تحركت التروس الميكانيكية في الأعلى بصرير حاد، وانبعثت دفقة بخار ساخنة كادت تخنقنا، بينما اهتزت الشاشة الحمراء بعنف، وانطلق صوت المذيع عبر مكبرات الصوت بمبهرجٍ زائف ومقزز:
"هيا الآن.. اسحب الرقم يا تيرو!"
نظرت إلى ذلك المسخ المعلق في السقف، وفي داخلي صرخة مكتومة تتمنى لو يتوقف هذا الكابوس فوراً. جفّ حلقي، واستجمعت شتات نفسي، ثم مددت يدي وسحبت بطاقة الترقيم.
"الرقم... رقم اثنان... رقمي هو اثنان."
اضطربت الخطوط السوداء على الشاشة، وارتفع صوت داميان بابتهاج:
"أوه! جيد... إذن من الآن فصاعداً سندعوك يا سيد تيرو بـ(إثنان)!"
تحركت الأذرع المعدنية المفصلية ببطء فوق رؤوسنا، وأشارت بمخالبها الحادة نحو البقية.
"والآن... التالي!"
تقدم رجل ذو شعر بني قصير ومصفف بعناية، وكانت ركبتاه تصطكان ببعضهما من الرعب.
"أوه! ما اسمك يا صاح؟"
تعثرت الكلمات في حلقه قبل أن يجيب:
"أ... أ... أنا جاك."
"حسناً يا جاك، اسحب!"
تناول البطاقة بأصابع مرتعشة، وما إن وقعت عيناه عليها حتى قال بذهول:
"أنا... الرقم واحد."
"ممتاز! إذن أنت (واحد)! التالي!"
تقدم الرجل الآخر، وكان أسمر البشرة قليلاً وذو شعر أسود كثيف. حاول التظاهر بالثبات، لكن عروق عنقه البارزة فضحت خوفه.
"ما اسمك؟"
"اسمي... جين."
"حسناً يا جين، اسحب!"
ألقى نظرة سريعة على البطاقة وقال بحزم مصطنع:
"رقمي أربعة."
"رائع! أنت (أربعة)! تبقت الآنسة..."
استدارت الشاشة بالكامل نحو المرأة الوحيدة بيننا، بينما اقترب منها أحد المخالب الآلية، فتراجعت خطوة إلى الخلف.
"أرجو المعذرة... ما اسمكِ؟"
ترددت قليلاً، ونظرت إلينا كأنها تستنجد، ثم همست:
"أنا... أدعى ماي."
"جيد يا آنسة ماي! من الآن أنتِ (ثلاثة)!"
ساد صمت ثقيل، قبل أن تبدأ التروس بالدوران بسرعة أكبر، ليعلن داميان بصوته المسرحي:
"والآن... سأشرح مسابقة اليوم! تحدينا هو: إنهاء المتاهة... ومتاهة اليوم تحمل اسم: متاهة الخطايا!"
شحب وجه جين، بينما تراجعت ماي خطوة أخرى.
"ستعملون كفريق واحد لإنهاء المتاهة. أما عقوبة الفشل... فهي الموت بالطريقة التي يرغب بها المشاهدون!"
تجمد الدم في عروقي.
مشاهدون...؟ هناك من يشاهدنا ليتسلى بموتنا؟!
واصل داميان حديثه:
"ولعلكم تتساءلون عن سبب الترقيم. لكل واحد منكم منطقة خاصة هو المسؤول عنها. يمكنكم التعاون فيما بينكم، لكن لا يُسمح لأي متسابق بالتدخل مباشرة في منطقة غيره."
توقف لحظة، ثم تابع:
"وفي حال وفاة أحدكم... ستعودون جميعاً إلى البداية! لديكم خمس أرواح فقط، ومهلة قدرها ساعة واحدة لإنهاء المتاهة."
شعرت بأن رأسي يدور.
خمس أرواح...؟ أي أننا سنذوق ألم الموت مرة بعد أخرى؟!
صدر منه صوت يشبه الضحك المكتوم.
"أما إذا انتهى الوقت... أوه! لقد وصلتنا الآن فكرة من أحد المشاهدين، وقد حازت أعلى نسبة تصويت!"
ظهرت نصوص برمجية مشوشة على زاوية الشاشة، وقرأها بصوت يفيض بالاستمتاع:
"أنا أحد معجبي هذا البرنامج... أرجو أن تحبس المتسابقين الخاسرين داخل قفص حديدي ضيق، ثم تُغمر أجسادهم بشفرات حادة تتجاوز حرارتها 180 أو 200 درجة مئوية... لنشاهدهم يذوبون ببطء."
ثم التفت إلينا ببطء.
"أيها المشاركون... ما رأيكم بالعقاب؟ أليس رائعاً؟"
بدت نبرة صوته كأنها تطبق على أعناقنا.
التفتُّ إلى الآخرين، فرأيت الذعر مرسوماً على وجوههم، بينما كانت ماي على وشك الانهيار.
فجأة، تقدم جين خطوة.
ورغم ارتجاف صوته، قال:
"ن... نعم... أعجبنا العقاب."
حدقت فيه مذهولاً.
هل فقد عقله؟!
لكنني سرعان ما أدركت أنه يحاول فقط إرضاء تلك الآلة، لعلها تصرف نظرها عنا.
ازدادت التروس دوراناً، واشتد توهج الشاشة.
"أوه! جيد... جيد جداً! وما رأيك أنت أيها المميز تيرو؟"
تجمدت في مكاني.
لماذا أنا تحديداً...؟
حدقت في الضوء الأحمر الخافت خلف الشاشة، وحاولت كبح ارتجاف صوتي.
"أجل... أجل، أتفق معه... أعجبني الاقتراح."
وما إن خرجت الكلمات من فمي حتى أدركت ما قلته.
كيف وافقت على شيء كهذا...؟
لكن الأوان كان قد فات.
انطلقت ضحكة معدنية مدوية عبر مكبرات الصوت.
"إذن... رائع! ويا أيها السيدات والسادة المشاهدون... لكل فشل عقاب، ولكل نجاح جائزة! أما جائزة مشاركينا اليوم فهي: رحلة على متن سفينة الموتى... لتجوبوا العالم!"
نظرت إلى رفاقي مجدداً، فكانت نظرات الضياع تعكس ما بداخلي تماماً.
انقبض صدري، ولم أجد ملاذاً إلا الله.
يا رب... نجِّنا.
قطع صوت داميان دعائي وهو يصرخ:
"أيها المتسابقون... جهزوا أنفسكم! نلقاكم حين ينتهي الوقت!"
التفتُّ حولي في محاولة لفهم ما يحدث، لكن قبل أن أستوعب شيئاً، اجتاحني دوار عنيف، واختفى الأستوديو من حولنا في غمضة عين.
وعندما استعادت عيناي تركيزهما، وجدنا أنفسنا في مكان آخر... مظلم بصورة مخيفة.
ولم نكد نلتقط أنفاسنا، حتى دوّى صوت داميان من مكان مجهول:
"لقد بدأ السباق... تحركوا! لقد بدأ العد التنازلي!"