الفصل الأول: ذو الأذن

مسحت يدٌ خشنة بخرقة على جسم بندقية الجوهر الألمانية (G43) الخشبي بعناية، ولم تقرب يده الزناد بل ظلّ يمسح على البندقية الطويلة من قرب الفوهة بسرعةٍ تتباطأ كلما نزل للأسفل قرب الزناد.

على الرغم من تأكد الرجل المتلطم المظهر عينيه فقط من عدم وجود رصاصةٍ واحدة في المخزن فقد كانت طريقة وضعه السلاح على فخذه بطريقة أفقية وتوجيه الفوهة بعكس اتجاه الطفل النائم على جنبه الأيمن بجانبه على الحصى المتناثر قرب جبال الصحراء.

كلها افعال نتجت من خبرات وتجارب قد سببت جرحًا في قلبه حتى أصبحت غريزةً بالنسبة له.

رمى الرجل الخرقة بعد انتهائه من تلميع الخشب الأصيل لبندقه الذي يعتبر تحفةً فنية من الحرب العالمية الثانية، واستند على يديه للوراء ليلهف وجهه الهواء البارد الذي كانت تقيه النار امامه منه، دليلًا على ضعف النار العاجزة عن طرد برد الليل بعد مسافة ذراع ونصف.

أعاد وضعيته وانزل البندق من فخذه ووضعه على قماشةٍ بينه وبين النار مع توجيه الفوهة بعيدًا عنه وعن الطفل النائم، مدّ إصبع الوسطى والسبابة إلى خدِّ الطفل وأخذ يمسح عليه وقد كانت يده بحجم رأسه وأكبر، ليشعر بنعومة خده وصلابة عظامه المتلاصقة به، بشرة أنعم من الخشب المُزّيَتِ في بندقه.

رمش الطفل وقد استيقظ على احتكاك خده بشيء اشبه بالمسامير مع رائحة الزيت التي احتكرت انفه ليرى بعدها يدًا مألوفة وقد كان الزيت متوزعًا في ارجائها كبقع.

أبعد الطفل اليد بضربها بذراعه النحيلة، ثمّ انقلب على ظهره وقد حُبس بصره بالنقاط الزرقاء اللامعة التي تزين اللوحة السوداء فوقه و الشمس الرمادية الثابته كقلب اللوحة، لكن هواء الليل لم يأذن له بالبقاء على وضعيته فوقف واقترب من النار ومدّ يديه اليها.

وبعد ان تدفأ جسده التفت للرجل وهو يظهر اللؤلؤ الأبيض في ابتسامة على وجهه ويديه ما تزالان ممدودتان للنار ليهمس بسرعةٍ تداخلت بها كلماته:

"الوعل، هل سنصطاده الآن"

انزل الرجل الذي كان بطوله وهو متربعٌ على الارض اللطمة من فمه ليظهر شاربه المجعد وهو يرد ابتسامة الطفل بدون ان يدري ويشير إلى تجمع الجبال المكونة من الصخور الرملية الباهتة بجانبهم، فيرد عليه بصوتٍ عميق وكأن له صدى:

"نعم، وليس اي واحد، بل واحد ستحتفل بك القرية بصيده، واولهم أمك."

ابعد الفتى يديه من النار ولفّ جسده ليقابل الرجل بالكامل ويرد عليه بهمس سريع:

"ذو الأذن!"

"نعم هو ولا أحد غيره، هيّا اطفئ النار إلا شعلة واحدة واتبعني."

وقف الرجل بعد ان علّق البندقيةَ على كتفه، وفعل الطفل كما أمر وآتى الشعلة للرجل لكنه أمره:

"دع الشعلة معك، حتى نجد جماعة الوعول."

مشى الاثنان حفاةً وقد كان الصخر ينخر بقدميهما لكن وكأنها هذه حياتهم ظلّا يمشيان بحثًا عن ضالتِهما وأخذا يدخلان من بين وديان الجبال الجافة دون أن يتكبدا عناء صعودها كلها.

"الوعل وحشٌ صامت، لن يصرخ إذا اقتربت منه، سيظل ينظر إليك، فإما أن تقتله او تجعله يبادر بالهجوم."

انصت الطفل لكل كلمة خرجت من فمِ الرجل ولم ينطق بكلمة.

"ابو الأذن هذا بيني وبينه ثأر، فقد نطحني عندما كان صغيرا…"

"أخهم."

قطع صوت الضحكة المكتومة للطفل كلام الرجل فألتفت اليه متذكرًا عمره وسأله ممازحًا اياه بصوته:

" أتضحك علي ؟ أظنك أحق بالنطح."

ظلّا يمشيان حتى ذهبت اللوحة السوداء ذو النقاط الزرقاء وأفسحت مجالًا ليحل عوضًا عنها اللون الذهبي من وراء الجبل مع الرمادي والبنفسجي الذي صبغ العالم.

ليريا على حافة صخرية صغيرة حيوانًا يقف عليها وكأنه لا يوجد أوسع منها.

اقدامه مصبوغة بالأسود من الأمام ومن الأبيض بالخلف لديه لحية، وقرناه طويلان مقوسان، في منتصفهما يمكن رؤية الشمس الرمادية -القمر- التي خفت ضوئها ايذانًا بانتهاء وقتها، وتسليم الأضواء لأختها.

بعد ظهوره مباشرة بدأت الوعول ذات القرون الصغيرة بتحويطه لتجعل منه مركزًا لها، وموجهًا لهم بأفعاله لا أقواله، لكن لم يسمح لهم الرجل بإكمال ما يفعلونه حيث أخذ الشعلة من يد الطفل ثمّ رماها عليهم مشتتًا اياهم.

ولم يكن الهواء بصالح الوعول حيث لم يحمل لهم رائحة البشر ولا رائحة النار فما كان بإمكانهم إلا ان يتشتتوا بصمت بعد ان أضاف الرجل ثلاث طلقات لتوجيههم بعيدًا عن قائدهم.

التفت القائد لمسبب الإزعاج وبسبب هذا ظهرت أذنه الأخرى وقد كانت مخرومة.

انزل الوعل رأسه لينظر للطفل والرجل من مكان مرتفع وقد ظلّ يدرسهم، كبالغ يرى أطفال يلعبون بالوحل.

لم يحرك من مكانه ساكنًا حتى رأى الرجل يعيد تصويب سلاحه عليه، في هذه اللحظة قفز الوعل لأعلى فهو لايمشي للأمام والخلف بل يمشي لفوق وتحت على المنحدرات الصخرية الضيقة.

لكن وكأن الطلقة لم يقصد بها الوعل اصابت الحجرة التي اسند الوعل عليها رجله بعد ان قفز، فيتدحرج ساقطًا من على الجبل حتى وصل إلى الرجل والطفل.

استعاد توازنه بسرعة عندما وصل اليهما فرفع نفسه على رجليه الخلفيتين ثم بدأ يهبط بقرنه المقوس الثقيل على الطفل بقربه لينطحه.

مما تسبب في ان يفقد كل شيء في العالم هويته ولا يبقى في رؤيته سوى هذا القرن الهابط.

"ابتعد!"

وعندما كان القرن فوقه بذراع جاء الرجل بينهما وأمسك بقرن الوعل اليمين الساقط بعد ان رمى بندقه على الارض بيسراه.

لكن لحظ الطفل السيء عوضًا عن أن يضرب بقرنين، فقد منقذه توازنه ليسقط بجثته الضخمة عليه.

بعد ان سقط الرجل أدخل إبهامه لعين الوعل شاعرًا بشعور اقرب شيء اليه هو فقع البالون، لم يكن هناك دم، فقط شعور لزج كالهلام، مما تسبب في ان يرغب الوعل بالهرب لكن الرجل لم يترك له فرصة وترك قرنه واستخدم إبهامه الآخر ليدخله في عين الوعل الأخرى ويثبت رأسه.

سقطت قطعة من العين الثانية التي فقأها من التجويف لتعلق على ظهر يد الرجل، قاوم الوعل وأخذ يحاول ركل الرجل لكي يفلته ويهرب لكن الرجل ظلّ مثبتًا إياه، بشعور احتكاك ظهره على الطفل الصغير.

أحس الرجل ببلل ظهره ودفئه وأحمرّت عيناه نتيجة لذلك، فشد قبضته على رأس الوعل وبؤرتي عينيه ليشعر بدفء تجويفهما وخشونة صوف الوعل مع ضرب لحيته للطمته.

بكل ما كان لديه من قوة ومالم يكن لديه، رفع الرجل الوعل ورماه بعيدًا عنهما، وعندما خرج اخيرًا من قبضته حاول الهرب لكنه أخذ يدور على نفسه بقرب الاثنين.

"لا… لا لا لا!"

صرخ الرجل وهو يعدل من وضعية جسمه، وعندما التفت ليرى ما خلفه وجد الطفل ورأسه بين بركة حمراء.

وضع يديه تحت رأسه ليشعر بجانب الدفئ والشعر الخشن بشيء صلب.

عندما نظر لخلف رأسه وجدَ صخرة قد علقت به.

"هاي، حمزة، حمزة، انت نائم، صحيح؟"

أخذ الرجل يهزّ في حمزة لكنه لم يتلقى اي رد.

"كطفل، كأي طفل نومك ثقيل جدًا، صحيح حمزة؟"

أخذ الرجل يصفع خدّ حمزه لكن…

لا رد.

عانق الرجل حمزة والدم ينزل من رأسه ليسيل على ذراعه.

رفع رأسه فرأى الوعل يقفز ويدور بلا هدف فصرخ عليه:

"أنت… أنت السبب يا ذا الأذن المخرومة! سأقتص منك حقي!"

انطلق إلى بندقه الذي رماه، أخذه وصوب على رقبة الوعل، ثمّ…

سُمع صوت ثلاث طلقات

2026/08/21 · 4 مشاهدة · 1036 كلمة
Sloooooomy
نادي الروايات - 2026