كانت أروقة الكلية تعجّ بالحركة والصخب المعتاد مع نهاية المحاضرة الأخيرة. رفعت إلينا حاسوبها المحمول وأدخلته في حقيبتها الجلدية، ثم دفعت خصلات شعرها المتمردة خلف أذنها وهي تتنهد بتعب.
"إلينا! هل ستظلين تحدقين في الفراغ هكذا حتى يُغلق أمن الجامعة الأبواب علينا؟"
التفتت إلينا لترى صديقتها المقربة ميا تقف عند الباب وهي تحمل كوبين من القهوة المثلجة، وعلى وجهها ابتسامة ساخرة كالعادة.
ابتسمت إلينا بقلة حيلة وقامت متجهة نحوها: "كنتُ أفكر فقط في البحث الذي طلب الدكتور إنجازه عن 'تأثير الأساطير القديمة في المجتمعات الحديثة'. أجد الأمر مضحكاً بحق."
أخذت إلينا كوب القهوة وخرجتا معاً نحو حديقة الجامعة التي بدأت تكتسي بظلال المساء. سارت ميا بجانبها وهي ترتشف من قهوتها وقالت بفضول: "ومِمَّ تضحكين؟ الأساطير ممتعة! خصوصاً قصص الكائنات الليلية والمستذئبين... ألا تجدين في فكرة وجود أطياف تتجول بيننا بعض الرومانسية؟"
ضحكت إلينا بصوت أعلى هذه المرة وهي تهز رأسها بنفي قاطع: "رومانسية؟ ميا، نحن في القرن الحادي والعشرين! المستذئبون والمستذئبات مجرد تخيلات اخترعها الكتّاب ليبيعوا بها الروايات الفانتازية للفتيات المراهقات. كيف لحيوان مفترس بعيون مضيئة أن يكون موضوعاً للرومانسية؟ هذا منافٍ للطقس والعقل والبيولوجيا."
وقفت ميا فجأة أمامها على العشب وسدّت طريقها بثبات، ثم قالت بنبرة غامضة وهي تضيق عينيها: "وماذا لو كان هناك جانب من هذا العالم لا نعلمه يا إلينا؟ ماذا لو كانت الغابات المحيطة بمدينتنا تخفي أشياء لا يستوعبها عقلكِ المنطقي هذا؟"
"لو كان هناك شيء في تلك الغابات لنزل إلى الساحة الآن وحصل على كارت طالب في الجامعة،" ردت إلينا بتهكم، ثم تجاوزت ميا وهي تبتسم: "كفي عن قراءة تلك الروايات قبل النوم، لقد بدأت تؤثر على تفكيركِ."
جلسنا على إحدى المصاطب الخشبية القريبة من البوابة الرئيسية للجامعة. كان الهواء يزداد برودة مع غياب الشمس، وتبتعد أقدام الطلاب تدريجياً.
"حسناً يا صاحبة العقل العظيم،" قالت ميا وهي تحرك كوب القهوة: "لكن هناك شائعات تتردد منذ أسبوع بين طلاب السكن الجامعي... يقولون إن هجمات غريبة تحدث عند أطراف الغابة، حوادث لا تشبه هجمات الكلاب الضالة."
توقفت إلينا عن الشرب لثانية، ونظرت نحو الأشجار الكثيفة الشاهقة التي تحدّ الحرم الجامعي من الجهة الشرقية. لم تكن تصدق الشائعات، لكن دافعاً غريباً وجّه نظرتها نحو الظلال الممتدة هناك.
"إنها مجرد حيوانات مفترسة خرجت من الأوراق الخضراء لتقتات، والناس يحبون تضخيم الأمور،" قاطعتها إلينا محاولة إغلاق الموضوع، لكن شيئاً ما في صوت الرياح التي عبرت الأشجار جعل قشعريرة خفيفة تسري في ظهرها.
"ربما..." قالت ميا وهي تقوم من مكانها وتنفض بنطالها: "على أي حال، يجب أن أسرع إلى موعدي، هل ستأتين معي أم ستظلين هنا؟"
ردت إلينا وهي تخرج هاتفها: "سأبقى لدقائق إضافية لأراجع بعض السطور في مكتبي، ثم سأستقل الحافلة. نلتقي غداً."
ودعتها ميا وغادرت، لتبقى إلينا وحدها على تلك المصطبة. كانت الجامعة قد فرغت تقريباً من الطلاب، وساد الصمت أرجاء المكان باستثناء حفيف الأشجار الصادر من الغابة القريبة. أخرجت إلينا دفترها وقلمها، محاولة التركيز على كتابة أفكارها، دون أن تدري أن هناك عيناً غير بشرية راقبت كل حركة صادرة منها منذ لحظة جلوسها...
اتمنى ان تعجبكم 💕