اليوم الذي قبلت فيه هذه الوظيفة. هذا الفكر، لسبب ما، جعل زاوية فمه ترتعش، وكاد أن يبتسم. كاد.

مرت الدقائق كأنها ساعات. في غرفة لوكا، كانت الساعات تمر كأنها دهور. كانت تتقلب في سريرها، تضرب الوسادة بقبضتها، وتهمس: "يا إلهي، فقط اخفضوا الأصوات. قليلاً من الاحترام للجدران." لكن لا فائدة. الأصوات استمرت. أصوات أنين عالية، متقطعة، مسرحية بعض الشيء، مما جعل لوكا تتساءل إن كانت المرأة تمثل. من جهة ساي، لم تسمع شيئاً. لا همسة، لا كلمة، لا تنهيدة. الصمت المطبق من جانبه كان يخترق الجدار ويصل إليها بوضوح أكثر من أي صوت آخر. هذا الصمت، صمت ساي، كان هو الصوت الوحيد الذي تعرفه لوكا جيداً. صوت غيابه. كان حاضراً بجسده، غائباً بروحه. وهذا ما جعلها تشعر بالغثيان أكثر من الأصوات المزعجة.

وفجأة، حوالي الساعة الرابعة فجراً، ساد الصمت. صمت حقيقي. صمت ثقيل. سمعت لوكا صوت باب الحمام يُفتح ويُغلق. صوت مياه تجري. خطوات خفيفة حافية القدمين على السجاد. ثم صوت باب الغرفة الرئيسي وهو يُفتح. همسات. ثم أخيراً، صوت الباب وهو يُغلق للمرة الثانية. المرأة غادرت. انتهى الأمر.

تنهدت لوكا تنهيدة عميقة، كأنها حبست أنفاسها طوال الليل. أزاحت الوسادة عن وجهها، ونظرت إلى السقف. كان ظهرها يؤلمها، وعيناها تحرقانها من قلة النوم. تذكرت أنها يجب أن تطلب رفع راتبها مرة أخرى غداً. قررت أن تطلب ضعف المبلغ هذه المرة. تعويض عن الأضرار النفسية، كما تقول دائماً.

في الغرفة المجاورة، كان ساي جالساً على حافة سريره، وحيداً. الغرفة كانت هادئة، فخمة، فارغة. ملاءة السرير كانت مجعدة قليلاً. وسادة إضافية كانت على الأرض. نظر إلى الكتاب الذي اشتراه من محل الكتب المستعملة، والمُلقى على الطاولة. تناوله، وقلّب صفحاته القديمة ببطء. كان سيعطيه لرين. ربما. ربما في يوم ما. وضعه جانباً، وأطفأ المصباح. لم ينم. بقي جالساً في الظلام، يستمع إلى صوت أنفاسه الهادئة، وسعال لوكا المكتوم الذي تسلل عبر الجدار.

2026/08/29 · 8 مشاهدة · 1363 كلمة
Rin
نادي الروايات - 2026