كانت عودتنا من السوق تحت وطأة البرودة، وكان الطريق بين الجبال ضيّقًا ومغطّى بطبقات من الثلج المبلّل الزَّلق الذي يزيد من خطورة السفوح الجبلية، حتى بدا كهفٌ قريب كمدفأةٍ صغيرة في عالمٍ من الجليد حين لمحنا دخانًا خفيفًا ينهض من فتحة بين الصخور.

"إعذر تطفُّلنا!" قال رايندار

دخَلنا ثلاثتنا من فتحة ضيِّقة صوب جوٍّ دافئٍ؛ رائحة الحديد الحار والزيت وقطرات الماء المتبخّرة على الحجارة استقبلتنا، وضوء المصابيح والشموع قَطَع الظلام كأجنحةٍ صغيرة من دفء.

كان يُقيم داخل الكهف قزمٌ لا يختلف كثيرًا في ملامحه الأساسية عن البشر، لكنه أقصر قامة، جسمه قصيرٌ وعريض، أذرعه قوية مليئة بالعروق وتفاصيل الجسد المُدرَّب. أصلعٌ وجهه محاطٌ بلحية كثيفة مضفّرة بعناية حتى بدت كأنها حبلان من النحاس يلتفان، وعيناه البنيتان حادّتان كشرارةٍ تلمع بين التجاعيد؛ يديْه موشومتان بعلامات العمل وخلايا جلدٍ متصلّبة من كثرة القبض على المطارق. يرتدي سترَة جلدية مقوّاة فوق قميصٍ متين، وسروالًا عمليًا مدعومًا بأربطة، وحذاءً ثقيلًا مظللًا بطبقة من المعدن فوق الأصابع لحمايتها. حزامه يعجّ بالأدوات؛ مطرقة صغيرة، مبردات، وخيوط معدنية ملفوفة بعناية، كلها أدوات حرفيٍّ لا يغيب من مقرِّ عمله.

'إذًا الأقزام موجودة حقًّا!'

داخل الكهف كان هناك نظام ترتيب واضح؛ رفوف حجرية ممتلئة بالسيوف والفؤوس والرماح مرتبة بحسب الوزن والطراز، خناجر صغيرة معلّقة في صفوف متقنة، ومُخططات ورسومات مُدبّبة مثبتة على الحائط. المصابيح المعلقة تصدر وهجًا أصفر مائلاً للعنبر، والشموع تُسيل قطرات شمعٍ على أرضٍ من الحجر، فتبدو كخريطةٍ صغيرة من نقاط الضوء. بعض الأسلحة بُرِزت بعلامته؛ نقش صغير على السيف أو مقابض الفؤوس، علامة تشير إلى أن هذا العمل صُنع أو خُتِم بيده.

"هل أستطيع خدمتكم بطريقةٍ ما؟" قال القزم

لم يواجه أعيننا عند حديثه من شدة التركيز على عمله الدؤوب الذي يشتغل عليه، تسمع في صوته خشونة من سنين الضرب والاجتهاد، لكن كلماته تُدلى بعناية كما لو كان يُقيِّم كل حرفٍ مثل قطعة معدن.

"لا شيئ بالضبط... أردنا الإحتماء من البرد قليلًا ليس إلَّا فقد بدا هذا الكهف دافئاً." قال رايندار

"هكذا إذاً... يمكنكم الإقتراب من النيران لتدفئة أجسادكم وأنتم تلقون نظرة على أعمالي" ردَّ القزم

'يبدو أنه شخصٌ طيِّب فَلم يمانع دخولنا لورشته بهذه الطريقة للتدفئة فقط.'

"هل تقصد أنك أنت من صنعت كل هذه الأسلحة أيها العجوز" قال رايندار بحماس

"ومن في رأيك قد فعل ذلك غيري؟" سأل القزم

"أوه مدهش... هل يمكنني إلقاء نظرة عن قُرب!؟" سأل رايندار

"مادُمت ستشتري شيئاً.." أجاب القزم

اقتربنا أنا وليارا من منضدةٍ خرسانية صغيرة حيث استلقى النصل الواعد الذي يعمل القزم على صنعه على وسادةٍ من الرماد. المراحل النهائية كانت طقسًا دقيقًا؛ أمسك بالمطرقة، طرق النصل بضرباتٍ قصيرة ومركّزة على السندان، كل ضربة تصحح انحناءةً ضئيلة أو تزيل شوائبَ ما تزال في المعدن. بعد أن انتهى من التسوية، حمل السيف وأغمسه في وعاءٍ قائمٍ بالماء الفاتر ليبرد تدريجيًا، ليس بالقفزة المتهورة في الماء البارد التي تُكسر المعدن، بل تبريدٌ يحافظ على توازن الصلابة والمرونة.

"راقبا بتمعنٍّ كلاكما، فهكذا تُشحد سيوفنا!" قال رايندار

بينما كان رايندار يتجوَّل حول السُّيوف مستمتعاً بتفاصيلهم الدقيقة، راقبنا أنا وليارا القزم يعمل بتركيز شديد. ثم أتت المرحلة التَّالية، حيث مرّر حافة النصل على حجرٍ شحذ مبلّل، سحب السكين بزاوية ثابتة مَرّة تلو الأخرى حتى بدأتِ الحافة تلمع كخطّ ضوئي بسيط. لَمّع النصل بعد ذلك بزيتٍ خاصّ ذا رائحةٍ خفيفة من العشب الجبلي ليحفظه من الصدأ ويكشف له لون المعدن الحقيقي. أخيراً، ثبَّتَ المقابضَ بخيوط جلدية ملفوفة بإحكام، وختم المقبض بعنصرٍ معدني صغير نقش عليه علامته. شقّ واحد بسيط لكنه يُضفي صِفة الحيازة على السلاح. قبل أن يضع السيف في رفّه، ضربه بحافةٍ من الخشب على الموزع الخشبي، كاختبارٍ أخير للصدى والوزن، وابتسامةٌ صغيرة رُسمت على وجهه كمن يؤكد أن القطعة انتهت كما أرادها بعد ساعات العمل الدؤوب، جاهزة لتأدية المهمة، صامدة كقيمةٍ صنعها من يديه.

"أوووووه"

صفقت ليارا للقزم محترمةً العمل الذي قام به، وقد قلَّدتُها كي أظهر له حماستي كنوع من الإحترام، رغم أن وجهي نفسه لم تتغير ملامحه كما ليارا التي كانت أعينها الخضراء تشُّع من الإنبهار.

"إذاً مارأيك إليان؟" قال رايندار

"بخصوص ماذا؟" قلت متسائلًا

"سيفك... سيفك" أجاب

"سيفي؟..." تساءلت

"هل نسيت أنك تتدرب على السيافة؟ ستحتاج سيفاً حقيقياً. أ لا تظنُّ ذلك؟" قال رايندار

'كنتُ لأقول ذلك لو أنني سأعيش لوقتٍ طويل، لكن حياتي لن تدوم طويلًا... في هذه الحالة السيف، بل حتى تدريبات السيف نفسها... ما الغاية منهما؟'

"حسنا، لا أدري...." قلت

"يبدو أنك أُعجبت بهذا السيف الذي شحذه العجوز قبل قليل. هل تريده إذاً؟" قال

'بصراحة... لا أريد مصارحتهم بموضوع موتي القريب، لكن تهرُّبي الدائم من هذه التفاصيل يجعلني سهل القراءة على ما أعتقد...'

'حسناً لقد جنينا الكثير من المال إثر تجارتنا، أظن أن لا بأس من ذلك... ليس وكأنه سيضيع بعد موتي أو ما شابه.'

"حسنا مادمتَ مصرّاً، أظن أنني سآخذه.." قلت متردداً

"حسناً إذاً" قال القزم

وقف القزم أمام منضدته كمن يؤدي طقسًا معتاداً. أمسك النصل بقبضة متمرسة، طرق على السندان بضربات قصيرة مرتّبة، كل ضربة تصحّح انحناءة أو تلملم أثر خبث المعدن. جربه على حبلٍ سميك فاقتلع الحبال دون تمزق، ثم ضرب حافة الخشب بخفة ليتفحّص الصدى والصلابة، لم يَصدُر عن السيف إلا صفيرٌ نظيف كأنّه قطب يُهذب الهواء. غمّسه في الماء الفاتر، راقب دفء البخار يتصاعد، ثم مرّر الحافة على حجر الشحذ مرة وراء أخرى حتى بدت لامعة وحادة كقاطع الضوء.

عند نهاية العمل، حمل قطعة معدنية صغيرة؛ حامية بسيطة مصقولة من الفولاذ، قُرص ضيّق يلتف عند اتصال النصل بالمقبض. وضعها بدقّة بين النصل والمقبض، ثَبّتها بمسمارٍ صغير ومخفي، ودفعها حتى أخذت مكانها كدرعٍ رفيع يمنع اليد من الانزلاق إلى المعدن ويقوّي توازن السلاح. لفّ المقبض بخيوط جلدية محكمة، ختم المقبض بعلامته المنقوشة، ومسح النصل بزيتٍ عطري قبل أن يرفعه أمامي ويقول بصوتٍ غليظ حكيم...

"ها هو جاهز... إحمله بحذر."

مددت يدي نحو السيف كما لو أنني أمدُّها نحو وعدٍ جديد. النصل طوله يقارب ذراعين؛ نحيل في منتصفه، يزداد سماكة عند العمود بالقرب من الحافة، سطحه معدني لامع يحمل بريقًا باردًا كقشرة الجليد تحت ضوء الفجر. على طول النصل شَقٌّ رقيق، أخدودٌ طويل ممتدّ كخطٍ في وسطه يعطيه خفةً في التأرجح ويُظهر مهارةَ تنقِيته. الحافة نفسها رقيقة وحادة بتدرّجٍ متقن، لا تبدو كأنها صُنعت للافتتان بل للقطع العملي، ولها لمعانٌ نظيف يوحّد بين الصلابة والمرونة.

المقبض مغطّى بخيوط جلدية داكنة ملفوفة بإحكام، تشدّ اليد وتمنح إحساسًا بالأمان؛ عند نقطة التقاء النصل بالمقبض ترتكز حامية فولاذية صغيرة، قُرص رفيع محدّد الحواف، صُمم ليحميني من الانزلاق وليربط النصل بهدوءٍ مع المقبض. ثُبّت المشبك الأخير كقطعة معدنية مستديرة بزخرفة بسيطة نقشها الحرفي، وكأنها ختمٌ صغير لإلزام السيف بصانعه. عندما رفعت السلاح شعرته يوزع وزنه بدقة بين راحة يدي، لم يكن ثقيلاً لدرجة الإحباط ولا خفيفًا كأداة بلا روح؛ كان متزنًا، جاهزًا للعمل، وكأنه يدٌ أخرى قد دربتها لتكون رفيقي الأول في خطواتي القادمة.

قمت بأرجحة السيف قليلًا لتجربته. إنها تجربة مختلفة عن أي سيفٍ خشبي حملته سابقاً في تداريبي. بدا السيف جيد القبضة والنصل، وقد راقني نوعاً ما لذلك قررت إقتناءه.

وضعت حدَّ السيف على إصبع السبابة خاصتي، مجرد لمسة بسيطة تركت جرحًا يفيض دمًا على إصبعي. لقد كان السيف مصقولًا لهذه الدرجة.

مسكتُ غمداً أسود للسيف من بين مجموعة معلَّقة على حائط على بُعدٍ بسيطٍ من السيوف المعروضة، ومعه إلتقطت بضعة خناجر وَزِّعتها على جيوب حزامي الصغيرة كنوعٍ من التَّجهز لمهمات الصيد القادمة.

دفعت ثمن السيف المقدر بثلاث عملاتٍ نحاسيَّة، وبذلك أصبحتُ سيّافًا رسميًا بوضعه بإحكامٍ قرب خصري الأيسر لأكون مستعدًا في مواجهة أي خطر.

"يا فتى، ما اسمك؟" سأل القزم

"إليان... هذا اسمي!" قلت

"اسمع إليان... ما سبب صنعي للأسلحة برأيك؟"

"نُصرة الضعيف ربما..." قلت بتردد

جوابٌ رخيص، لكنه غالبًا الجواب الأنسب لسؤال قزمٍ حكيم...

"لا... إنه المال!"

'المال!؟ حسنًا هذا متوقع لكنني كنت أنتظر من قزم عجوز شيئًا أكثر نبلًا وحكمة.'

"لماذا المال؟..." سألت بتردد

"ماهذا السؤال؟ المال هو محور العالم بالتأكيد!" قال بحزم

"حسنًا إذاً..." أجبت

"هذه الأسلحة الحادَّة تُشعِل الفِتن، تسفك الدماء، وتُزهق الأرواح، ومع ذلك هي الأكثر دخلًا لأيِّ حِرفيّ في عالمِنا هذا... جرَّبتُ حدادة الأثات، الأبواب، وحتى الأواني المنزلية، لكنني لم أجني رُبع الدَّخل الذي تُربحني إيَّاه الأسلحة. رغم أن الأخيرة تُثير العنف والآلام... لماذا يا تُرى؟" تساءلَ

"حسنًا أظنُّ ذلك يعود لتجهيزات الدول للحروب، والصيادين الذين يجنون قوت يومهم بها، كما هو الحال مع المغامرين، إنها تقِي من الخطر دفاعًا عن النفس كذلك." أجبتُ

"وِجهةُ نظرٍ جيِّدة، ومع ذلك..."

"هذا ما حاولتُ الإقتناع به طيلة هذه السنين التي كنتُ أصقل فيها مئات بل آلاف السيوف لأحُثَّ نفسي على العمل، وأنا على علمٍ بأن هناك من بُترت أطرافه بها، ومن قُتلت عائلته بها، ومن ضلَّ سبيله بها، بل وحتى من إنتحر بها..." قال

"هل تشعر بالذنب؟" سألتُ

"لا... فَكلُّ شيئ له معنى..." قال

"حسناً..." أجبتُ بحذر ثم عَمَّ صمتٌ مقلق

"الذنب..." كرّر الكلمة ببطء، ثم ابتسم ابتسامةً لم تكن فرحًا ولا سخرية. "الذنب شعورُ من يظنّ أن الآخرَ كان سينجو لو تصرّف هو بشكلٍ مختلف."

"..."

"إليان… البشر، أنصاف البشر، الأقزام، الإلف… جميعنا نحب أن نكذب على أنفسنا مهما اختلَفت خلفيَّاتنا. نُسمّي أفعالنا بأسماء جميلة كي ننام هانئين ليلًا. القاتل يقول: كنتُ أُنفّذ الأوامر. الملك يقول: كنتُ أحمي المملكة. والحدّاد يقول: أنا فقط أصنع الأدوات..."

"كَي نُحافظَ على ما تبقَّى من وعيٍ أخلاقيٍّ في ذاتِنا، فهو مصدرُ كرامتنا..." قال

"لكنها ليست مجرد أدوات…" قلتُ بحَسرة

رفع رأسه نحوي، وعيناه تلمعان كفحمٍ أُعيد إيقادُه. "بالضبط. ولهذا هي تدرّ المال." ثم أضاف بنبرة أعمق "العالم لا يدفع بسخاء إلا لما يُغذّي خوفه."

لم أفهم تمامًا، فبقيتُ صامتًا.

"الأبواب تُغلق الخطر، لكن السلاح يُقنع الناس أن الخطر دائم. الأثاث يمنح الراحة، أما السيف فيبيع الوهم… وهم السيطرة." تنهّد.

"كلُّ من يشتري سلاحًا يشتري قصةً صغيرة يقولها لنفسه: لن أكون الضحية ولا الجلَّاد هنا." قال

"وأنت؟" سألتُ. "ما القصة التي تقولها لنفسك؟"

ضحِك ضحكةً قصيرة، متعبة.

"أقول إنني لستُ من يقرر كيف تُستخدم النصل… لكنني أعرف أنني أكذب."

اقترب من سيفٍ مُعلّق على الجدار، لم يلمسه، فقط نظر إليه.

"مع ذلك، أستمر. ليس لأنني شرير… بل لأنني صادق بما يكفي لأعترف أن العالم لن يتوقف عن القتل إن توقفتُ أنا عن الحدادة. لكنه سيتوقف عن إطعامي."

"إذًا المعنى الذي تحدثتَ عنه…؟" سألتُ.

التفت إليّ، وصوته هذه المرة كان أخفّ، أخطر. "المعنى ليس في النصل، ولا في الدم… المعنى في الاختيار الذي يليهما." ثم أضاف "السيف لا يُدينني، لكنني أُدين نفسي كل يوم حين أُقرّر كيف أعيش... مع أنني أُحب أعمالي الفنيَّة هذه" ختم كلامه بابتسامةٍ راضية

ساد صمتٌ ثقيل، لم يكسره سوى طقطقة النار.

"إليان…" قال أخيرًا "إن أردتَ يومًا أن تكون نقيًا، لا تصنع شيئًا يبقى أثرُهُ خلفَك. وإن أردتَ أن تعيش في هذا العالم بهناء فتعلَّم كيف تتحمّل ثمن ما تصنعه يداك"

"كما قُلت... كل شيئٍ لهُ معنى!" أنهى كلامهُ قائلًا

"..."

"يجب عليك إضافة قطعة نحاسية ثمنَ الخناجر التي أخذتها" قال

"آاااا نعم نعم آسف!" أجبتُ

**********

إقتنينا كل ما نحتاج، إشتريتُ سيفًا وخنجرين. ليارا اقتنت رؤوس سهامٍ وخنجرًا، أما رايندار فقد إقتنى بعض الكوناي لأنه أُعجب بها ورأى أنها قد تعود عليه بالنفع يومًا.

ونحن نغادر إلتفتَ رايندار للرَّجل القزم.

"بالمناسبة أيُّها العجوز، ما اسمُك؟!" قال

صحيح... لم أسألهُ عن اسمِه.

"بارن" قال

"بارن سأعود يومًا!" قال رايندار مودِّعًا

أثناء هذه الوداعية البسيطة إلتزمنا أنا وليارا الصمت، أشرتُ بيدي لبارن مودِّعًا إيَّاه، أومأ برأسه، وبذلك أتممنا طريقنا للكوخ.

بعد العودة للمنزل، عادت حياتُنا اليومية للمُضيِّ كالمعتاد، لا شيئ مهم بالتحديد، مجرَّد أيَّام تمضي دون شيئ مميز ومعها بريق حياتي يمضي أيضًا. قلبي يعتصر كالمعتاد بين الحين والآخر، أحيانًا أستطيع الصبر على آلامه، وأحيانا أحتاج الجلوس وإعادة ترتيب أنفاسي حتى تجاوز هذه النوبات القلبية. الأمر أشبه بسكاكين تُطعن في قلبي مخترقةً إيَّاه، لكنني إعتدت على هذا الشعور ولن أُزعج به أحد...

وبذلك مضت ثلاثة أيام وموعد الصَّيد قد حان!

لم تكن هذه المرة بدافع نفاذ المخزون بل كهوايةٍ لدى رايندار وليارا بالصيد واستكشاف الجبال المُثلِجة، وقد قررت بموافقة رايندار مرافقتهما في صيدهما هذا. ارتدا كلٌّ منا لباسه المُعتاد وتجهيزاته المعتادة؛ حمَلَت ليارا قوسها وسهامها على كتفها وخنجرًا على حزامها، أما أنا فاتبعت خطوات رايندار وحملنا سيفينا ومعه خنجريّ والكوناي التي إقتناها مؤخرًا.

"هيا بنا!"

مع وجود رايندار أمامنا، تقدمنا خارج الكوخ في مهمة صيدي الأولى!

'أسلوب الشمال يُعرف بالثبات القاتل لأنه فن يعتمد على وزن الجسم، نقل القوة من الأرض، واستغلال مقاومة العدو لاندفاعه، هذا مناسب في حالة التعرُّض لهجوم من دببة أو ذئاب مندفعة.'

بعد كيلومترٍ كامل من المشي تقريبًا داخل هذه الغابة المثلجة، سحب رايندار سيفه من غمده وهو على أُهبة الاستعداد.

"ليارا تمركزي، إليان إبقى خلفي... شيئٌ ما قادم!" أعلن

قفزت ليارا من صخرة للأخرى متسلِّقةً قِمة هضَبةٍ من الصخور على نفس إرتفاع الأشجار تقريبًا.

"قطيعُ دِببة مندفعون بإتجاهنا!" أعلَنَت

"كم عددهم؟" سأل رايندار

"قُرابة العشرين منهم!" صرخَتْ معلنةً

عشرون؟!

"العدد كبيرٌ نوعًا ما ألا ترَين ذلك! عادةً هم لا يتحركون في قطيع كبير كهذا!" قال رايندار

"يبدو أنها حالة شادَّة! إنهم مُسرعون باتجاهنا، سُرعتهم كبيرة غير المألوف!" صرخَتْ قائلة

"..."

"هل نَنسحِب يا أبتي!؟" سألت ليارا

"الوضع يستوجب ذلك، سنغادر-"

"سنبقى!" قاطعتُ رايندار قائلًا

"إليان؟" قال رايندار بدهشة

نظرات ليارا من فوقي ورايندار من قربي تخترقني، قراري يبدو في غاية التهور لذلك هم يرمقونني بدهشة.

'أفهم أن سبب تفاجئهم هو أنهم يريدون الانسحاب من أجلي، وها أنا ذا أُخبرهم بالبقاء. لكنني متأكد أنهم يستطيعون تدارُك الأمر والتعامل مع هذا الوضع الشاذ. وهذا سبب كافي يدفعني للبقاء مطمئنًّا وألَّا أُفسد يوم صيدي الأول!'

"إليان هل أنت واثق؟ أنت تعلم أنك بالكاد تعلَّمت السِّيافة وتحتاج التدرب تحت ظروف عادية." قال رايندار

"وإن يكُن، وضع كهذا سيُقابلني يومًا لا محالة، وذلك اليوم قاد جاء باكرًا، هذا كل ما في الأمر، ويجدر بي تدبُّر أمري." قلتُ بحزم

"مارأيك ليارا؟!" سأل رايندار

"لا بأس لدي في كلتا الحالتين، سأدعمكم بسهامي من فوق!" قالت بحزم

"حسنًا إذاً... إليان تولَّى أمر المقدِّمة، اقطع الدببة المندفعة باتجاهنا ما استطعتَ وأنا سأحميك من مخالبهم! ليارا حاولي إسقاط ما استطعتِ بسهامك وتفادَي المواقف التي تحتمِل إصابتنا، خصوصًا إليان فهو ليس رشيقًا بما يكفي بعد لذلك!" وجَّهَنا قائلًا

سحبتُ سيفي من غمده ووجَّهت جُلَّ تركيزي نحو القطيع القادم نحونا باندفاع.

مع تقدم الدببة، تستطيع سماع صوت الأرض وهي تدكُّ بخطواتهم، والأشجار تهتز والطيور تُغادر المنطقة كما لو أن النهاية قادمة. لقد كان قطيعًا كبيرًا من الدببة الراكضة نحونا باندفاع، زمجرتها باتت تُسمع من مكاننا هذا... تجربة لم أخضها من قبل في حياتي، لكن يجب عليَّ التعامل معها اليوم في أقسى أوضاعها.

الريح الجبلية كانت تعصف بوجهينا كأنها تحاول محونا من الوجود. الثلوج تتساقط في خطوط مائلة، تتكسر على السيوف المشدودة في أيدينا وتذوب بحرارة أنفاسنا المتسارعة. كان الصمت الذي سبق العاصفة قد انتهى… عشرون دبًّا أبيضَ تقريبًا خرجوا من بين جذوع الصنوبر العملاقة، ضخمة كالجدران، أنفاسها بخارٌ ثقيل يصعد نحو السماء الرمادية. بدا وكأنها تهرب من شيءٍ أعمق في الغابة، من خطرٍ مجهول جعلها شادَّةً وأكثر شراسةً ممّا ينبغي. لم يكن أمامنا خيار...

كنتُ أظن أن دروسي مع رايندار أعدّتني لهذا اليوم، أن أواجه أي خطر بثبات الشماليين. لكن ما إن رأيت الدببة البيضاء تشقّ طريقها بين الأشجار حتى تلاشى كل ذلك الإيمان. كان هديرها أشبه بعاصفةٍ قادمة نحوي، عيونها المتّقدة تشعّ حقدًا بدائيًّا، وأقدامها الثقيلة تحفر الثلج كمن يبحث عن فريسة ضائعة.

تراجعتُ خطوة بلا وعي، ثم أخرى، رغم محاولتي رفع سيفي بثبات. ارتجفت قبضتي، واهتزّ النصل في الهواء كأنه يفضح خوفي. لمحني رايندار، ألتفتُ نحوه في اللحظة التي انقضّ فيها أحد الدببة، فأمسكني من ياقَةِ معطفي وسحبني بعنف إلى الخلف، ثم اندفع للأمام دون تردد، سيفه يرتطم بناب الوحش في وميضٍ من الجليد والشرر. ثم بحدِّ سيفه اللَّامع تحت وطأة الثلوج وجه ضربةً عموديةً قطَع بها فكَّه.

لم يقل لي شيئًا، لكن نظرة رايندار وحدها كانت كافية لتذكّرني بواقعي... لم يحن وقتُ البطولة بعد.

"ابقَ خلفي، إليان!" صرخ رايندار

اندفع إلى الأمام بثباتٍ، قدماه مغروستان في الثلج حتى منتصف الساقين، وزن جسده موزع كأنه صخرة. حين اندفع ثاني دبّ نحوه، امتصّ رايندار زخم الهجوم في لحظةٍ واحدة، وانحرف بخطٍ جانبيٍ قصير، ليُرسل بعدها سيفه في قوسٍ ناعمٍ مستغلًا اندفاع الوحش نفسه، رافعًا الدم والثلج معًا في خطٍّ واحدٍ قاتل.

لم أستطع أن أرمش. كان المشهد أمامي يفوق كل ما تصوّرته يومًا عن القتال. اندفعت الدببة نحونا كأنها موجة من نية القتل الكثيفة، لكن رايندار لم يتحرك خطوة إلى الوراء. رفع سيفه في صمتٍ ثقيل، ثم فجأةً انفجرت الأرض من تحته مع أول اندفاعة.

في لحظة، رأيت بريق النصل يخترق بياض الثلج كوميض برقٍ متتابع. شَقّ، دوران، قفزة، ضربة مائلة، طَعن جانبي! لم أستطع حتى تتبع التسلسل، فقط رأيت رؤوسًا ضخمة تتطاير في الهواء، تتدحرج فوق الجليد مُلطخةً بالدماء، واحدة تلو الأخرى... خمس، سبع، تسع... عشرة.

لم يكن قتالًا كما توقعت أن يكون، بل صيدًا كما يُطلق عليه بكل ماتحمله الكلمة من معنى، مذبحة صامتة تؤدِّيها يدٌ اعتادت على الدقة القاتلة.

راقبتُ وأرجلي ترتعد خوفًا من هول المشهد السابق للدببة المندفعة باتجاهي وأنا مندهش من ثبات رايندار وقوته. لقد كان ينوي جعلي أتعامل مع وضعٍ بسيط لكنني أصررتُ على الاستمرار وانتهى به الحال يتولى كل العمل، بينما أنا من اتفقنا سابقًا على تكلُّفي بالمقدمة واقف خلف ظهره الكبير بلا حولٍ أو قوة.

صوت السيف وهو يخترق العظم كان يطغى على زئير الريح، وملامحه باردة، خالية من التردد، وعيناه الزرقاوتان تلمعان بتركيزٍ قوي.

كنت أتنفس بصعوبة، وصدري يضيق مع كل ثانية، فكل ما رأيته في تلك اللحظة جعلني أَعِ كم أنا صغير أمام هذا الرجل... وكم هو مرعب أن ترى القوة الحقيقية تتجلى أمامك بلا رحمة.

كانت السماء تمطر ثلجًا ناعمًا، لكن ما اخترق صمت الغابة لم يكن الثلج، بل صفير السهام. من أعلى الهضبة، كانت ليارا واقفة وسط العاصفة، شعرها الأشقر الذهبي يتطاير حول وجهها الصارم وعينيها الخضراوتين الجادتين، والقوس الطويل مشدود بين يديها. كل حركة منها كانت محسوبة، كل إطلاقٍ يتبعه نَفَسٌ ثقيل.

انطلقت السهام بسرعةٍ خاطفة، واحدة في فخذ دبٍ ضخم، جعلته يهوى على جانبه وهو يزمجر في ألم، وأخرى غُرست في كتِف آخر حاول الالتفاف نحو رايندار. كانت سهامها لا تقتل دائمًا، لكنها تُبطئ، تُضعف، وتفتح الطريق.

رأيت دبًا هائلًا يقترب من الخلف، زئيره يمزق الهواء، لكن قبل أن أصرخ حتى، اخترق سهمٌ عينه مباشرةً، فسقط مغشيًّا قبل أن يبلغنا بخطوة. كل سهمٍ أطلقته ليارا كان كحُكمٍ يصدره قاضٍ بارد.

كنت أراها من بعيد بين الثلوج، سيقانها مغروسة في الجليد، تتنفس بعمقٍ بعد كل طلقة. كانت تحمي ظهرنا دون تردد، تُعيد التوازن للفوضى، كأنها عين السماء التي تراقب المعركة وتقرر من يبقى واقفًا ومن يسقط.

أنا بدوري حاولت تجميع شتات نفسي وتقليدهما، وقفت بثبات، قدماي بعرض الكتفين، السيف مائل نحو صدر خصمي كما تعلّمتُ، ثم استنشقتُ هواءًا أعيد به تركيزي وزفرتُه. لكنّ الدبّ القادم نحوي لم يكن خصمًا سهلًا؛ قفزتُ إلى الجانب واستخدمتُ حركة قاطع الثلج، ضربة مائلة من الأعلى للأسفل، اخترقَت كتفه السمين وصرخة الحيوان ارتجَّت في صدري قبل أن تبتلعها الرياح.

صوت ليارا جاء من أعلى الهضبة وهي تصرخ... "إليان! إلى يسارك!"

لمحتُ سهمها يخترق عاصفة الثلج، ليُغرَس في جبهة دبٍّ كان يَهمُّ بالانقضاض عليّ من الخلف. رائحة الدم امتزجت بالبرد، والثلج تحوّل عند أقدامنا إلى خليطٍ من الطين والحُمرة.

رايندار كان يقاتل كمن يؤدّي رقصةً مقدّسة؛ تحرّك في نصف دائرةٍ ضيقة، أطلق ضربة من زاوية الكتف، ضربة واحدة طاحنة شقّت عنق أحد الدببة من الأعلى حتى الصدر. لم يتوقّف لحظة، عاد إلى وضعية الدفاع، سيفه أمامه، ساكن كجدارٍ جليديّ، وعندما اصطدم به دبّ آخر، ارتدّت الضربة على الوحش ذاته في حركةٍ شبه آلية مستخدمًا ارتداد الجليد، حوّل الزخم إلى هجومٍ مضادٍ خاطفٍ اخترق جنب الدبّ وطرحه أرضًا.

كنت أراه يتحرّك بخفّة رجلٍ يعرف الثقل والفراغ. في لحظةٍ خاطفة، صعد فوق صخرةٍ بارزة ليحصل على ارتفاعٍ استراتيجي، الثلج يتساقط حوله كشرارات فضية، والدببة تترنّح حول قدميه.

"استخدِم 'قلب الثلج' الآن!" صرخ إليّ

خفضتُ جسدي، انتقلتُ إلى مركز ثقلٍ منخفض، ثم اندفعتُ بضربةٍ جانبية نحو ساق دبٍّ ضخم، السيف قطع عضلته في لحظةٍ واهتزّ جسده قبل أن يسقط على جانبه مزمجرًا.

الزئير الجماعي تردّد بين الجبال، والثلج تكسّر تحت وطأة الوحوش الساقطة. بعضُ الدببة بدأت تتراجع، تتلفّت خلفها بخوفٍ فطري، كأنها تذكّرت ما كانت تهرب منه في الأصل. لكن اثنين منها بقيا واقفين، أكبر من البقية، يتقدّمان نحونا بعنفٍ لا يوصف، وكأنهما يأمُراننا بالابتعاد عن طريقهما.

نزلت ليارا من الهضبة، خطواتها سريعة وثابتة، وقوسها محمول بيدها اليمنى. أما رايندار، فقد تراجع خطوة إلى الوراء، سيفه يلمع تحت الغيوم، صوته خافت لكنه واضح...

"جيِّد..." قال بهدوء

فتح وضعية غريبة جمعت بين الثبات والهجوم، الوزن متدلٍ من الأرض، الكتف مائل، الحافة مُشرعة للأمام. في اللحظة التي اندفع فيها الدبّان نحونا، أطلق ضربةً مزدوجة لا تشبه أيّ شيءٍ رأيته. السيف رسم قوسًا أزرقَ من السرعة، شقَّ الهواء والثلج في آنٍ واحد، حتى إن الريح انقسمت معه. الدبّان توقّفا لثانية، ثم سقطَا معًا كأن الحياة أُطفئت فيهما دفعةً واحدة.

حين انتهى القتال، كان كل شيء ساكنًا إلا أنفاسُنا. الثلج ينهمر بصمتٍ كثيف، ورائحة الحديد والدم تملأ الجو. التفت رايندار إليّ، ابتسامة خفيفة ترتسم تحت نورٍ باهتٍ من الشمس الخجولة خلف الغيام الكثيفة.

"لقد بدأتَ تتقنها يا فتى." قال

نظرتُ إلى السيف بين يدي... سيفي الأول، يقطر بخارًا من دم صيدي الأول الساخن وسط هذا العالم البارد، وشعرتُ أن الثقل الذي أحمله لم يعُد من معدنٍ فقط، بل من سلاح قادر على سلب الأرواح بتلويحة بسيطة.

"لا لا، لم أفعل شيئ... لولاكما لكنتُ مقتولا بحلول اللحظة." قلت

"لهذا نحن هنا... هذا هو مضمون العمل الجماعي!" قال

"..."

'لا أستطيع النظر في أعينهما... لقد جررتهما للقتال رغم أنهما ارادا الإنسحاب. ربما أنا أستخف بحياتي لأنني ميتٌ قريبًا لا محالة، لكن ماذا عنهما؟ مازالت أمامهما حياة مديدة لعيشها. ماذا كنت سأفعل لو أنهما ماتا بسبب قراري...'

"لا تقلق بشأن تجمُّد حركتك سابقًا. إنها تجربتك الأولى ومثل هذه الأشياء تحصل، فمن الجيد أننا تداركنا الوضع. لا تشغل بالك بذلك!" قال

"لكن..." قلت

"في أول صيدٍ لليارا، اندفعت نحو دبٍّ ضخم من شدة الخوف وهي تحمل قوسًا فقط... هاهاها لا تدري ماذا يفعل بك الخوف!" ضحك قائلًا

"هل كان من الضروري ذكر تلك القصَّة يا أبتي..." تذمَّرت ليارا

"حسناً لا بأس لا بأس لقد كانت نوعًا من تلطيف الأجواء ليس إلَّا..." قال مازحًا

"المهم، إليان لقد حضيتَ بأول صيدٍ لك رغم الظروف الشادَّة، عادةً حتى فريق مغامرين مكون من عدد كبير يعجزون عن تدارك هذه الأوضاع، لذلك فقد أبليت حسنًا. كما أنه لو كانت هذه مهمة من نقابة مغامرين لأشدتُ بتصرُّفك القيادي الذي سنحَ لنا بالحصول على هذا الصيد الوفير ولجنينا منه ثروة بسبب قرارك الجريئ... أنا أقصد كل كلمة قلتها." قال

"لا أحدَ يعلم بالضرورة نتيجة قراراته، أو ما ستنتهي عليه، لذلك لا تجعل التفكير في العواقِب يُقيِّدك!" قال بحزم

"لكننا فعلنا هذا لأن مستواكما عالٍ يا رفاق ليس إلَّا." قلتُ بخجل

"وما العيب في الإعتماد على رفاقك؟" أجاب

رفعت بصري المصوَّب على قدماي خائرات القوة نحو مصدر هذه الكلمات؛ رايندار، لأجده يقف قرب ليارا مبتسمان في وجهي المكتئب إبتسامة صافية خالية من العَتَب الذي كنت أتوقعه.

"..."

"الأهم من ذلك، هذه الدببة كانت مُصابة قبل الوصول إلينا..." انتبَه رايندار

'صحيح، بالعودة للوضع السابق، لم أكن أفهم ما يحدث… في البداية، كانت الدببة تفرُّ من شيئ ما، تترك خلفها الدم والثلج دون أن تلتفت... ما المخلوق الأخطر من الدببة الذي سيدفعها للهرب هكذا.'

'ثم جاءت الرياح...'

صوتها لم يكن مجرد عاصفة، بل زئير خطىٍ خفيٍّ يقترب من كل اتجاه. شعرت بالأرض تهتز تحت قدميّ، والثلوج ترتفع من حولنا كأمواج غاضبة.

صرخَت ليارا بشيء لم أسمعه جيدًا وسط الضجيج، ورأيت رايندار يمسك بذراعها بقوة، يتشبث بجذع شجرةٍ ضخمة تتمايل كأنها على وشك الانكسار.

وجهي كان يُصفَع بالثلوج التي قذفَتها عاصفة الرياح، أتنفس بصعوبة، كل ما أراه هو العاصفة البيضاء تبتلع كل شيء. حاولت أن أتمسك بشيء صخرة، جذع، أي شيء، لكن الرياح كانت أقوى منّي. شعرت بجسدي يُنتزع من الأرض، الهواء يخترقني كإبرٍ باردة، صرخة خرجت من حلقي دون وعي، ورأيت رايندار يمدّ يده نحوي مناديًا، ثم اختفى كل شيء في بياضٍ مطلق...

في تلك اللحظة الأخيرة، قبل أن تبتلعني الريح، رأيتُ ظلالًا تتحرك داخل العاصفة، لم ألمح شكلهم ولا عددهم... مجرد حضورٍ مرعب يجعل الهواء نفسه يرتجف. ثم سقطتُ، لا أعلم إلى أين، سوى أن العالم صار دوّامةً من الثلج والظلام.

يبدو أنني ارتطمت مع صخرة أثناء قذفي بعيدًا بهجمة الرياح القوية تلك فرأسي ينزِف دمًا، وأشعر بسائر جسدي يؤلمني وكأنه مغطّى بالكدمات. نظرت يمينًا ثم يسارًا لكنني لم أُبصر شيئًا. كل ما أراه أمامي هو مشهد كامل من البياض النقي للثلوج والضباب يحيطني من كل جهة، وبضعُ قطرات من اللون الأحمر على الثلوج نتيجة نزيف رأسي.

'أشعر بالقليل من الدوار...'

تحاملتُ على نفسي وحرَّكت قدماي للأمام وبدأت بالصراخ باسم رايندار وليارا. الألم في قلبي لا يُطاق كذلك، نبض متسارع من الألم والعذاب، وكأنني أحمل قنبلةً موقوتة على وشك الإنفجار. سقطتُ على ركبتاي أرضًا، وشددتُ ملابسي ليساعدني ذلك في احتواء الألم، ثم واصلتُ النظر حولي بحثًا عن بشرٍ وسط هذه الثلوج.

'ما كانت تلك الظلال التي أبصرتها سابقًا؟ هل هي مخلوقات ذكية؟ لقد باغثونا تمامًا! حتى حدس رايندار العالي لم يستطيع التنبؤ بذلك الهجوم... هل ذلك الاثنان بخير!؟'

فجأة، ومن العدم، ظهر أمامي كيانٌ مرعب غريب...

'ماهذا... إنه ليس بشرًا!'

أمامي ظهر إلف بأذنين طويلتين مذببتين، بشرته بلون السماء الباهتة حين تعكس الثلوج ضوء القمر، باردةٌ إلى حد يثير الخشوع، وعيناه بلون البلور الأزرق تتوهّج بنورٍ خافت كوميضٍ من أرواح الشتاء القديمة. شعره طويل ناصع كالثلج، ناعم كالحرير، ينحدر بسلاسة على كتفيه، وتعلوه تاجات من بلّورات جليدية نمت من جمجمته بشكلٍ طبيعيّ كقرون ملكٍ من عصورٍ سحيقة.

بنيته توحي بالصَّلابة، كان يقف في نفس طولي، جسده نحيف لكنه مدرَّب وعضليّ يغطيه لون أزرق سماوي. رداؤه يوحي بالمكانة المرموقة والوقار، مكوّن من طبقات من الحرير الأبيض والفراء الرمادي، تلتف حوله كدوَّامة ثلج ساكنة. تطريز صدره من خيوط فضية تتقاطع بنمطٍ معقد يشبه تشكّلات الصقيع على الزجاج، تتخللها أحجار ياقوتية صغيرة. مع رداء أزرق يغطي ظهره، مشدودًا بحزام أبيض رقيق، وعلى ساعديه قفازات بيضاء حامية تزيد من بهاء مظهره، وحزام فضيّ مزخرف يشدُّ سرواله الأبيض حتى أسفل قدميه. و عند رُكبتيه وردتان بيضاوتان متفتِّحتان مطروزتان على ثوبه. وعند قدميه يرتدي حذاءا أبيض لا فرق بين لونه ولون الثلوج التي يخطو عليها.

كان في كل خطوة يخطوها نحوي يملؤ محيطه المكون من دائرة قطرها ثلاث أمتارٍ جليدًا. كما لو أنه يُفرش لنفسه بساطًا جليديا يمشي عليه بثبات دون أن تغرق قدماه في الثلوج المتراكمة.

يبدو من مظهره الملكي أنه أحد أهم شخصيات فصيلته إن لم يكن أهمهم.

"أهلًا أيُّها البشريُّ!" قال

صوته حين تكلَّم جعل الهواء يبرد من حوله. كان صوته باردًا مثل الثلج ببحًّةٍ خفيفة أثارت الرُّعب في نفسي عند إلقائه لتلك الكلمات.

"..."

لم أستطع الإجابة، كل ما اكتفيتُ بفعله هو رمقُه بنظراتٍ مرعوبةٍ متوتِّرة.

'أين هما رايندار... ليارا... هل هما بأمان ياترى؟...'

"لقد قُلت أهلًا..." قال

تقدَّم باتجاهي خطواتٍ إضافية حتى صرنا نقِف على مسرحٍ جليدي بارد. إقترب مني كفايةً لأرفع بصري باتجاهه.

لابدَّ أنه انتبه لعينيَّ الفارغتين من شدة الخوف. لبؤبؤ عينيّ المُتَّسِع من هول التجربة التي أخوضُها. شفتاي زرقاوتان جافَّتان من حُمرة الدماء من شدة الصَّقيع البارد.

"إن كنت تتساءل عن رفاقك فأظنُّ أنهما ميتان بحلول اللحظة. حاولت تفرقتهما بهجومي ذاك رفقة تابعي لكنهم لم يفترقا عن بعضهما بعكسك..."

"لابد أنك لا تقرَبُهما بأي شكلٍ من الأشكال، ألستُ محقًّا؟" قال ببرود

"وما أدراك؟ ما أدراك بنجاتهم من عدمها؟ وما أدراك بقرابتنا من عدمها؟" قلت بتوتر

"يبدو أنك لم تبلع لِسانك بعد كل شيئ... حسناً سأجيبك لكن قبل ذلك، أريد أن أعرف سبب شعوري بحضور غريبٍ كريه منك سابقًا." تساءل قائلًا

رفعني من ياقتي حتى اختنقت وأصبح التنفس صعبًا فوق ماكان كذلك أساسًا بسبب تجمُّد الهواء حولنا.

"لقد جئت شخصيًّا لأتفقد سبب هذا الحضور الغريب الذي غَمَر حواسِّي... كما لو أن شيطانًا كريهًا ينفثُ نيرانه من داخلك!" قال باشمئزاز

"ماذا تقصد... دعني عنك!" قلت بصعوبة

"لا تدَّعي الصلابة يا شقيّ!" قال

كان يحملني من ياقتي عاليًا بيده اليمنى، بينما رفع يده اليسرى عاليًا في السماء وفَرقَع أصابعه...

شكَّل بعدها العديد من الأشكال الجليدية الحادَّة التي تطفو حوله في الهواء مصوَّبةً نحوي. كما لو أنها نصلٌ جليديِّ... العديد منها، لقد كانت رؤوسهم حادة، بمجرد النظر لهم تعلم أن الإصابة بهم توازي القطع بالسيف من مناطق متعددة.

"سأجيبك عن أسئلتك كهدية وداع مني إليك قبل قتلك وإنهاء وجود هذا الحضور القذر المنبعث منك." قال

"..."

"لقد استيقظنا من سُباتٍ طويل دام قرابة الخمسين سنة، والآن نحن جيَّاع، يبدو أن الدببة الثلجية صنعت لنفسها ملاذًا وسط غابتنا. نحن نستطيع إخفاء أنفسنا ووجودنا لذلك لم تنتبه تلك المخلوقات لنا، وعند استيقاظنا هربت وجبتنا مسرعة. كان بالإمكان صيدهم جميعًا بفرقعة إصبع، لكنني فضَّلتُ التَّريُّث والاستمتاع بصيدي هذا مثلما أفعل معك الآن." قال

"اتركني..."

في خضم ثرثرته التي لا تنتهي، كنت أختنق من قبضته التي تشدُّ ياقتي..

"أولستَ أنت من تساءلت عن سبب صعوبة نجاتهم؟ حسنًا يبدو أن سيوفكم هذه تمدكم ببعض القوة لتمكُّنكم من صيد فريستنا، لكن هذا ما دفعكم لتكونوا الآن فريستنا الجديدة... جنودي هناك حاليًا يستمتعون بصيدهم اللطيف."

"..."

"ثانيًا، لماذا لا تقرَبُهما؟ حسنًا ذلك واضح من مظهرك المختلف... مجرد غريب يعيش معهما لا أقلَّ ولا أكثر، مجرد شخصٍ إضافيٍّ لا بأس في عدم التمسك به عندما هبَّت العاصفة التي خلقتُها." قال ساخرًا

"خطأ..." قلت بصعوبة

"ما الخطأ؟!" قال

'رايندار وضع نفسه كدرعٍ لي سابقًا قبل دقائق ليس إلَّا! حماني رغم كوني عديم الفائدة، أحمق، لا يجيد شيئاً. علمني السيافة عن طيب خاطر ورعاني دون أن يطلب مني مقابلًا. لقد أكرمني وسمح لشخصٍ غريب مثلي بالعيش في منزله دون أن يراقبني واضعًا فيَّ ثقته الكاملة. منحني ملابسه وسريره حتى واكتفى بالنوم على الأرض كي أشعر وكأنني في بيتي. حاول جاهدًا جعلي انخرط في الأجواء رغم أنني بائسٌ قريب من الموت لا يردُّ له ابتسامته حتى.'

'ليارا عالجتني عندما كنت على وشك الموت، أخدت بيدي وساعدتني على تعلم أساليب العيش في هذا العالم! لقد علِمَت بأنني لم أفقد ذاكرتي لكن معاملتها لي لم تتغيَّر أبدًا، لقد اشترت لي هذا المِعطف كعربون صداقة ومودَّة وهو ما يقيني من صقيع الجليد هذا!'

"إنهم... عائلتي..." قلتُ

"فهمت... حبٌّ من طرف واحد، لابد أن ذلك صعب!"

"..."

"حضورك يجعلني أشمئز لذلك سأقتلك ببساطة، لذا أرجوك ألَّا تتحول لشبحٍ يطاردني حسنًا؟" قال

"وغد..." قلت

"وداعًا..." قال

بذلك، هجمات نصل الجليد المعلَّقة توجَّهت مسرعةً نحوي، لم يسعني سوى أن أغمض عينيَّ كما الجبان بدون قدرة على الدفاع عن مصير حياتي حتى... سلَّمت كل شيئ للقدر.

بعد بُرهة، فتحت عينيَّ فوجدت نفسي ملقيًّا على الأرض سليمًا معافى. سمعتُ هجومًا قويًّا يضرب في مكانٍ قريب قليلًا. كما لو أن هجومه قد نُقل بواسطة شخصٍ ما لمكان آخر...

'أنا حيّ؟!'

ليس طويلًا قبل أن ألمح إمرأةً بالغةً يكسو بشرتها وهجٌ فضيّ ناعم كضوء الفجر حين ينعكس على الثلوج، وعيناها الواسعتان بلون الرماد الهادئ تشعّان صفاءً ممزوجاً بحدسٍ حادّ. أذناها قصيرتان ينتصبنا فوق رأسها بين شَعرِها ومستديرتان عند الأطراف، كأن الطبيعة قصّت حدّتهما عمدًا لتمنع عنهما قسوة الصقيع. لا تنتصبان بحدة، بل تميلان قليلًا إلى الخارج، مكسوّتَين بطبقة كثيفة من الفرو الناعم الذي يملأ التجويف الداخلي ويحرسه من الرياح. على الحواف تنمو شعيرات دقيقة، شاحبة اللون، تعمل كحاجز صامت للثلج، بينما يختفي الجلد تحتهما فلا يكاد يُرى، محتفظًا بحرارته. شَعرُها بلون الرماد المائل إلى البياض، مربوط بخيوطٍ من نسيجٍ بلّوريّ. ترتدي رداءً قصيرًا من الفراء الرمادي على أكتافها، تحته درعٌ خفيف مصنوع من قشورٍ معدنية ناصعة تشبه جليد البحر. في وسطها حزامٌ من الجلد الأسود تتدلّى منه خناجر قصيرة منقوشة بعلاماتٍ بلورية تشير إلى إرثها المختلط ربما. كان لها ذيل رمادي ينساب خلفها بثقلٍ مهيب، كثيف الفراء كذيل قطٍّ سيبيراني يعيش في أقسى الثلوج.

خطواتها صامتة على الثلج، وهي تتقدَّم نحونا بهدوء.

'نصف بشرية؟ نصف قطة؟'

'قطة بهاتين الأذنين اللتان يكسوهما فراءٌ كثيف... كما القط السيبيري.'

"استيقظتُم من سباتكم إذًا... آلتوس!" قالت

"أنظروا من لدينا هنا... الساقطة فانيسا!" قال

وأنا بينهما على الأرض استطعت أن أرى مدى العداوة التي تجمعهما بمنتهى البساطة من خلال النظر في النظرة الجادة التي يرمق كلٌّ منهما الآخر...

'إلف أزرق و مستوحشة قطة! أين أنا بالضبط؟'

يُتبع...

2026/04/17 · 1 مشاهدة · 4969 كلمة
2busy4you
نادي الروايات - 2026