14 - يوم عادي في مدينة سيرافين - الجزء 4

"ماذا... هل ستُمطر؟" قال أحد المارَّة

"فهمت... سأغادر إذاً... أستأذن..." قالت الفتاة رينا بحزن

إلتفَتَت لتعود أدراجها ومعالم الحزن تغطِّي ملامحها التي بدت في وقتٍ سابق أكثر نشاطًا وحيوية.

"مهلًا!" قالت ليارا

"ماذا؟" ردَّت الفتاة رينا

"هل سيسعدك قبول هذه الهدية مني كتعويضٍ... لابد أنكِ كنتِ تريدين بعض الحلوى بشدة أليس كذلك؟ للأسف أغلب التُّجار هنا إنتهت سلَعهم على ما يبدو..."

سحبت ليارا كيس النقود من جيبها الداخلي وقدَّمت للفتاة قطعتان فضيتان

"يجب أن يفي ذلك بالغرض... أتمنى أن يساعدك هذا المبلغ من التسكُّع والاستمتاع بالتسوق في هذه البلدة... قرب الساحة، يُفترض أن تجِدي رجلا عجوزًا يبيع حلوى دورين مثلَّجة. أرجوك إقبلي هذا المبلغ من أختِك الكبرى ليارا كتعويضٍ مني." قالت بإبتسامة

"ليارا... هل أنتِ متأكدة؟" سألَت رينا بتردد

"بالطبع!" أجابت ليارا بسرور

"بالمناسبة... ما اسمكِ؟" سألت ليارا

"الاسم رينا!" قالت مبتسمة

"عزيزتي رينا... سأتذكَّر ذلك، لنلتقي يوماً ما!"

"بالطبع... حسناً إذا سأغادر الآن... باي باي!"

قالت مأرجحة يديها في الهواء وهي تلوِّح بإتجاهنا بإبسامة مُضطرِبة.

فجأة عاد الجوُّ صحواً لما كان عليه قبل قليل دون أن تُمطر، دون سابق إنذار...

"ما كان كلُّ ذلك؟" سألت مضطربا

"حسناً لا أدري... ربما تكون صدفة!" قالت ليارا

"صدفة إذاً..." قلت

"حسناً إذًا بما أن أبتِي لم يعد بعد ما رأيك بمرافقتي في جولة قبل أن يتغيَّر الجو مجدداً؟" سألَتْ وهي تنظر إلى وجهي ثم سحبت كيسها النقدي من جيبها الداخلي وهي تبتسم. "على حسابي!" قالت مبتسمة

وعليه، إنطلقنا في جولة حول السوق... كان السوق مزدحمًا، والألوان تمتزج فيه كأنها لوحة حيَّة. كل زاوية تضجُّ بالحركة؛ بائع يصيح فوق صوته، وامرأة تساوم بضحكة، وطفل يركض بين الأرجل حاملاً رغيفًا من الخبز. وسط كل هذا الزحام، كانت ليارا تسير أمامي بخفة كأنها نسمة وسط الثلوج، وجهها يضيء بحماسٍ طفولي نادر.

"كدتُ أن أنسى! حلوى دورين المثلجة التي يبيعها الرجل العجوز قرب الساحة!" قالَت

كانت تلتفتُ من كشكٍ إلى آخر، عيناها تتسعان عند رؤية القماش الملون، أو قطعة حلوى تلمع خلف الزجاج. كلما أمسكت شيئًا جديدًا، ابتسمت لي بطريقة جعلتني أنسى البرد الذي كان يلسع وجهي. ضحكتها الصغيرة حين فشلت في المساومة مع أحد الباعة جعلت الجو المحيط بنا أخفّ، كأن السوق بأكمله بدأ يتنفس من جديد.

اشتريت بعض اللحم المدخن بينما هي تتناول حلوتها المفضلة تلك وتتحدث مع امرأة تبيع الزهور المحلية، تسألها عن رائحة كل نوع ومعناه، وكأنها تحفظ العالم من خلال أنفها. أحيانًا كانت تمسك بذراعي لتشدّني نحو متجرٍ آخر دون أن تنطق بكلمة، فقط نظرة منها تكفي لأفهم أن عقلها غارق في كل ما تراه.

حين جلسنا أخيرًا قرب الموقد الكبير في منتصف الساحة، نتناول وجبات اللحم المدخن التي إشتريتها، كانت خصلات شعرها قد تخلَّصت من قناعها الثلجي، تتطاير بحرية، وجنتاها محمرتان من البرد والضحك. وضَعَت السلة أمام قدميها ونظرت إليَّ قائلةً..

"أتعلم يا إليان؟ أنا أحبُّ هذه المدينة وسكَّانها، وأحب حياتنا اليومية أيضاً. ربما البرد لا يهمُّ حقًا، طالما أن القلب دافئ هكذا... ألا تتفق؟"

'في تلك اللحظة، أدركت أن السوق لم يكن مزدحمًا بالناس فحسب، بل بالذكريات التي بدأت تُنسج بهدوء بيننا.'

'بحلول هذا اليوم، أكون قد أمضيت وقتاً طويلًا مع هذه العائلة بالفعل... رحلتي أشرفت على النهاية، لكن أريد لهم الحياة لأطول فترة ممكنة... أتمنى ذلك حقاً.'

"معكِ حق!" أجبت

"حسناً إذاً، مارأيك أن تشتري معطفًا خاصًّا بك مادمنا في السوق اليوم؟" سألَتْ

"هل يوجد شيئ كهذا هنا؟" سألْتُ

"بالطبع..." وقفت ليارا ومدَّت يدها إليّ. "هيا بنا!" قالت

أمسكتُ بيدها الدافئة مكملين جولتنا في السوق، والآن كانت وجهتنا هي المحلَّات. تنقَّلنَا من محلٍّ لآخر، كلٌّ منهم يعرض مختلف أنواع الأثواب والملابس بجوداتٍ متعددة و خامات متنوعة، مما يجعل الإختيار صعبًا. مررنا عبر العديد من المحلَّات دون أن نجد ضالَّتنا، فليارا إنتقائية ولم تجاملني عندما يتعلق الموضوع بالملابس فحرِصَت على البحث عن أكثر ما يناسبني ولقد سايرتها في ذلك وصولًا إلى أحد المحلَّات النبيلة في آخر الرواق.

لقد كان المحلُّ نبيل المظهر، بأجود أنواع الزجاج والرخام في داخله، وإضاءة دافئة خافتة تعطي المكان طابع الوقارِ والذوق العالي. بالطبع، إنعكس مظهر المحل على أثمنة الملابس الموزَّعة في أرجاءه. لقد كان صاحب المحل رجلًا عجوزاً أنيقًا يعطي هالةً من النُبلِ والسكينة، لقد كان الرجل المناسب لتسيير مكانٍ كهذا. تواصلت معه ليارا بهدوء ولباقة وقد بادلها الإبتسامة والتعامل المهذب، وقدَّم لي مجموعةً من المعاطِف والأطقم لكن ليارا لم ترضى بعد... لم أكُن قد وجدتُ بعد الطقم المناسب.

"فهمت ما تبحثون عنه." قال المُسِنُّ

فتح العجوز إحدى الخزانات المغلقة إذ بطقمٍ كامل يأتي في منتصف الخزانة يسرق تركيزي.

"ما رأيك؟" سأل المُسِنُّ

بمجرد إرتدائه علِمت أنه المناسب، وأنني سأشتريه.

"لباسٌ مصممٌ بوضوح للرحلات الطويلة في الطقس البارد. قميصٌ رماديٌّ داكن ذو ياقة مرتفعة منسوجة بخيوط سميكة لتوفير الدفء، فوقه سترة جلدية سوداء قصيرة مشدودة بالأزرار المعدنية من الجانب الأيسر، تُظهر تصميماً شبه عسكري. يغطيه معطف طويل رمادي مائل إلى الفضي يمتد إلى منتصف ساقيه، مصنوع من قماش مقاوم للثلوج، ذو بطانة داخلية خفيفة من الفرو الرمادي الفاتح. يأتي معه وشاحٌ أبيض واسع يلتف حول العنق بشكل طبقي ليحميه من الرياح، ويتدلَّى أحد طرفيه على كتفه الأيسر."

"من خصره يمتد حزام عريض مزدوج مصنوع من الجلد الداكن، إضافة إلى مشبك فضي منقوش يُزيِّنُه. معه بنطالٌ ضيق نسبياً بلون رملي فاتح مصنوعٌ من قماش متين، مدسوساً داخل أحذية جلدية عالية تصل إلى ما تحت الركبة مباشرة، مشدودة بشرائط جلدية متقاطعة لضمان الثبات في الطرق الجبلية. و قفازات سوداء جلدية لتحمي اليدين من البرد القارس." وَصفَه مديرُ المحلّ العجوز

'بالمجمل، أعتقد أنه متقن كما أنه خالٍ من التكلّف، يوحي بأنني شخص معتاد على السفر في ظروف قاسية، وأن كل قطعة في لباسي لها وظيفة محددة وليست مجرد زينة... نعم إنه مناسب.'

"إذا مارأيكِ؟" سألتُ ليارا

"جميل... أعجبني." أجابت بهدوء

"كم ثمنُ هذا يا عم؟" سألتُ

"قطعة ذهبية." أجاب مباشرةً

"غالٍ جداً!!" قلتُ أنا وليارا في الوقت نفسه

'لا تردُّد حتى.'

حينها كلانا تخلينا عن البرستيج الذي تماشينا معه جاهدين عند سماع هذا الرقم.

'لأضعكم في الصورة... قطعة ذهبية كافية لتعيش بها لمدة ثلاثة أشهر تقريباً مرتاح البال دون التفكير في العمل... هل هو فعلًا يستحق ثمنًا مُرتفعاً كهذا؟'

'لقد حصلنا من تجارتنا السابقة على مايقارب ثلاثة قطع ذهبية... أي أنني سأضع ثلث ما جنيناه على طقمٍ لن أرتديه طويلًا حتى! أظن أن ذلك سيكون أنانية مني... سأتخلى عنه، ليس وكأن ملابس رايندار سيئة أو ماشابه...'

"أعتذر منك سيدي لكنني لن-"

"سنأخده!" قاطعتني ليارا قائلةً

"ليارا..." همستُ

"أَ لم أقل لك سابقًا أنه على حسابي... لا تنزعه... إنه يناسبك." قالت ليارا بعفوية

دفعت ليارا للعجوز ثمن الطقم دون تردد أو محاولة للمساومة.

خرجنا من المحل وأنا أحمل في السلّة الفارغة على ظهري ملابس رايندار التي كنتُ أرتديها وقد وضعتها داخلها بعد أن أصرَّت عليّ ليارا أن أرتدي ملابسي الجديدة في طريقِ عودتنا... لقد مشينا طويلًا في صمتٍ دون أدنى كلمةٍ تكسر الحاجز بيننا.

"ليارا... شكراً-"

"بالنسبة للكلام الذي قلته لك مساء يوم أمسٍ... أنا آسفة!" قاطعتني قائلة

"آسفة؟ على ماذا؟!"

"لقد تدخلتُ فيما لا يعنيني..."

"لا هذا ليس... صحيحاً..."

"أقصد، لقد استنتجتُ بالفعل أنك لم تفقد ذاكرتك فعلًا كما تدَّعي، لكن هذا لايعني أنك شخصٌ سيئ بالضرورة..."

"على الأقل أنت حقاً لم تكن تُتقن لغتنا وتبدو كافة اللغات جديدة عليك كما لو أنك طفلٌ حديثُ الوِلادة..." أكملَتْ

"ومع ذلك، لم يكُن يجبُ علي أن أتمادى إلى تلك الدرجة... أقصد ربما كل مافي الأمر أنك لا تريد التعلق بماضيك فتحاول نسيانه لتلك الدرجة... هل أنا محقة؟" قالَتْ

"نعم" أجبتُ

"هل تذكُر اسمكَ الحقيقيَّ على الأقل؟"

"نعم"

"هل ستُخبرني به إن طلبتُ منك ذلك؟"

"لا"

"فهمت..."

"لكن شكراً لكِ... أنتِ ورايندار كذلك... لقد قدمتم لي بيتًا دون مقابل وتعتنون بي دون أن يُجبركم أحدٌ على ذلك، واليوم إشتريتِ لي هذا اللباس الجميل... أنا ممتنٌّ حقاً" قلتُ

"أرجوك لا تكُن..." قالَت

توقفتُ تاركًا ليارا تتقدم أمامي قبل أن تنتبه لي وتستدير لمواجهتي.

"قد تكون هذه الأشهرُ القليلة التي عشتها معكما تعادل كل السعادة التي حصلتُ عليها في آخر سِنين عمري... أنا جادٌّ في كلامي... ربما لا تريدين مني أن أشعر بالامتنان اتجاه ماتفعلون معي، لكنني كذلك! أتمنى لكم حياةً مديدة حقاً" قلتُ بنبرةٍ هادئة

رياحٌ خفيفة عصفت وكأنها قد تفاعلت مع كلمات تمنياتي وإمتناني...

"إليان..." نادت ليارا

وجَّهتُ بصري نحوها لأجد الإبتسامة تعلو محياها...

"مهما كانت خلفيَّتُك... سأكون دائماً حليفَتك... أنت ببساطة هذا النوع من البشر!" قالَت بإبتسامة

'إنها ملاك...'

"وأنا أيضاً سأكون حليفك دائمًا إليان..."

رجلٌ ثلاثينيٌّ ضخم ضرب ظهري براحة يده القوية مازحًا معي وهو ينطق بكلماته المشجعة بنبرة حيوية يملأها النشاط والصِّدق.

ضَربتُه تلك قد غيَّرت الأجواء الهادئة من حولنا كما العادة لنسمع طبقاتٍ أكثر صخبًا... هذا هو رايندار.

"بالمناسبة أين كنتَ كل هذا الوقت يا أبتي؟" سَأَلَتْ ليارا

"لن تُصدقي ما حدث... لقد سقطت لائحة الحاجيات من جيبي فبحثتُ لوقتٍ طويلٍ عنها في الطريق بين الأكشاك والخيام والمحلات حتى وجدتها... لقد كان الأمرُ شاقًّا حتى وجدتها واستطعت أن أجلب ما نحتاج" قال

إنه أخرقٌ بعد كل شيئ...

استمرَّت محادثاتنا العفوية الثلاثية ونحن نتمشى في جنباتِ السوق مغادرين المدينة نحو كوخنا الجبلي الدافئ الذي ينتظرنا.

'أظن أنني سأسمي هذا اليوم إنتصارًا في ماتبقى لي من عمرٍ بعد كل شيئ...'

"بالمناسبة، هل سمعتُم الأخبَار؟ يبدو أن مملكة إيلغاريا قد قامت باستدعاء بطل النبوءة قبل بضعة أشهرٍ من الآن، لكن شيئًا ما تدخَّل فخلَق توترًا في التعويذة وتم إرسال البطل بالخطأ إلى مكانٍ آخر خارج المملكة، وقد شكَّلت المملكة بأوامر ملكية فريق مغامرين مكون من ساحرة الاستدعاء التي تستطيع الشعور بمكانه بالإضافة إلى إثنينِ من حراس إيلغاريا الذهبيين كي يحموها في رحلتها بحثًا عنه كي يُعيدوه لمملكتهم." أخبرَنا رايندار

"إيييه حقا؟!" قالت ليارا بإبتسامة

استمرَّت أحاديثنا بعدها بكل سلاسة كما لو أن الحياة بالخارج لا تهمنا ولا تربطنا بِصِلَة...

يُتبع...

2026/04/19 · 7 مشاهدة · 1501 كلمة
2busy4you
نادي الروايات - 2026