في يومٍ وُصف لاحقاً بـ "يوم انتهاء عداد النهايه"، لم تكن هناك مقدمات. كانت الأرض مستقرة، والناس غارقون في روتينهم الممل في مدينة مكتظة لا تختلف عن غيرها. فجأة، اهتز الوجود. لم يكن زلزالاً، بل كان شعوراً بأن نسيج الواقع نفسه يتمزق.
من قلب الشوارع ومن بين الأبنية العالية، انبثقت عواميد سوداء حالكة. مادة لا تشبه الصخر أو المعدن، كانت "عدماً" خالصاً يرتفع ليعانق السحب. ساد صمت مطبق لثوانٍ، قبل أن ينفجر العالم بصراخ ممزوج برعب من المجهول.
وفق تلك العواميد، توهجت رموز غريبة بلون بارد، وانطبعت رسالة موحدة في أذهان الجميع:
"سيتم ربط العوالم.. ستفتح البوابة بعد 24 ساعة."
بعد مرور خمس سنوات
"تباً.. سأتأخر مجدداً!"
استيقظ "زسكو" لاهثاً في غرفته المتهالكة التي تسلل إليها ضوء شاحب. لم تعد المدن كما كانت؛ فقد أصبحت العواميد السوداء جزءاً من تضاريس العالم، وبنيت حولها أسوار وحصون.
"لماذا اليوم؟ شركة 'يانغ' لتجارة البقايا بعيدة جداً عن هذا القطاع، والمواصلات في 'المنطقة السفلية' تزداد سوءاً." تمتم زسكو وهو يرتدي سترته المهترئة بسرعة.
عندما وصل إلى بوابة الشركة الضخمة، حيث تُشحن أجزاء الوحوش إلى النخبة في "المدن العليا"، كان المدير يانغ ينتظره بملامح باردة.
"لا تتعب نفسك بالدخول، زسكو. أنت مطرود."
تجمد زسكو في مكانه. "مطرود؟ لكنني عملت هنا لسنوات في الشركه كمندوب مبيعات
"وهذا هو السبب.. العالم لا يحتاج لمزيد من العاملين الضعيفين، نحتاج لمن يملكون 'القوة'. ارحل.
عاد زسكو إلى غرفته، يجر خلفه سنوات من القهر والحقد الدفين. كان يجز على أسنانه وهو يرى "المستيقظين" في الشوارع يرتدون دروعاً فاخرة، يجمعون الثروات بضربة سيف واحدة، بينما هو يكافح من أجل لقمة العيش.
"لو أنني استيقظت فقط.." همس لنفسه وهو يغرس أظافره في راحة يده. "لماذا أنا عالق هنا؟ لماذا نجوت من ذلك الحادث قبل خمس سنوات بينما فنيت عائلتي كلها؟ ما الفائدة من النجاة في عالم لا يرحم الضعفاء؟"
ألقى بجسده المنهك على الفراش، وفجأة..
[رنين!]
تردد صدى الصوت داخل جمجمته، واهتز الهواء أمامه ليظهر إشعار هولوغرامي بلون أزرق غريب أضاء ظلام الغرفة.
[تم إيقاظ المضيف]
[الفئة: بطل لقصة ليست له]
نظر زسكو إلى الشاشة بذهول، ثم انفجر بضحكة هستيرية مليئة بالمرارة: "أتععبث معي الآن؟ بعد كل هذه السنين؟ وفئة 'قمامة' لا معنى لها؟ بطل لقصة ليست له.. ما الذي يعنيه هذا الهراء؟!"
صرخ وهو يضرب الحائط بقبضته: "تباً لهذا النظام، وتباً لهذه الحياة المشؤومة
استيقظ زسكو في الصباح التالي، ولم تكن الشمس التي تسللت لغرفته بشير خير، بل كانت تذكاراً بأن العالم لا يتوقف عن الدوران لندب حظ الفاشلين.
"أجل.. هذه هي الحياة، تريد التهامي؟ فلتفعلي، فقد اعتدتُ المضغ." قالها بمرارة وهو ينهض متوجهاً إلى مركز تسجيل المستيقظين.
داخل المركز، وضعت الموظفة الكريستالة أمامه ببرود مهني. عندما لامست يده السطح البارد، انبعث شعاع ضارب كشف عن حقيقته
[الرتبة: F]
القوة: 5 | الدفاع: 2 | الرشاقة: 7 | السحر: 6
المستوى العقلي: 9 (يتجاوز البشر بـ 4 نقاط)
الفئة: بطل لقصة ليست له
نظرت الموظفة إلى الشاشة ثم إليه بشفقة لم يحبذها: "كل إحصائياتك عادية تماماً.. عدا مستواك العقلي. لكن الرتبة F تعني أنك ستموت في أول مواجهة."
ابتسم زسكو ابتسامة خافتة تخفي خلفها أنقاض إنسان: "شكراً على البطاقة، سأبدأ عملي الآن."
تمتمت الموظفة وهي تراقبه يرحل: "رافقتك السلامة.. وأنت حقاً بحاجة إليها، فليكن الله بعونك."
دخل زسكو أول زنزانة يواجهها. لم يكن يملك سوى سيفاً رخيصاً اشتراه بما تبقى من مدخراته، وبمجرد أن خطت قدماه الداخل، سدت البوابة خلفه بصوت معدني مرعب.
"ماذا؟! لماذا سد الطريق؟!" صرخ زسكو وهو يضرب البوابة المسدودة، "المغامرون يخرجون ويدخلون بحرية، لماذا أنا؟ هل سوء حظي وصل إلى حد حبسي في الجحيم؟"
بينما كان العرق البارد يغسل جبينه، تردد صدى إشعار النظام:
[اقتل الغوبلن لتحصل على نقاط التطور المطلوبة للوصول للمستوى 2]
من العتمة، قفز غوبلن قبيح، لعابه يقطر ممزوجاً برائحة العفن، ملوحاً بسكين صدئة تحمل بقايا دماء متعفنة. رفع زسكو سيفه بذعر، وبحركة غريزية اخترق السيف معدة الوحش.
ثقل الجثة المحشورة في السيف أرغم زسكو على إنزاله للأرض لتخليصه، لكنه لم يكد يلتقط أنفاسه حتى رأى ثلاثة آخرين يهرعون نحوه.
"لا طريق للعودة.. حسناً، تعالوا إلي!"
ارتمى نحوهم برعونة. ركل الأول، لكن الوحش عض قدمه بشراسة قبل أن يتمكن زسكو من غرس السيف في وجهه. وفي تلك اللحظة، شعر ببرودة السكين تشق ظهره.
صرخة ألم دوت في الممرات الرطبة. استدار زسكو بحركة عشوائية تماماً كطفل يضرب بعصا، يشق بطن الوحش الثاني.
"أهذا ما يعانيه الصيادون؟ وأنا الذي كنت أشتكي؟" انفجر بضحك هستيري وسط بركة من الدماء، وهو يلوح بسيفه يميناً ويساراً حتى قطع ذراع الغوبلن الأخير وقضى عليه.
ارتمى زسكو على الأرض يتنفس بصعوبة، ونظر إلى الغنائم الهزيلة التي تركتها الجثث المختفية: ناب، عين، سكين صدئة، وأربع جواهر مانا من المستوى (G).
"أقل مستوى؟ هل سأعيش على هذا الفتات؟"
فتح نافذة الحالة متوقعاً مكافأة تعبه، لكن الصدمة كانت صاعقة: المستوى لم يرتفع حبة واحدة.
ظهرت رسالة حمراء كأنها صرخة من النظام:
[تنبيه: أنت في موضع ليس موضعك!]
[سيتم تصدير نقاط المهارة.. يرجى الذهاب لموقعك الحقيقي لتحصل على نقاطك.]
[تحذير: لا يجب عليك أن تكون هنا! اجمع 99 حجر مانا من الغوبلن لتنتقل إلى موقعك!]
اتسعت عينا زسكو رعباً. هو ليس فقط ضعيفاً، بل هو "خطأ" في هذا العالم. النظام لا يعترف بقتاله هنا. عليه أن يقتل غوبلن آخرين وهو بهذا الجرح في ظهره فقط ليغادر هذا "الموضع" الذي لا ينتمي إليه.
مسح زسكو الدماء عن وجهه بيده المرتجفة، لكن عيناه الحمراوتان كانتا تشعان ببريق غريب. الجرح في ظهره يحترق، لكن عقله بدأ يعمل بترددات لم يعهدها من قبل.
"99 حجراً؟" همس لنفسه وهو يراقب العتمة في نهاية الممر. "إذا استمررت في القتال بهذه العشوائية، سأموت قبل أن أصل للحجر العاشر."
تناهى إلى سمعه صوت "طقطقة" مألوفة.. وقع أقدام غوبلن أخرى. هذه المرة، لم يرفع سيفه فوراً. بدلاً من ذلك، أغمض عينيه لثانية. وبفضل مستواه العقلي المرتفع، بدأت أصوات حركاتهم تترجم في ذهنه إلى مسافات وزوايا.
"واحد على اليمين، خلف الصخرة.. واثنان يزحفان على السقف."
عندما قفز الغوبلن الذي على السقف، لم يرتبك زسكو. لاحظ انقباض عضلات الوحش قبل القفز بأجزاء من الثانية. تنحى جانباً بحركة محسوبة -وهي الرشاقة الوحيدة التي يملكها- وترك الوحش يصطدم بالأرض. وبدلاً من طعنه في المعدة، غرس سيفه في الفقرة الثالثة من الرقبة، النقطة التي كان يراها دائماً محطمة في مصنع "يانغ".
مات الوحش فوراً دون صرخة.
"النظام يقول إنني لست في موضعي.. لأن هذه الوحوش 'ضعيفة' بالنسبة لمهمتي الحقيقية،" استنتج زسكو وهو يجمع الأحجار ببرود متزايد
بعد ساعات من القتال المنهك، حيث تحول قميصه إلى خرقة غارقة بالدماء، سقط الغوبلن رقم 100 تحت قدميه. كان زسكو يلهث، جسده يرتجف من التعب، لكن عقله كان صافياً تماماً.
بمجرد أن لمست يده الحجر رقم 99، اهتزت الزنزانة بقوة أعنف من اهتزاز "يوم النهاية".
[تم جمع المتطلبات: 99/99]
[تحذير: جاري نفي المضيف من العالم الحالي (الأرض) إلى موقعه المتوافق مع الفئة]
[الوجهة: العالم الموازي (أ-1) - عصر السحر الكلاسيكي]
تلاشت جدران الزنزانة الرطبة، وبدأ جسد زسكو يتفكك إلى جزيئات زرقاء. شعر بضغط هائل كأن جسده يُعصر في ثقب إبرة. صرخ صرخة أخيرة قبل أن يبتلعه الضوء تماماً.