الفصل الأول: دماء على مفتاح الزمن
[المكان: "برج الخلود" - الطابق 100 - قاعة العرش الملعونة]
كان الهواء ثقيلاً لدرجة أنه كاد يكسر الأضلاع. في هذا الارتفاع السام، لم تكن الأكسجين هو ما تتنفسه، بل ذرات من "المانا" المتعفنة التي تفوح برائحة الجثث المحترقة.
على الأرض المحطمة، كان التنين الأسطوري "أوفيرنوس" يلفظ أنفاسه الأخيرة. كل شهيق منه كان يطلق سحابة من الدخان الكبريتي، ودمه الذهبي الحارق يتدفق من جرح غائر في رقبته، ليذيب الصخور ويحولها إلى حمم سائلة.
"أخيراً..." همس كانجي كاجيرو، وصوته يشبه احتكاك الصخور.
كان جائثاً على ركبة واحدة، يستند إلى سيفه المكسور. شعره الأبيض الناصع، الذي كان دائماً علامة على "النحس" في طفولته، تطاير مع الرياح المشبعة بالرماد. رموشه وحواجبه البيضاء الكثيفة كانت مغطاة بطبقة من الدماء الجافة، وعيناه الحمراوان الغامقتان، اللتان تشبهان بحيرتين من الدماء المركزّة، كانتا تحدقان بذهول في جثة الطاغية الساقط.
"كانجي! لقد فعلتها يا وغد!" صرخ "ساتوشي"، وهو يتقدم نحو كانجي بابتسامة عريضة، لكن عينيه كانت تلمع ببريق غريب.
"لا أصدق.. رتبة C يوجه الضربة القاضية لسيد البرج؟" قالت "مينا"، وهي تمسح الدماء عن خنجرها، ونبرة صوتها تحمل مزيجاً من الاحتقار والدهشة.
كانجي لم يرد. كان ينظر إلى معصمه، حيث ظهرت فجأة ساعة سوداء غامضة، تروسها تتحرك بعكس عقارب الساعة وصوت دقاتها يتردد داخل جمجمته كطبول الحرب.
"تلك الساعة..." تقدم القائد "تيتسويا"، الرجل الذي يرتدي درعاً ذهبياً لامعاً رُغم المعركة. "إنها 'مفتاح الكرونوس'.. المكافأة الوحيدة من الرتبة S+ في تاريخ البرج."
التفت كانجي نحو تيتسويا، الرجل الذي كان يلقبه بـ "الأخ" طوال ثلاثين عاماً من الصعود المرير. "تيتسويا، لقد فقدنا الكثير.. لكننا أخيراً سنخرج من هذا الجحيم. يمكننا إعادة بناء العالم!"
توقف تيتسويا على بُعد خطوات، ونظرة باردة غطت وجهه. "إعادة بناء العالم؟ يا لك من ساذج يا كانجي. العالم لا يحتاج لضعفاء من أمثالك ليعيدوا بناءه. العالم يحتاج لآلهة."
[شخخخخت!]
قبل أن يستوعب كانجي الكلمات، شعر ببرودة قاتلة تخترق ظهره. نظر للأسفل، ليرى نصل سيف تيتسويا الذهبي يبرز من منتصف صدره، محطماً عظام القفص الصدري وممزقاً قلبه إرباً.
"لماذا...؟" سعل كانجي دماً غزيراً غطى وجهه.
"لأن التاريخ يكتبه الأقوياء،" همس تيتسويا في أذنه وهو يدير السيف ببطء، مستمتعاً بصوت تمزق الأنسجة. "هل تعتقد أن العالم سيصدق أن رتبة C بائسة مثلك قتلت التنين؟ لا.. أنت متّ بطلاً في المعركة، وأنا، تيتسويا، من طهر البرج. هذه الساعة، وهذه القوة، ليست لأمثالك."
ضحكت مينا في الخلفية: "لا تحزن يا كانجي، على الأقل ستموت وأنت تظن أنك أنجزت شيئاً. الحظ لا يصنع الأبطال، بل القوة والجشع."
سحب تيتسويا سيفه بعنف، ليسقط كانجي على وجهه، ودمه يتدفق بغزارة ليصب فوق الساعة السوداء. في تلك اللحظة، شعر كانجي بمرارة الخيانة تحرق روحه أكثر من جرح صدره. تذكر والده "كاجيرو" الذي مات فقيراً، تذكر سنوات التنمر في مدرسة المستيقظين بسبب مظهره "الأمهق" وعينيه الحمراوين.
"لو.. لو كان هناك عدل في هذا الكون.." فكر كانجي وهو يغلق عينيه، "سأمزق حناجركم بأسناني."
فجأة، اهتزت الساعة السوداء. الدماء التي سقطت عليها لم تكن دماء عادية؛ كانت دماء شخص صمد ثلاثين عاماً في البرج بجهد بشري خالص.
[نظام 'كرونوس' يستشعر رغبة الانتقام المطلقة.]
[تم استيفاء الشرط السري: دماء 'المنبوذ' تمتص مانا 'سيد البرج'.]
[تفعيل مهارة العودة القسرية: 'إعادة ضبط العالم'.]
"ماذا؟!" صرخ تيتسويا وهو يرى جسد كانجي ينبعث منه ضوء أبيض يعمي الأبصار. "توقف! الساعة ملكي!"
لكن الوقت كان قد فات. تحول العالم إلى حطام من النور، وتلاشت أصوات الخونة في صرخة مدوية هزت أركان البرج.
[الزمن: العام 71 بعد ظهور الأبراج - الساعة 7:00 صباحاً]
استيقظ كانجي بشهقة قطعت صمت الغرفة، جسده ينتفض وكأنه تعرض لصدمة كهربائية. تحسس صدره بهستيريا، يمزق قميصه القطني الرخيص ليتأكد.. لا يوجد جرح. لا يوجد سيف.
نظر حوله بذهول. كان في غرفة صغيرة جداً، جدرانها مغطاة بملصقات قديمة لفرق عسكرية ومقاتلين من المستيقظين. رائحة الخشب الرطب والحساء الدافئ تفوح في المكان.
"هذا المستودع.. غرفتي القديمة؟" همس بصوت متهدج.
نهض ببطء، ساقاه ترتجفان. اتجه نحو مرآة صغيرة مكسورة في الزاوية. انعكس وجهه؛ وجه صبي في السادسة عشرة. شعره الأبيض كالثلج، بشرته الشاحبة جداً، وعيناه الحمراوان اللتان تبدوان الآن أكثر عمقاً، كأنها تخبئ داخلها جحيماً كاملاً.
[تنبيـــــه!]
[تمت مزامنة روح 'كانجي كاجيرو' مع جسده في الماضي.]
[الرتبة: E (قفل المهارات مفعل).]
[المهارة النشطة الوحيدة: 'إتقان القتال المطلق' (الرتبة SSS - من حياتك السابقة).]
"كانجي؟ هل استيقظت يا بني؟ ستتأخر على مدرسة المستيقظين!"
تسمر كانجي في مكانه. ذلك الصوت.. لم يسمعه منذ ثمانية وثلاثين عاماً. فتح الباب ببطء، ليرى رجلاً طويلاً بملابس عامل بسيطة، يبتسم له وهو يضع إفطاراً بسيطاً على الطاولة.
"أبي..؟" نطق كانجي الكلمة وكأنها أثمن جوهرة في العالم.
"ما بك يا ولد؟ كأنك رأيت شبحاً،" ضحك الأب كاجيرو. "أعلم أن اختبار الرتبة اليوم يجعلك متوتراً، لكن لا تقلق، حتى لو ظلت رتبتك E، سأظل فخوراً بك وبشكلك المميز هذا."
اندفع كانجي وارتمى في حضن والده، يبكي بصمت وتفجر. كاجيرو صُدم، لكنه ربت على ظهر ابنه بحنان. "هون عليك يا بطل.. ماذا حدث؟"
"سأنقذك.." همس كانجي في قلبه، "هذه المرة، الحادث الذي سيقع بعد يومين.. لن يحدث. والأبراج التي سحقتنا.. سأحولها إلى رماد."
ابتعد كانجي، ومسح دموعه، ليرى في عين والده انعكاس نسخته الجديدة. لم يعد ذلك المراهق الضعيف الذي يخشى المتنمرين.
"أبي، سأذهب للمدرسة الآن،" قال كانجي وصوته يحمل ثباتاً أرعب كاجيرو للحظة. "لكن تذكر.. لا تخرج من المنزل بعد غدٍ مهما حدث. هل تعدني؟"
"ماذا؟ لماذا يا بني؟"
"فقط عدني!" صرخ كانجي بحدة، ثم هدأ صوته: "أرجوك.. حياتي تعتمد على هذا الوعد."
[المكان: مدرسة 'شين جين' للمستيقظين - بعد ساعة]
مشى كانجي في الممرات، والعيون تلاحقه كالعادة. الهمسات كانت تدور حوله كالأفاعي.
"انظروا، الأمهق عاد."
"عيناه الحمراوان تشعرني بالقرف، كيف سيمثل هذا الغبي مدرستنا في البرج؟"
توقف كانجي أمام فصله، ليجد الطريق مسدوداً بـ "دايكي"، متنمر الفصل ورتبة D+ الذي كان يذيقه الويل في حياته السابقة.
"أوه، انظروا من هنا،" قال دايكي وهو يضع يده على كتف كانجي بقوة. "هل بكيت قبل المجئ؟ عينك الحمراء تبدو أكثر دموية اليوم. هل تريد مني أن أعطيك سبباً حقيقياً للبكاء؟"
في حياته السابقة، كان كانجي سيخفض رأسه ويعتذر. لكن الآن، نظر كانجي مباشرة في عيني دايكي. لم تكن نظرة خوف، بل نظرة صياد ينظر إلى حشرة.
"ارفع يدك عني،" قال كانجي ببرود يجمّد العروق، "قبل أن أضطر لكسرها من ثلاث مناطق مختلفة."
انفجر الفصل بالضحك، لكن دايكي شعر ببرودة مفاجئة. "ماذا قلت يا حثالة الرتبة E؟"
رفع دايكي قبضة مشحونة بمانا ضعيفة ليوجه ضربة لوجه كانجي. بالنسبة للطلاب، كانت الحركة سريعة. بالنسبة لكانجي، الذي قاتل تنانين وشياطين، كانت الحركة تبدو وكأنها تسير بالتصوير البطيء.
بتحرك لا يتجاوز السنتيمترات، تفادى كانجي القبضة، وفي لمح البصر، أمسك بمعصم دايكي ولوى ذراعه خلف ظهره بحركة فنية لم يرها أحد من قبل، ثم ضغط بإبهامه على نقطة ضغط في الرقبة.
"آآآآآغ!" صرخ دايكي وسقط على ركبتيه، جسده كله يرتجف.
"القوة ليست في الرتبة يا دايكي،" همس كانجي في أذنه وهو يضغط بقوة أكبر، "القوة في معرفة أين تضرب لتنهي الخصم في ثانية. لا تلمسني مجدداً.. وإلا سأقتلع لسانك."
ترك كانجي دايكي المنهار وسط ذهول الجميع، ودخل الفصل وجلس في مقعده الخلفي، ينظر من النافذة نحو الأبراج البعيدة.
"البداية ستكون هنا،" فكر كانجي، "سأجمع الموارد، سأمنع الكارثة، وسأنتظر تيتسويا في القمة.. لأريه معنى الجحيم الحقيقي."