كان الثلج بارداً… قاسياً إلى حدٍّ يجعل العظام نفسها ترتجف. لم أَدرِ أين أنا، ولا كيف انتهى بي المطافُ في هذا المكان. كل ما كُنت أراه حين فتحت عينيَّ نصف فتحةٍ هو البياض… بياضٌ موحش يبتلع العالم كله بسِفاح ثلوجه الممتدة. لكن شيئًا ما كسر صمته؛ بُقعٌ حمراء صغيرة تنتشر حولي، تتسع ببطء مع كل نبضٍ من خاصرتي اليسرى، حيث كان الدم يتدفّق بحرارةٍ خافتة فوق الثلج البارد.
حاولت أن أرفع رأسي، لكن الألم صعق جسدي كما يفعل الكهرباء... بدَني كله يصرخ، من وجهي المليء بالكدمات، إلى أضلعي المتألمة تحت ملابسي الممزقة البالية. شعرت ببرودةٍ تلتهمني من الداخل، وبأن كل شهيق هو معركة صغيرة ضد الموت. وجهي شاحب إلى درجة الغثيان، وشعري الأسود الفوضوي التصق بجبيني من الدم والعرق. أنفاسي متقطعة، وكل زفير يخرج محمّلًا بطعم الحديد والدماء.
كانت رؤيتي ضبابية، لكنني شعرت بحضور شخصين بالقرب من جسدي كما يشعر الجلد بدفء الاقتراب من النار. كانا واقفَين قريباً مني، أحدهما على يساري، والآخر أبعد بقليل… ظِلّان غامضان، ملامحهما غارقة في سحابة البياض، كأن الثلج نفسه شكّلهما. لم يتكلما، ولم يتحركا، أو ربما أنا فقط من لم يتمكن من سماعهما، لكن إحساسًا غريبًا بالخوف من الموت والحنين اجتاحني في اللحظة ذاتها، كما لو أنني أعرفهما منذ زمنٍ بعيد… ولا أتذكر أين...
حاولتُ أن أنطق، أن أسأل عن هويتهما، من أنتما؟ لكن صوتي لم يخرج، فقط شفتاي تحركتا في صمتٍ ثقيل.
يبدو أنهما يُحدثان جلبةً حولي، لكنني بالكاد أسمع شيئاً عدا رياح الجبال العاتية.
الثلج صار أثقل، الضوء خافت، والعالم كله انكمش في نقطة بين الألم والجمود. آخر ما شعرت به قبل أن ينطفئ كل شيء هو دفءٌ بسيط قرب يدي، أو ربما كان ذلك الوهم الأخير قبل أن أعود إلى العدم... إلى الظلام.
...
فتحتُ عيناي إثر صوتِ المنبِّه الذي يرِنُّ دون توقفٍ، ينتظر المستيقِظ أن يوقفه فيتبادلان الأدوار ويُنهي دوره بإتمام مهمته. مدَدتُ يديِ وأنا منسدحٌ على السَّرير، غارِقٌ في الكسل، بالكاد لمستُ المنبِّه لكنه توقَّف عن إزعاجي. قابلتُه لأتحقَّق من الوقت... إنها السابعةُ مساءً، يبدو أن قيلولة العصر أخذت وقتاً أطول من المتوقع.
جلستُ على سريري وبدأت في تمديد جسدي للتخلص من الكسل الذي يغمُرني، نظرتُ إلى الساعة مجدداً... إنها السابعة مساءً فعلًا...
"سأتأخَّرُ عن موعدي..." قلتُ بنبرةٍ كسولة
**********
'أهلًا، معكم طالب جامعي منعزل بدون عائلة ولا أصدقاء. لا أخبركم هذا بدافع طلب الشفقة، بل على العكس تماما، إذ أنني أجد راحتي المطلقة في غرفتي محاطاً بمجلدات المانغا والروايات الخفيفة. عمري 19، سأتمم ربيعي العشرين بحلول مارس القادم. مع ذلك، ليس وكأنني سأعيش حتى ذلك الوقت على أيِّ حال. كم تمنيت لو أستطيع بلوغ العشرين صراحةً، وَقْعُ الرقم قوي أكثر، يبعث شعورًا بالرشد والكِبَر، كان ليكون ذلك جميلا، أن أكبر لأصبح بالغا. ليس وكأن لدي أحلاماً أطمح لتحقيقها أو ماشابه، لكنني لا أظن أن العيش للعيش فقط سببٌ تافه، ألا توافقونني؟'
'اسمي... لا أظن أن ذلك مهم على الأرجح... ليس وكأن أحدهم مهتم بسماع اسم شخص سيموت قريبا على كل حال هاها. أ لستُ محقا؟'
'لقد عدت للتو من موعد في هذا المساء... لكنه لم يكن مثيرا للغاية فمرافقي كان طبيب القلب في فترة حراسته الليلية. كثيرا مانلتقي مؤخرا، رغم أنني أكره مغادرة البيت، لكنه يتصل لتذكيري بالمواعيد مرارا وتكرارا. حتى أنا أعلم أنه لايتصل لأنه يريد رؤيتي، كل ما في الأمر أن حالتي تتدهور وأصبحتُ أحتاج عناية طبية أكثر تركيزا. أشعر بألمٍ يخترق قلبي... الألم في صدري كقبضة خفية تنكمش ببطء حول قلبي، لا طعنة ولا جرح، بل ثقل خانق يضغط من الداخل. كل خفقة كانت كصرخة مكتومة، والهواء يدخل بصعوبة كأنه يمرّ عبر ضبابٍ من النار. لم يكن الألم قويًا فحسب، بل عميقًا… كأن قلبي يذبل من الداخل بصمتٍ لا يُرى. أتمنى ألا أضطر للمبيت في العيادة يوما ما، سيكون ذلك سيئا للغاية فلدي جدول مزدحم من الألعاب التي علي تختيمها قبل وفاتي...'
'نعم، لقد أخبرني الطبيب سابقًا أنني لن أعيش طويلا، تبقى لي ثلاث أشهر لأعيشها على أحسن تقدير! بئسا... يبدو أنني سأموت قبل أن أشهد نهاية أنمي القطعة الواحدة...'
'ضيق في التنفس، ألم وضغط لا يُطاق في منطقة القلب والصدر، نبضٌ غير منتظم، فقدان شهية، وصعوبة في النوم... بدأتُ أعاني من كل هذه الأعراض مؤخرًا، لكنني لستُ حزينًا بالخصوص... ما يُزعجني حقًا هو السُّعال، كم أبغضُه.'
أحد أسباب نفوري من مغادرة المنزل ليس التعب… بل المدينة ذاتها. أخرج فأجدها ممدّدة أمامي كجسدٍ أُرهق من كثرة ما صمد، حيّ عشوائي بُني على عجلٍ ثم تُرك ليواجه مصيره وحده. الأزقة ضيقة إلى حدّ أنها تخنق الهواء. الجدران متلاصقة كأنها تتآمر على ضوء الشارع، فلا تترك منه إلا خيوطًا شاحبة تتسلّل بخجل. الطين تحت قدمي ليس طينًا خالصًا، بل خليط من غبارٍ عالق، ومياهِ مصارف كريهة، وبقايا ما لفظته البيوت من تعبها اليومي. الرائحة هنا ليست رائحةً واحدة؛ بل ذاكرة فسادٍ متراكمة. عفن طعامٍ تُرك لينسى، سمك ذبل قرب حاوياتٍ ممتلئة، ماءٌ راكد يحمل سرّ الأيام التي لم تُنظَّف. رائحة تُثقِل الصدر، لكنها لم تعد تثير فيّ شيئًا. كأن أنفي قد اعتاد الهزيمة.
البيوت… آه، هذه البيوت. جدران متشققة تشبه وجوهًا هرِمة لم تُمنح فرصة الراحة. طبقات الطلاء المتساقطة كجلدٍ يتقشّر ببطء، نوافذ مكسورة تسترها أقمشة باهتة، وأبواب تئنّ كلما داعبتها الريح، كأنها تتذكّر زمنًا كانت تُفتح فيه على أملٍ لا على ضجر. الكلب ذاته عند الزاوية، ينبح كأنه يحرس الخراب. البائع نفسه لا يتوقف عن الصراخ مروِّجًا لسِلعته بالكلمات ذاتها، كأن الزمن هنا عالق في حلقةٍ لا تجيد التقدّم. عجوزٌ تقذف الشتائم في الهواء بلا سببٍ واضح، وأطفالٌ يركضون حفاةً بين البِرك الصغيرة، يضحكون كما لو أن الفقر لعبة، وكأن الطين ليس سوى مسرح لبراءتهم الفاسدة.
لا أنظر إليهم طويلًا. ليس لأنني أزدريهم، ولا لأنني أُفضِّلهم… بل لأن داخلي صار يشبه هذه الأزقة؛ مستهلكًا، صامتًا، خاليًا من ردّ الفعل. لم أعد أملك رفاهية الكره، ولا شغف الحب. أنا فقط أعبر، كما تعبر الريح بين البيوت دون أن تُصلح شيئًا. هذه المدينة عشوائية في كل شيء؛ في عمرانها، في رائحتها، في صمودها العبثي. بُنيت بلا حلمٍ واضح، وتعيش بلا وعدٍ حقيقي. هي مثل ما تبقّى مني، أجزاءٌ متراكمة، متعبة، متلاصقة بلا انسجام… لكنها باقية، رغم كل شيء.
حين أرفع بصري نحو السماء الجميلة التي تعلوها، يخطر لي أنها لن تبقى طويلًا. هذا الخراب لن يدوم. سيأتي يوم تُزال فيه هذه الجدران، تُسوّى الأرض، وتُمحى هذه الأزقة كما تُمحى الكلمات من ذاكرةٍ مثقلة.
ستزول المدينة… وسأزول معها.
لا لأنني أكرهها... بل لأننا، أنا وهي، مجرّد بقايا مرحلةٍ لم يعد لها مكانٌ على هذه الأرض... أو هذا ما ظننتُه.
"اللعنة، كيف لا تستطيعان الإمساك بفتاة واحدة وأنتما رجلان ضخمان رغم كونها جريحة." قال رجل وهو يصرخ من خلفي
التفتُّ لأرى مايجري خلف ظهري إذ بفتاة يافعة تصطدم بي في محاولة هربها من ثلاث مطاردين. أمسكتها من كتفيها كي أساعدها على الوقوف بتوازن، ثم حذرتها.
"إحذري!" نبهتُها
شعرتُ بقبضة الألم تلك تعتصر قلبي من جديد... نبضٌ مرتفع، أقوى من المعتاد ضرَب أوتار صدري.
رفعت الفتاة نظرها إلي بعينان مرتعبتان. "آ-آ-آسفة!" اعتذرَت بنبرة قلقة
'مهلا، مهلا... ما الذي يجري هنا بحق؟'
مددت بصري مباشرة عكس اتجاه الفتاة، فالتقت عينيَّ بأعين المطاردين. لقد كانوا ثلاث رجالٍ ضخام البنية في منتصف العمر. لا شيء في وقفتهم يوحي بالثقل أو الثبات. يرتدون سترات جلدية داكنة متشققة عند الأطراف، كأنها تحاول التمسك بما تبقى من هيبة زائفة. وجوههم مجعدة بغضب مفتعل، وابتساماتهم عريضة أكثر من اللازم، كأنهم يقلّدون مشهداً شاهدوه كثيرًا في فيلم رديء. على اليمين، كان أحدهم أصلعًا ذا لحية مشذبة بعناية زائدة، لايزال يشذب لحيته بأطراف أصابعه مبتسما كمن ينتظر تصفيقًا. الآخر يسارا، ارتدى نظارته الشمسية المعلَّقة في قميصه رغم اختفاء الشمس، كان يبتسم ابتسامة ساخرة وهو ينظر نحو قائدهم في المنتصف على ما يبدو بافتخار. كان القائد في المنتصف الشخص الذي ألقى الأوامر سابقا، يزمُّ شفتيه في محاولة عبثية لإبراز فكِّه العريض. كان سمينا نوعا ما بكرش واضحة، لكنه يبدو الأقوى بينهم، متباهيا بسلسلته الذهبية البارزة على عنقه.
'هل ما زال يلقى هذا النوع رواجًا في أيامنا هذه؟'
كانوا يقفون كتفًا إلى كتف، كأنهم نسخة واحدة تكررت ثلاث مرات… لا شيء فيهم يُقنع بأنهم خطرون كما يظنون. لكنهم كانوا ببساطة أقوى مني على الأقل! ليس وكأن منظري هو الآخر يوحي بالقوة على كل حال.
تكلم قائدهم بنبرة حادة إلي مباشرة دون لف ودوران. "أيها الشقي، ابتعد عن تلك الساقطة حالا! لا تحاول أن تبدو بطلا، لا تحاول أن تُبدي رأيك حتى."
'هيهي، هل أبدو كشخص يتدخل في شؤون الأخرين بالنسبة لهم؟ كل مافي الأمر أنها اصطدمت بي. ليس وكأن لدي نقصا في المشاكل كي أبحث عن آخر جديد.'
أبعدتُ الفتاة مني ببطئ، واستدرت دون نطق كلمة واحدة مكملا طريقي. شدني بعدها شيئ ما ممسكا بي من الخلف... لقد كانت يدا مرتجفة، أطراف أصابع صغيرة وناعمة شدَّت قميصي وأنا راحل.
"س-س-ساعدني أرجوك!" قالت بنبرة خافتة ترتعد خوفا
'لا لا لا، أنا من أرجوك أن تبتعدي عني هنا، إنهم ثلاثة رجال، ثلاثة، وأنا وحدي. غالب الظن أنهم مسلحون أيضا، ليس وكأن لدي فرصة للفوز أمامهم حتى لو كانوا غير ذلك. لا أريد عيش الأشهر القليلة المتبقية من عمري مُقْعَدًا دون أن يرعاني أحد حتى.'
'لكن...'
استدرت لأواجهها وأخبرها بذلك لكنني لم أستطع، إذ كانت ترتعد خوفا من هؤلاء المطاردين. ليس وكأنني أعرف طبيعة علاقتهم أو شيئا من هذا القبيل، لكن لم تبدو عليها ملامح شخص قد يفعل شيئا مسيئا لهذه الدرجة. لقد كانت فتاةً في مثل عمري تقريبا ذات مظهرٍ حسَن، كان وجهها بيضاوي الشكل بملامح فاتنة، شعرها أسود طويل ينسدل على كتفيها لكنه كان فوضويا قليلًا، عينان سوداوتان ذات رموش سفلية بارزة، لكن بكاءها جعل الماكياج يتداعى من أسفل جفنيها على وجهها، أنف مستقيم جميل، وفم صغير عليه أثر أحمر شفاه. لقد كانت ترتدي مختلف الأكسسوارات والزينة. حلقات دائرية ذهبية، وكانت تضع عِقدًا من الفضة يتدلّى فوق عنقها، وتُزيّن معصمها بسِوارٍ ذهبيٍّ رقيق، وخواتم فضية على بعض أصابعها. كانت ترتدي فستانا أبيضا بأكتاف مكشوفة متسخا بالغبار حتى صار يبدو باليا، ممزقا من فتحة الأرجل كي تستطيع الركض به غالبا. ساقها كانت نحيلة مليئة بالدماء إثر جُرحٍ في ركبتها تداعت دماؤه حتى أسفل القدم. كانت ترتدي حذاءًا ذهبيا بالكعب مما يفسّر بطئ حركتها، يبدو أن جريها مرتدية إياه آذى قدمها بشدة إذ تبدو متورمة وغير قادرة على الهروب أبعد من هذا.
إنها ترتجف بشدة، بئسا. لا أحاول أن أبدو بطلا ولا أهتم لنظرتها لي، لا شيئ من هذا مهم إن تعرضت لأذى، لكن...
رفعت بصري إلى قائدهم محاولا إظهار أكثر النظرات جدِّيةً في جعبتي. وضعَت الفتاة رأسها على صدري وهي تبكي من الخوف وكأنني آخر أمل لها أمام هؤلاء الحثالة.
"ماذا فعلت هذه الفتاة لتستحق مطاردة ثلاث أشخاص لها، هل تظنون أن تصرفكم هذا يمد للرجولة بِصِلَة؟" قلت متحديا
"يا أيها الشقي أنت لاتفهم، لا شيئ يخصُّنا معك، قدِّم الفتاة لنا وغادر وسندعك تنام بعد ذلك هذه الليلة في هناء." قال بنبرة مستفزة رخيصة
'لا تحاول أن تبدو بطلا، لا تحاول أن تبدو بطلا، لا تحاول أن تبدو بطلا.'
"هاه! صادفت الليلة أنني كنت أنوي السهر في كل الأحوال، لكن يبدو أن الخطة ستتغير من تختيم لعبة إلى تلكيم بِضعة أوغاد رعاع." قلت متحديا بابتسامة
"أيها الشقي... أمسكا به، أبرحوه ضربا واجلبوه رفقة الفتاة إليَّ حالا!"
اتجه التابعان نحوي بسرعة استجابةً لأمره والابتسامة العريضة لا تفارق محياهما.
"استعد للموت أيها الوغد!"
"فلتتناول وابل لكماتنا هذه!"
شدَّت الفتاة قميصي بقوةٍ أكبر. فأمسكتُ يديها المرتجفتين، وأبعدتها جانبا. نظرَت إلي بنظرة قلقة. "سنكون بخير" طمأنتُها بابتسامة
ركزتُ، جهزتُ وضعيتي، وانتظرت وصولهما نحوي. وصل الأصلع الملتحي أولا، وجَّه قبضته نحو وجهي فتفاديتها ببراعة ثم وجهت لكمةً نحو فكه بقوة فاختل توازنه. الوغد ذو النظارات الشمسية ارتمى على رجلي بكامل جثته كي يسقطني أرضا. حاولت المقاومة لكنه تمكَّن من إسقاطي بثقل جسده. بعدها كنتُ قد عرفت أنني خسرت القتال بالفعل، ليس وكأنني كنت أعتقد أنني قوي لدرجة إسقاط الثلاثة بنفسي. الأصلع الملتحي بدأ في ركل وجهي بقدمه بقوة، أشعر أنني سيغمى علي. بطرف عيني أستطيع أن أرى الفتاة تقف وهي ترتعد خوفا من الضرب المبرح الذي أتعرض له.
"ت-ت-توقفوا أرجوكم! لاتضربوه!" قالت بنبرة خافتة تكاد لا تُسمع
"هااااه؟!" صرخ الوغد ذو النظارات الشمسية
"هذه ضريبة أن تحاول لعب دور البطل." قال الملتحي
نزل الأصلع الملتحي ليجلس على وضعية القرفصاء أمام وجهي بنظرة مستفزة تعلو محياه. بصق على وجهي، ثم وجَّه نظره صوبَ الفتاة.
"أمسكها، سنعود."
"و-و-وغد..." قلت بالطاقة المتبقية لدي
"يبدو أنك لاتزال متمسكا بدور البطولة السخيف ذاك."
"رئيس، ما الذي تريد منا فعله بهذا الأحمق؟" خاطب رئيسه
"سنتركه هنا، لا حاجة لنا بمتاعب إضافية!"
"فهمت."
نهض من جديد ووجَّه نظرة حادة لوجهي، تذمر بوضوح ثم وجَّه ركلةً قوية أخيرة لذقني.
'يبدو أنني سأفقد الوعي بالفعل... بعد كل ذلك الكلام الرائع الذي تبجحت به أمامها. أنا حقا أكره ضعفي، لطالما كرهته، لكنني عجزت عن تغيير شيئ فاستسلمت. لابد أنها كانت تُعلق أمالا كبيرة علي لكنني خنت ثقتها... حقا أكره هذه الصفة في نفسي. أستحق الموت المقدر لي في نهاية المطاف.'
...
فتحتُ عيني ببطئ، يبدو أنني لم أغب عن الوعي لمدة طويلة تماما، ربما بضع ثوانٍ فقط، أستطيع أن أرى الفتاة وهي تقاوم بنظرة ضبابية. يبدو أنها تؤدِّي أحسن من أدائي المثير للشفقة في القتال. أستطيع أن أراها تعضُّ صاحب النظارات الشمسية، والقائد يصرخ مطالبا إياهم بإنهاء الموضوع بسرعة... هذا الوغد لايقوم بشيئ عدا إلقاء الأوامر.
"لا أريد الزواج من رئيسكم! أ لا تفهمون أن الناس ليست مجرد سِلع تبيعون وتشترون فيها... أنا لا أريد ذلك، لا أريد قضاء ماتبقى لي من حياة برفقة أوغاد قتلة مثلكم... الموت أرحم لي من مستقبل كهذا!" صرَخَت قائلةً بما تبقى لها من طاقة نفسية في وجههم
"فليساعدني أحدكم، رجاءً! أي أحد!"
صَرخَتْ وصَرخَتْ دون أن يقدم أحد لنجدتها، مغلقين نوافذهم في وجه طلبِها... الجميع بلا فائدة في هذا الحيّ البائس... سعيدٌ أنه سيُدم قريبًا بسبب أشغال فندقٍ فاخر جديد. أوغاد يقطنونه لا يهتمون إلا بأنفسهم مبررين ذلك بمخاوفهم وعائلاتهم التافهة. الموت لهم!
أبصرَت عيني نملًا على الأرض يمشي بثبات...
'بالنسبة لهذا النمل، حتى شخصٌ مثلي يبدو كعملاقٍ قوي قد يُعتبر تهديدًا.'
زحفتُ باتجاه أولئك الأوغاد الثلاثة على أمل مساعدتها في الهرب... لا أحد له الحق في تقرير مستقبل أحدهم. لا ضرر في المحاولة جاهدًا...
أمسكت قَدَم الأصلع الملتحي وأنا أزحف على الأرض.
"هاااه؟! هل قررت أن تتحول لدودة مثيرة للشفقة الآن؟"
"أوغاد... ابتعدوا عنها."
أمسكني من قفاي بيده بقوة ورفعني ليقابل عيني بعينه. "هذه النظرة على عينيك... كم أبغضها. نظرة مثيرة للشفقة، نظرة الضعف، نظرة شخص لايستطيع تقرير مصيره."
"وكأنك تستطيع أيها الأحمق... كلكم مجرد أوغاد يعيشون داخل نظام قوة هرمي سخيف، يأكل فيه القوي الضعيف."
تقدم الوغد ذو النظارات نحوي تاركا الفتاة خلفه، وكذا اقترب القائد.
"يا هذا... بأمر واحد أستطيع جعل هذان الرجلان يقتلانك أشنع ميتة هنا. لن يأتي أحد لإنقاذك فالجميع يهاب عصابتنا هذه في أنحاء المدينة. يبدو أنك عشت حياة هانئة مادمت لاتعرف عنا شيئا، لذلك أعطي قيمة أكبر لحياتك وغادر لبيتِك دون أن تهدرها في زقاق ضيق حقير كهذا. ألا تقدِّر حياتك؟ هل الكرامة شيئٌ مهم لهذه الدرجة يقتضي دفع حياتك ثمنا لأجلها؟"
اقترب من وجهي رويدا رويدا وهو يلقي كلماته المملة. بصقتُ على وجهه، فتدلى لعابي اللزج على وجهه ببطئ.
"مت! هيهي أخيرًا أفسدت مظهرك السخيف الذي تحاول الظهور به." قلت مستهزءا
لكمني بقوة كبيرة حتى استدرت للجهة الأخرى، حينها نطحني الوغد الملتحي بقوة وقذفني نحو زميلهم الثالث. الأخير قام بتوجيه قبضة أخرى لخدِّي، لكنني أمسكت بشعره، شددته بقوة. وأنا ممسك به، استدرت نحو الوغد الملتحي وركلت خصيتاه بكل القوة المتبقية في قدماي حتى سقط أرضا ممسكا حِجره من شدة الألم.
"اهربي!" صرخت بكل ما أوتيت من قوة
"لن أدعهم يلحقون بك، لذا استغلي الوقت الذي أستطيع توفيره لك واهربي!"
"لكن-لكن..." قالت مترددة
"بسرعة!" صرختُ
تخلت الفتاة عن حذائها ثم ركضت مسرعة.
"يبدو أنك لاتقدِّر حياتك بالفعل أيها الأحمق."
"فليكن، لا أمانع تقليص مدة حياتي القصيرة في كل الأحوال."
"فهمت... مُت."
أخرج قائدهم خنجرا من جيب سرواله الخلفي، فتحه ثم توجه إلي.
'ما الذي؟ سحقا... هذا سيئ... لا أريد الموت.'
بعد ثوانٍ قليلة من توجهه نحوي، شعور غريب...
في البداية، لم أفهم. كانت خطوتي التالية أثقل من المعتاد، ركبتيّ خانتاني فجأة، وكأن الأرض انكمشت تحت قدمي. شعرت بشيء غريب… كأن شيئًا في داخلي قد اختل، شيء لا أملك له اسمًا. ثم رأيت ذلك.
خنجر. لا، لا... مجرد مقبضٍ غريب يبرز من خاصرتي اليسرى، تحت ضلعي مباشرة، قرب معدتي.
تجمدت عيني عليه، لم أستطع تصديق ما أراه.
هل هو... في داخلي؟
مددت يدي ببطء، ملامسًا طرفه...
حينها فقط جاء الألم.
كالسُمّ... كجمر مشتعل انتشر في لحمي، صاعدًا إلى صدري، إلى حلقي.
ضغطت على الجرح، محاولًا إيقاف النزيف، لكن الدم كان أدفأ من أن يُحتمل، يتدفق من بين أصابعي، يغمر ملابسي، يلتصق بجلدي.
ثم… سعلتُ.
الألم انفجر في داخلي.
شيء ما ارتفع من أحشائي إلى فمي، دفعه السُّعال خارجًا... دم.
دم ثقيل، غزير، بطعم المعدن الصدئ، بطعم الموت.
تساقط من زاوية فمي، وبلّل ذقني.
اتسعت عيناي. أحسست بنفسي أترنّح.
"لقد… طُعنت؟" همست لنفسي، أو ربما فكرت بذلك فقط، لا أدري.
ارتطمت بالحائط، لا أدري في أي مرحلة لم أعد ممسكا بشعر ذي النظارات الشمسية، لكنه لم يكن في قبضتي. ظهري التصق بالحائط كأنني أستعير توازنه، أنهب ما تبقى لي من وقت... كان جسدي يبرد، شيئًا فشيئًا...
وكل ما كنت أراه، هو ذلك الخنجر، ثابت في داخلي.
"تبا، رئيس، سوف يموت!"
"فليكن."
"..."
"الأهم من ذلك أيها الأحمقان، لقد هرِبت الفتاة أمسكوا بها وأحضروها إلى هنا حيَّة!"
هرول الاثنان في ذُعرٍ للإمساك بالفتاة.
'أتمنى أن أكون قد نجحتُ في كسب وقت كافي لها! هاها لم أكن راضيًا بعيش ثلاث أشهر أخيرة، فسُلبت مني بدورها فجأة. هذا ما يسمى بالقدر على ما أعتقد... ثلاث أشهر تحولت إلى بضع دقائق في لحظة. كم أنا مثير للشفقة.'
انهمرت الدموع من جفوني، سال أنفي بالمخاط، واختلط بالدماء في منظر شخصٍ مثير للشفقة يحتضر... لا بأس، لا بأس بذلك، سوف أتجاوز هذا، سوف أعيش، سوف أعيش، لن أموت في مكان كهذا... أو هذا ما حاولتُ تصديقه.
'ما كانت حياتي تعني حتى؟!'
"هذا ما يسمى بسوء الخاتمة على ما أعتقد!"
"على الأقل نجحت في مساعدتها على الهرب، لن أندم على ذلك، لا أحد يستحق أن يقرر شخص غيره مستقبله."
"ماذا تقصد؟"
"هاه!... أعني.." وجهتُ بصري نحوه إذ به يؤشر بإبهامه للخلف نحو أتباعه وهم يَجُرُّون الفتاة إلى موقعي. هاه؟ لم تنجح في الهرب في النهاية...
"ما الذي جعلك تظن أنها تستطيع الهرب؟ السبب الوحيد الذي منعنا من الإمساك بها بسرعة هو أنها هربت في غفلةٍ منا ثم ارتطَمَت بك هاها."
'حقا... لا شيئ مهمٌ بعد الآن... متى سأموت؟'
"لقد أحضرناها يا رئيس!"
"جيد جدا."... وجه نظره نحوي ثم أتبع قائلا "كلامك عن تقرير مصيرك بنفسك وما إلى ذلك من ترَّاهات كان جميلا بشكل سخيف، لكنك نسيت شرطًا مهما؛ لن تحصل على حق كهذا في عالم يحكمه قانون الغاب وأنت الحلقة الأضعف فيه! تذكر كلامي في قبرك."
همست الفتاة بنبرة ساخرة أقرب للجنون من اليأس "لا فائدة... كُتبَت لي التعاسة إذا!؟ في هذه الحالة..."
لم أعد أشعر بقدمي.
أظن أن النزيف سَحب مني أكثر مما توقعت...
كان كل شيء من حولي يتلوّن بالأحمر، ثم يبهت شيئًا فشيئًا، وكأن الحياة تفقد ألوانها أمامي، تمامًا كما أفقدها داخلي. أنا أنزف بقوة، يبدو أن الطعن كان أعمق مما اعتقدت.
رفعت رأسي بصعوبة.
كانت واقفة هناك... هي.
كأنها طيف، أو وهم من بقايا حلم... لكنها كانت حقيقية.
عيناها كانتا ثابتتين عليّ، ممتلئتين بشيء لا أستطيع وصفه... ألم؟ غضب؟ أو ربما استسلام؟
صرَخَت، أو لعلي تخيلت صوتها، فقد صار كل شيء مكتومًا في أذناي.
رأيتها ترفع شيئًا لامعًا... خنجر؟ نعم، خنجر. أعرف بريقه جيدًا... أعرف طعمه.
لابد أنها خطفته من جيب ذلك الوغد الملتحي في غفلةٍ منه مجددا.
رفَعَت يدها إلى عنقها، ثم نظرت إليّ نظرة أخيرة…
نظرة كسرت شيئًا في صدري لم يكن قد انكسر بعد.
"لا…" أردت أن أصرخ، أن أتحرك، أن أمد يدي... لكن جسدي خانني.
ثم... غرَستْ النصل في حلقها. دفَعَت به بقسوة، بلا تردد.
فتح جرحُها نفسه كما يُفتح باب جحيم، والدم قفز منه بقوة، دفعات دافئة، تتراقص في الهواء، ترسم خطوطًا على صدرها، على الأرض، عليّ.
أرادت أن تقول شيئًا، رأيت شفتيها تتحركان... لكن الصوت لم يخرج، فقط فوضى من الدم والرعشة.
ركعَت أمامي.
سقطَت ببطء...
كزهرةٍ حمراء قطعتها الريح.
كنا نحتضرُ معًا.
لَمَسَتْ أصابعها أطراف أصابعي، ثم انزَلَقَت. فأعدت الإمساك بها.
كل شيء صار أبكمًا بعدها. سُكون… حتى قلبي، لم أعد أسمع نبضه.
"يا إلهي... إنها ميتة لامحالة."
....
"حسنا، سأقوم الآن بترتيل سحر استدعاء البطل!"
....
"قائد، ما العمل؟ على هذا الوضع سنموت!"
....
"نعم، تفضلي فاي."
....
"اتصل بالاسعاف أو ما شابه فورًا تحرك!"
"لا فائدة!"
....
"باسم الخيط الأقدم، والنور الذي نُسي، نستدعيك من بين الرماد والعدم. انهض، يا من حُفر اسمه في لُبّ النبوءة. ذلك الشرُّ المشؤوم سيعود... والعالم المُتأهِّب يُناديك."
....
"سنموت، سيقتلنا الزعيم لامحالة!"
'ما الذي؟ حلم ماقبل الموت؟ ماهذه الأصوات المتداخلة؟ هيهي على الأقل، سنموت ميتة جماعية في هذه الليلة البائسة... سأرضى بذلك وأحاول الرُّقود بسلام.'
....
"استدعاء!"
....
كان ذلك آخر تفاعلٍ لي قبل أن تُغمض عيناي بالكامل!
**********
في سفحٍ ثلجيٍ قارسٍ في شمال غابة بيضاء مغطاة بالثلوج، وتحت سماء شتوية باهتة تغمرها غيوم رمادية وشمس خجولة بالكاد تخترق طبقات الثلج المتساقطة. كان يقف رجلٌ ثلاثيني فارع الطول، ذو شعرٍ أشقرٍ طويلٍ مربوط إلى الخلف بعناية، وتزيِّن ذقنه لحية قصيرة بلون ذهبي ناري توحي بالحزم والهيبة. عيناه الزرقاوتان الباردتان تنبضان بتركيز وصمت، كأنهما مرآتان تعكسان بياض العالم من حوله. كان يرتدي رداءً أسود سميكًا يعانقه حزامان جلديان متقاطعان يثبتان درعه الجلدي فوق صدره، تعلوه فراء داكنة كثيفة تُحيط بعنقه وكتفيه، لتحميه من الرياح الثلجية القاسية. سيفه الطويل يتدلّى عند خاصرته، مقبضه الذهبي المزخرف يلمع تحت أشعة الشمس المنكسرة على الثلج، كأنه قطعة من إرثٍ ملكي.
إلى جانبه، وقفت فتاة شابة، ذات شعر أشقر قصير يصل بالكاد إلى كتفيها، وعينين خضراوتين لامعتين كزمردتين وسط بياض الجليد. رغم نعومة ملامحها، إلا أن عيناها تحملان صلابة المُتمرّسين. كانت ترتدي قميصًا جلديًا بنيًا تحته ثوب بلون البيج الفاتح، تحيطه طبقات من الأحزمة الجلدية التي تحمل سهامها وحقيبة جلدية صغيرة. وعلى كتفيها كاب بني مزخرف بطبقة من الفرو الأبيض، ينسدل وراء ظهرها حيث يرتكز قوسها الخشبي المصقول، وسهم نُزعت رأسه لاستخدامه مجددًا.
كانا في خضم مطاردةٍ صامتةٍ لدببة الثلج، وهي مخلوقات ضخمة مكسوة بفراء أبيض شاحب، مهيبة المظهر، من أشرس الكائنات في هذه الأنحاء. أعينها ضيقة كأنها تشعر بكل حركة، وأنيابها تلمع تحت الجليد. الاصطياد لم يكن مجرد قتال، بل رقصة موت... الفتاة تطلق السهام من بين الأشجار، تترصد من أماكن مرتفعة، بينما الرجل يتقدم لمواجهة الدببة مباشرة حين تُستدرج عبر الجراح، ينقض بسيفه ليجهز عليها بضربة قاطعة في الرقبة أو الصدر.
فيما كانا يتتبعان آثار أحد الدببة الجرحى، توقف الرجل فجأة. كان هناك شيءٌ على الأرض… لم يكن جزءًا من الطبيعة. اقترب بخطى حذرة، ثم تجمد في مكانه.
"ماذا هناك يا أبتي؟"
لم ينطق الرجل بأي كلمة. تحت شجرة عارية الأغصان، كان هناك جسد مغطى جزئيًّا بالثلوج.
انتبهت الفتاة ثم انحنت سريعًا وبدأت تكشف الثلج عن جثته بحذر. كان شابًا، شكله وبنيته يدلان أنه قد يكون في العشرين، ذو شعر أسود طويل فوضوي ووجه شاحب كأنه لم يرَ الشمس منذ زمن. كانت ملابسه ممزقة وقديمة وملطخة بالدماء من جانب ضلعه الأيسر، تكاد لا تقيه شيئًا من البرد، آثار التجمد واضحة على أطرافه، وشفتيه مزرقتان.
قالت الفتاة بصوت خافت وهي تضع أصبعين على عنقه "جيد، إنه حي... بالكاد يتنفس."
نظر الرجل نحو السماء، ثم إلى الأفق الثلجي.
"ليس هنا." قال بنبرة حازمة "علينا العودة إلى الكوخ قبل أن نلفت انتباه باقي القطيع."
رفعت الفتاة رأسها، وتركيزها ما يزال على الغريب.
"ومن يكون هذا؟"
"ربما نكتشف لاحقًا." أجاب بينما بدأ بحمله على كتفه. "لكن إن لم نُسرع، لن يبقى حيًا لنعرف."
خلفهم، في عمق الغابة، صدر زئير مكتوم... الدبُّ الجريح لم يكن بعيدًا.
أعاد الرجل سيفه إلى غمده، والتفت إلى الفتاة. "اركضي أولاً، وسأكون خلفك."
بلا كلمة، انطلقت، والثلج يتطاير حول قدميها، كأن الريح ترافقها في سباق الزمن.
"سأقوم بتجهيز أولويات اسعافه في الكوخ، يبدو وكأن نزيفه قد توقف بطريقةٍ ما، لكن حُرِّيَ بك ألا تتأخر وإلا سيموت!"
"حسنا، حسنا... يُسعدني أنني ربيتك لتكوني فتاةً صالحة." همس الرجل لنفسه
تعالت زمجرات الدب الجريح وهو يركض في اتجاه الرجل للانقضاض عليه. "غرررر!!"
"آسف، لكن الشاب على ظهري هنا في حالة حرجة، ولا أريد أن توبخني ابنتي إن حدث مكروه وفشلنا في إنقاذه... فهي طيِّبة القلب بعد كل شيئ." قال بحزم
بهذه الكلمات، سحب الرجل السيف من غمده مجددا ببطئ، انحنى بجدعه قليلا للأمام في وضعية اندفاعية.
"سيف الشمال..." همس الرجل لنفسه
شهق ثم زفر بعض الهواء المتجمد ببطئٍ وتركيزٍ، ركَّز قوته في قدميه... عكس مقبض سيفه في اتجاه الساعة الثالثة، ثم انطلق مندفعا نحو الدب المهاجم بدوره.
"هااااه!!"
بذلك، قطع الرجل رأس الدب فاصلا إياه عن عنقه. تطايرت الدماء كما لو أن نافورة تسربت مياهها من عنق الدب الجريح. سحب بعد ذلك منديلا أبيض ملطخا بدماءٍ متراكمةٍ عليه، مسح نصل سيفه من دماء الدب المتبخِّرة حتى اشتد لمعاناً ثم أعاده إلى غمده. رفع بعد ذلك يده إلى ضوء الشمس المنكشف من تباعد الغيوم، والتفَّ للشاب النائم على ظهره.
"تفاءل! سيكون اليوم مشمسًا." قال بثبات وحزم
يُتبع...